عندما تتوقف الرياح وتغيب الشمس.. كيف تواجه أوروبا أخطر اختبارات الطاقة المتجددة؟
أوروبا أمام معضلة الطاقة الخضراء.. كيف تؤمّن الكهرباء عندما تتوقف الرياح وتضعف الشمس؟
تواجه منظومة الكهرباء الأوروبية اختبارًا متزايدًا مع التوسع السريع في الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إذ يمكن لفترات طويلة من ضعف الرياح وانخفاض إنتاج الطاقة الشمسية أن تضع الشبكة تحت ضغط شديد، خصوصًا خلال فصل الشتاء عندما يرتفع الطلب على الكهرباء للتدفئة.
وتكشف دراسة جديدة أن أوروبا قد تحتاج إلى قدرات كهرباء احتياطية مرتفعة التكلفة للحفاظ على استقرار الشبكة خلال الفترات التي تتراجع فيها مصادر الطاقة المتجددة بالتزامن مع ارتفاع الطلب.
ونشرت الدراسة في دورية Nature Sustainability، وأجراها باحثون من الجامعة التقنية في الدنمارك (DTU) وجامعة نيوكاسل، حيث اختبروا أداء نظام كهرباء أوروبي مستقبلي خالٍ من الانبعاثات تقريبًا باستخدام 80 عامًا من بيانات الطقس التاريخية.
«جفاف الطاقة».. عندما تغيب الرياح والشمس معًا
ركز الباحثون على ما يعرف باسم «أحداث تحديد النظام»، وهي الفترات التي تتعرض فيها منظومة الكهرباء لضغوط استثنائية، وتصبح خلالها قرارات الاستثمار في التوليد والتخزين ونقل الكهرباء أكثر أهمية.
وتحدث إحدى أخطر هذه الحالات عندما ينخفض إنتاج الطاقة من الرياح والشمس في الوقت نفسه، بينما يرتفع الطلب على الكهرباء.
ويطلق على هذه الظاهرة اسم «جفاف الطاقة»، ويمكن أن تمتد آثارها إلى مساحات واسعة من القارة الأوروبية بسبب الترابط الكبير بين شبكات الكهرباء في الدول الأوروبية.
وتشير الدراسة إلى أن الخطر الأكبر يظهر خلال أشهر الشتاء المظلمة والباردة، عندما تتزامن درجات الحرارة المنخفضة مع ضعف سرعة الرياح وانخفاض إنتاج الطاقة الشمسية لعدة أيام متتالية.
وهنا تظهر إحدى أبرز مشكلات أنظمة الطاقة المتجددة: فالبطاريات يمكنها التعامل مع تقلبات قصيرة الأجل، لكنها قد لا تكون كافية لتغطية عجز يمتد لعدة أيام.

80 عامًا من الطقس لاختبار مستقبل الكهرباء
استخدم الباحثون نموذجًا مفتوح المصدر لمنظومة الطاقة، وبنوا نموذجًا افتراضيًا لشبكة كهرباء أوروبية مستقبلية تعتمد على الطاقة النظيفة، ثم اختبروا أداءها باستخدام بيانات الطقس خلال الفترة من 1941 إلى 2021.
وأتاح هذا النهج للباحثين دراسة الظروف الجوية المعتادة، إلى جانب السنوات شديدة التطرف التي يمكن أن تؤثر بصورة حاسمة في تصميم منظومة الطاقة المستقبلية.
واعتمد تحديد الفترات الأكثر ضغطًا على مقياس يستند إلى مفهوم «أسعار الظل»، وهو مؤشر في نماذج الطاقة يعكس مستوى الضغط الذي تواجهه المنظومة عند محاولة تلبية الطلب في وقت معين.
وكلما ارتفعت قيمة المؤشر، زادت الحاجة إلى قدرات إضافية من التوليد والتخزين وشبكات نقل الكهرباء.
الشتاء.. نقطة الضعف الأكبر
قالت مارتا فيكتوريا، أستاذة طاقة الرياح في الجامعة التقنية في الدنمارك، إن أنظمة الطاقة المستقبلية ستعتمد بصورة كبيرة على مصادر الطاقة المتجددة، باعتبارها من أقل مصادر توليد الكهرباء تكلفة وتساعد أيضًا على تعزيز استقلال الطاقة.
لكن عندما يتجاوز الطلب حجم الإنتاج المتاح، تصبح قدرات التوليد الاحتياطية ضرورية لتغطية العجز والحفاظ على استقرار الشبكة.
وأوضحت الدراسة أن هذه القدرات الاحتياطية قد تكون مكلفة مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة وغيرها من التقنيات، مثل الطاقة الكهرومائية، كما أنها لا تُستخدم إلا في حالات نادرة نسبيًا.
وتخلق هذه المعادلة مشكلة اقتصادية صعبة؛ إذ تحتاج الدول إلى الاستثمار في قدرات قد تظل غير مستخدمة لفترات طويلة، لكنها تظل ضرورية عندما تضرب ظروف جوية استثنائية منظومة الكهرباء.
«Dunkelflaute».. عندما يهدأ كل شيء
يستخدم الباحثون مصطلحًا ألمانيًا شهيرًا هو «Dunkelflaute» لوصف فترات الهدوء الطويلة التي تتزامن فيها قلة الرياح مع ضعف الإشعاع الشمسي.
وفي هذه الظروف، لا تكون المشكلة بالضرورة غياب الطاقة المتجددة على مدار العام، وإنما عدم القدرة على إنتاج الكهرباء بالسرعة المطلوبة في اللحظة التي يرتفع فيها الطلب.
ويقول ألكسندر جروشوفسكي، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في DTU Wind والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن أكبر المخاطر تظهر عندما تتزامن سرعات الرياح المنخفضة مع درجات الحرارة الباردة خلال أشهر الشتاء.
وبالتالي، فإن الطقس «المتطرف» من منظور نظام الطاقة لا يعني بالضرورة عاصفة أو موجة حر؛ فقد يكون في بعض الأحيان مجرد طقس هادئ وبارد ومظلم يستمر عدة أيام.

أمثلة سابقة تكشف الخطر
شهدت أوروبا بالفعل حالات مشابهة خلال السنوات الماضية.
ففي عام 2021، أدى انخفاض غير معتاد في سرعات الرياح في مناطق شمال غرب ووسط أوروبا إلى تراجع إنتاج طاقة الرياح لفترات طويلة، وأسهم ذلك في ارتفاع أسعار الكهرباء.
وفي يناير 2017، تزامنت موجة برد مع انخفاض إنتاج طاقة الرياح وارتفاع الطلب على التدفئة، ما زاد الضغط على أنظمة الكهرباء في عدد من الدول الأوروبية.
وتشير هذه الحالات إلى أن المشكلة ليست نظرية فقط، بل يمكن أن تتحول إلى أزمة حقيقية عندما تتزامن عدة عوامل مناخية في الوقت نفسه.
موجات الحر تقدم درسًا آخر
ولا تقتصر اختبارات مرونة شبكات الكهرباء على الشتاء.
فخلال صيف 2026، أدت موجات الحر القياسية في مناطق واسعة من أوروبا إلى زيادة الضغط على أنظمة الكهرباء، مع ارتفاع الطلب المسائي نتيجة استخدام أجهزة تكييف الهواء.
وفي الوقت نفسه، ساهم نقص قدرات تخزين البطاريات وتوقف بعض محطات الطاقة الحرارية والنووية في زيادة الضغوط على الشبكات.
وتكشف هذه الأحداث أن أنظمة الكهرباء المستقبلية ستحتاج إلى الاستعداد لمجموعة واسعة من الظواهر الجوية المركبة، وليس فقط للتقلبات المعتادة في إنتاج الطاقة المتجددة.

الطاقة الاحتياطية.. حل ضروري لكنه مكلف
تفرق الدراسة بين نوعين رئيسيين من مرونة أنظمة الطاقة.
المرونة قصيرة الأجل تعني قدرة الشبكة على التعامل مع أحداث تمتد لساعات أو أيام، مثل الانخفاض المفاجئ في إنتاج الطاقة المتجددة.
أما المرونة طويلة الأجل فتتعلق بالتصميم العام لمنظومة الكهرباء، بما في ذلك حجم قدرات التوليد والتخزين وشبكات النقل المطلوبة للتعامل مع التغيرات التي تمتد على سنوات وعقود.
وخلص الباحثون إلى أن قدرات التوليد الاحتياطية تعزز المرونة قصيرة الأجل، بينما تعتمد المرونة طويلة الأجل على بناء منظومة بالحجم المناسب، مع توفير قدر كافٍ من مصادر الطاقة المتجددة.
لا حل واحدًا لأمن الكهرباء
لا يعتمد تأمين الكهرباء الأوروبية على مصدر واحد، بل يحتاج إلى مزيج من الأدوات، يشمل الطاقة المتجددة، ومصادر منخفضة الكربون، والبطاريات وأنظمة التخزين، إضافة إلى شبكات نقل قادرة على نقل الكهرباء بين المناطق.
ويمكن للربط الكهربائي بين الدول أن يساعد في نقل الكهرباء من المناطق التي تشهد إنتاجًا مرتفعًا إلى المناطق التي تعاني عجزًا، لكن الظروف الجوية واسعة النطاق قد تؤثر في مناطق متجاورة في الوقت نفسه، ما يحد من فاعلية الاعتماد على الواردات وحدها.
ولهذا تظل القدرات الاحتياطية عنصرًا مهمًا خلال فترات الضغط القصوى.
المعضلة الاقتصادية
تكمن إحدى أكبر العقبات في أن حالات النقص الحاد في إنتاج الطاقة المتجددة نادرة نسبيًا، كما يصعب التنبؤ بوقوعها على المدى الطويل.
وهذا يعني أن محطات وقدرات احتياطية قد تُبنى بتكلفة كبيرة، لكنها تظل غير مستخدمة لفترات طويلة.
وفي المقابل، فإن عدم توفيرها قد يؤدي إلى نقص الكهرباء وارتفاع الأسعار وربما اضطرابات في الإمدادات خلال فترات الطقس القاسي.
وترى الدراسة أن هذا التحدي يتطلب تخطيطًا أفضل للسوق والاستثمارات، بحيث تتم مكافأة القدرات التي توفر أمن الطاقة حتى لو كان استخدامها الفعلي محدودًا.
التوسع في المتجددة لا يتعارض مع أمن الطاقة
رغم التحذيرات، لا تدعو الدراسة إلى التراجع عن التوسع في الطاقة المتجددة.
بل تؤكد أن زيادة قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تظل من أفضل الاستراتيجيات لتوفير كهرباء منخفضة التكلفة خلال معظم أيام العام، إلى جانب خفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية التعامل مع الأيام القليلة التي لا تنتج فيها مصادر الطاقة المتجددة ما يكفي لتلبية الطلب.
وتقول فيكتوريا إن أوروبا بحاجة إلى تسريع بناء مشروعات الطاقة المتجددة، بالتوازي مع التفكير بصورة أكثر جدية في المرونة المطلوبة خلال الفترات القصيرة التي لا تكفي فيها هذه المصادر.
وتشير النتائج إلى أن تحديد متى تتعرض الشبكة لأقصى درجات الضغط، وكم مرة تتكرر هذه الظروف، وما حجم القدرات المطلوبة لمواجهتها يمكن أن يوفر أساسًا أفضل لاتخاذ قرارات الاستثمار.
وبذلك، فإن مستقبل الكهرباء الأوروبية لن يعتمد فقط على كمية الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي يمكن تركيبها، وإنما أيضًا على قدرة القارة على بناء منظومة مرنة تستطيع الصمود أمام أيام الشتاء التي تهدأ فيها الرياح وتختفي فيها الشمس.





