هل تقتل التكنولوجيا دفء العائلة؟ أرقام صادمة عن استخدام الأجهزة أثناء الطعام
الشاشات تعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة.. استخدام التليفونات أثناء الوجبات العائلية يقتل التواصل الإنساني
تشهد وجبات العائلة تحولًا لافتًا في السنوات الأخيرة، مع تصاعد حضور الشاشات على مائدة الطعام، في ظاهرة تعكس تغيرًا عميقًا في أنماط التواصل داخل الأسرة الحديثة.
لطالما مثّلت الوجبات العائلية ركيزة يومية تجمع أفراد الأسرة، وتوفر مساحة للتفاعل وتبادل الأحاديث وتعزيز الروابط الاجتماعية. إلا أن هذا المشهد التقليدي بات يواجه منافسًا قويًا يتمثل في الأجهزة الرقمية، التي تسحب الانتباه تدريجيًا بعيدًا عن التفاعل الإنساني المباشر.
في هذا السياق، سعى باحثون من جامعة أريزونا إلى قياس مدى انتشار استخدام الوسائط الرقمية أثناء تناول الطعام، وهي ظاهرة لطالما لاحظتها الأسر دون أن تحظى بقياس علمي دقيق.
واعتمدت الدراسة على استطلاع شمل أولياء أمور لأطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و10 سنوات، لرصد أنماط استخدام الأجهزة، ونوعها، وتكرار استخدامها خلال الوجبات.
وكشفت النتائج عن رقم لافت؛ إذ أفاد أكثر من 70% من الأسر باستخدام نوع من الوسائط الرقمية أثناء تناول الطعام، سواء عبر الهواتف الذكية أو أجهزة التلفزيون أو الأجهزة اللوحية أو منصات الألعاب المحمولة. وهو ما يعكس انتشارًا واسعًا لهذه العادة داخل المنازل.
وأكدت الباحثة الرئيسية للدراسة، جياوين وو، أن وقت الوجبة يمثل حالة خاصة داخل الحياة الأسرية، حيث يُفترض أن يكون فرصة للتقارب والتواصل، لكن وجود الشاشات على الطاولة يغيّر طبيعة هذا التفاعل، ويعيد تشكيله بصورة قد تُضعف الروابط بين الأفراد.

حجم الظاهرة وانتشارها
من جانبه، أوضح الباحث ماثيو لابيير، أن الدراسة لم تهدف إلى تفسير أسباب لجوء الأفراد إلى الشاشات خلال الوجبات، بقدر ما ركزت على حجم الظاهرة وانتشارهان فعندما تستخدم سبع من كل عشر أسر الأجهزة الرقمية أثناء تناول الطعام، يصبح من الضروري التوقف عند هذه الظاهرة وتحليل أبعادها.
وأظهرت البيانات، أن مجرد التواجد الجسدي على الطاولة لا يعني بالضرورة المشاركة الفعلية، إذ يمكن للفرد أن يكون حاضرًا بجسده، لكنه غائب ذهنيًا بسبب انشغاله بهاتفه أو جهازه، هذا “الغياب الذهني” يطرح تساؤلات حول جودة التفاعل الأسري في ظل هيمنة التكنولوجيا.
ومن النتائج المفاجئة أن استخدام الآباء للأجهزة لم يكن مرتبطًا بشكل مباشر باستخدام الأطفال لها أثناء الوجبات. وهو ما يخالف الافتراض الشائع بأن سلوك الأطفال يعكس سلوك الوالدين. وتشير هذه النتيجة إلى أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب التعامل مع كل فئة على حدة، بدلًا من الاعتماد على نموذج تقليدي قائم على القدوة فقط.
كما برز عامل الخلفية العرقية كأحد أبرز المؤشرات المؤثرة في أنماط الاستخدام. فقد أظهرت البيانات أن الأسر الأمريكية من أصل أفريقي تميل إلى الاستخدام المشترك للوسائط، حيث يشاهد الآباء والأطفال المحتوى سويًا، ما قد يفتح مجالًا للتوجيه والتفاعل.
في المقابل، تميل الأسر الأمريكية من أصل آسيوي إلى الاستخدام الفردي، حيث ينشغل كل فرد بجهازه بشكل منفصل.
وأشارت الدراسة إلى أن نوع الجهاز المستخدم يلعب دورًا مهمًا في تشكيل طبيعة التفاعل، فالأجهزة ذات الشاشات الكبيرة، مثل التلفزيون، تتيح مشاهدة جماعية قد تتحول إلى موضوع للنقاش، بينما تعزز الهواتف الذكية الاستخدام الفردي وتخلق عزلة داخلية لكل فرد.

السلبيات والإيجابيات
ورغم المخاوف المرتبطة بهذه الظاهرة، شدد الباحثون على أن الصورة ليست سوداء بالكامل.
فالتأثيرات السلبية لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، وقد تحمل بعض أشكال الاستخدام جوانب إيجابية، مثل تقليل التوتر أو خلق لحظات مشتركة حول محتوى معين.
وفي ضوء هذه النتائج، لا تقدم الدراسة توصيات صارمة، بقدر ما تدعو إلى رفع الوعي لدى الأسر بشأن عادات استخدام الأجهزة أثناء الوجبات، إذ يمكن أن تكون الخطوة الأولى نحو تحسين جودة التفاعل الأسري هي مجرد الانتباه إلى هذه السلوكيات ومراجعتها.
وفي النهاية، تظل مائدة الطعام مساحة رمزية للعلاقة بين أفراد الأسرة، ويعتمد الحفاظ على دورها في تعزيز الترابط على قدرة الأفراد على تحقيق توازن واعٍ بين العالم الرقمي والحضور الإنساني الحقيقي.





