د.عطية سليم شلح: صراع النفوذ في الشرق الأوسط.. كيف تعيد الجيوبوليتيكا رسم خريطة المنطقة؟
دكتوراة في الجغرافيا السياسية
الجيوبوليتيك تعصف بجيوسياسية الشرق الأوسط
مما لا شك فيه أن ما يحدث من تطورات تحمل طابع “لعبكة سياسية”، في منطقة الشرق الأوسط، التي تضم الوحدات السياسية العربية إضافة إلى تركيا وإيران، يحتاج إلى سرد مستفيض لكافة المصطلحات الجيوسياسية والجيوبوليتيكية، بما يعكس أن الأولى باتت على المحك، بينما أصبحت الثانية أمرًا واقعًا.
إن الوطن العربي، إن صح التعبير، يمثل مساحة جيوسياسية تقارب أربعة عشر مليون كيلومتر مربع، وكأنها أصبحت هباءً منثورًا، إذ تحول إلى مجال لاستقطاب قوى أخرى. وهنا يبرز التساؤل: هل أصبح هذا الامتداد الجغرافي نقمة؟
الواقع يوحي بذلك، لأن سكانه وقعوا في سلبية سياسية بكل إرهاصاتها، دون إدراك حقيقي لقيمة الذات، فهانت تلك القيمة وطمع الآخرون.
ولم يُحرَّك الساكن، بل فُضِّل وضع الرأس في الرمال، دون اتخاذ موقف يعبر عن القيم الدينية والجيوسياسية والجيوإستراتيجية والجيوعسكرية والجيواقتصادية، مع تجاهل مصطلحات مثل الأمن القومي، والبعد الإستراتيجي، والمجال الحيوي، والمجال الجوي.
وقد عزز ذلك حضور الجيوبوليتيك بمصطلحاتها على أرض الواقع، بقيادة النظام العالمي الذي يسعى إلى دعم كيان غير شرعي في المنطقة.
ومن هنا ظهرت حركة صهيوأمريكية، تلتها أخرى صهيوأوروبية، رغم معارضة بعض الدول الأوروبية، خاصة في شبه جزيرة أيبيريا.
هل يمكن أن تعود المنطقة إلى أجواء العصور الوسطى؟
ويُطرح التساؤل: هل يمكن أن تعود المنطقة إلى أجواء العصور الوسطى بما يشبه الحملات الصليبية؟ وهل تتحول الصراعات إلى حرب عقائدية كما يرى البعض، مع محاولات تأسيس عقيدة إبراهيمية جديدة في المنطقة تضمن الهيمنة الدائمة؟ أم أن هذه مجرد ذرائع لأطماع جيوبوليتيكية؟
الملاحظ، أن التيار الجمهوري في الولايات المتحدة، بزعامة رئيس يمنح دعمًا مطلقًا للكيان المغتصب، يسعى إلى ترويض وتهديد العديد من الكيانات العالمية لتسير وفق أيديولوجيته الخاصة، التي تتوافق مع مصالح ذلك الكيان، بدعم من اللوبي الصهيوأمريكي.
كما يجري استخدام معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كأداة ضغط ضد الدول الرافضة لها.
وفي هذا السياق برز الصدام مع المشروع الفارسي وما يُعرف بالمد الشيعي في المنطقة، رغم تأكيد بعض التحليلات أن العلاقات الإيرانية الإسرائيلية لم تكن دائمًا متوترة.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى اقتراب إيران من امتلاك القدرة النووية، الأمر الذي قد يهدد خطط إقامة ما يُسمى بإسرائيل الكبرى، ويدفع نحو صدام محتمل.
ومن هذا المنطلق تبدو الجيوبوليتيك أكثر حضورًا وتأثيرًا، إذ سعت إيران إلى تعزيز سيطرتها الجيوإستراتيجية على مضيق هرمز، الذي يحمل اسمًا فارسيًا، بينما يرى البعض أنه كان من الأفضل أن يحمل اسمًا عربيًا، كما جرى استخدام مصطلح الخليج العربي بدلًا من الخليج الفارسي.
كما قامت إيران بالسيطرة على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وهي جزر إماراتية، في ظل عجز إماراتي عن مواجهتها عسكريًا، ما دفع أبوظبي للبحث عن مسارات نفوذ أخرى في المنطقة، من بينها جزيرة سقطرى اليمنية ومصالح إقليمية أخرى.
في المقابل، يسعى الكيان الإسرائيلي إلى توجيه ضربات لإيران واستهداف بنيتها النووية، مع تنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات قيادية إيرانية، في ظل دعم دولي واسع.
وقد تطورت الأمور إلى ضربات استباقية في العمق الإيراني، بل وصلت إلى استهداف مناطق مدنية.
وفي خضم ذلك برز الدور الصيني والروسي والكوري الشمالي في تقديم دعم غير مباشر لإيران، ما يعزز مخاوف اندلاع حرب عالمية ثالثة في المنطقة.
وتشير بعض السيناريوهات إلى استهداف منظومات الرادار الأمريكية، وسقوط مروحيات أمريكية، وإغراق سفن إيرانية في الخليج، وانسحاب القوات الأمريكية من البحرين وبعض قواعدها في الخليج.
كما تصاعدت الهجمات المتبادلة، حيث استهدفت إيران قواعد أمريكية في دول الخليج، وقصفت مطارات في الإمارات، وأطلقت صواريخ باليستية باتجاه العمق الإسرائيلي، ما أدى إلى أضرار كبيرة في ميناء حيفا.
من يمكنه قيادة العالم العربي؟
وفي ظل استمرار التصعيد، تتكبد دول المنطقة خسائر اقتصادية جسيمة.
وفي الوقت الذي تتابع فيه الشعوب العربية مجريات الصراع عبر الشاشات، يبرز التساؤل حول من يمكنه قيادة العالم العربي والحفاظ على مقدراته.
وهل يمكن أن يظهر من يوحد الصفوف ويؤسس شكلًا من أشكال الاتحاد، ولو في صورة اتحاد كونفيدرالي يحقق رؤى مشتركة ويمنح العرب وزنًا دوليًا أكبر؟
يرى البعض، أن التحالف مع تركيا قد يكون خيارًا حتميًا، خاصة أن أنقرة تبدي رغبة في ذلك، رغم ما يُعتقد أنها تسعى أيضًا إلى تحقيق طموحات جيوبوليتيكية تعيد أمجاد الإمبراطورية العثمانية.
إن الحزن يسيطر على كثيرين لما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية.
ويطرح البعض فكرة إنشاء جيش عربي موحد، مدعوم بكافة المعدات والأسلحة، قوامه نحو مليون جندي من مختلف الدول العربية، وفق قدراتها الجيوعسكرية، ويخضع لقيادة عامة تضم وزراء الدفاع العرب في إطار مجلس عسكري عربي موحد.
ويقترح أن تُموَّل ميزانية هذا الجيش عبر مساهمات جميع الدول العربية، الغنية منها والفقيرة، وأن يُقسَّم إلى أربعة فيالق رئيسية، يضم كل منها نحو ربع مليون جندي، ويتم توزيعها جغرافيًا على النحو الآتي:
• الفيلق الأول: فيلق الخليج العربي، ويتمركز بين السعودية والإمارات وقطر.
– الفيلق الثاني: فيلق الهلال الخصيب، ويتمركز في المنطقة الواقعة غرب العراق وشرق الأردن وجنوب سوريا وشمال السعودية.
– الفيلق الثالث: فيلق القرن الأفريقي، ويتمركز في الهضبة الصومالية.
– الفيلق الرابع: فيلق شمال أفريقيا، ويتمركز في المنطقة الواقعة غرب ليبيا وجنوب تونس وجنوب الجزائر وشرق المغرب.
وهو طرح يظل مجرد اقتراح قابل للنقاش والتداول.
حفظ الله أمتنا العربية والإسلامية من كل مكروه وسوء، وعزز وحدتها.





