د.رفعت جبر: من جرينلاند إلى الشرق الأوسط.. ارتدادات طموحات ترامب على أوروبا والعرب
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
لا يمثل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاستحواذ على جزيرة «جرينلاند» مجرد رغبة في التوسع الجغرافي، بل هو قنبلة موقوتة تهدد بتفجير النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فإذا كانت فنزويلا وإيران تمثلان بؤر صراع إقليمي، فإن «جرينلاند» قد تكون النقطة التي تحول العالم إلى ساحة من الفوضى الشاملة، مهددة بتمزيق التحالفات التاريخية وإعادة رسم خريطة القوى العظمى.
1. أوروبا: من «الدرع المستورد» إلى التهديد بالعقوبات
على مدار عقود، استمرأت أوروبا حالة من «الضعف المهين»، حيث استبدلت بناء جيوشها الوطنية بالاعتماد شبه الكامل على الحماية الأميركية عبر حلف شمال الأطلسي. هذا الاتكال سمح لدول مثل ألمانيا بإنفاق جزء كبير من ميزانياتها على الرفاهية الاجتماعية، تاركة سماءها وأرضها تحت مظلة السيف الأميركي.
اليوم، تبدلت المعادلة؛ فمسؤولون أوروبيون، بحسب تقارير دولية، يلوحون للمرة الأولى بإجراءات كانت تعد في السابق ضربًا من الخيال، من بينها فرض عقوبات اقتصادية قاسية على عمالقة التكنولوجيا والبنوك الأميركية، وإغلاق قواعد عسكرية أميركية مثل رامشتاين وسيجونيلا، وما يعنيه ذلك من طرد آلاف الجنود. كما يبرز شبح تفكك حلف الناتو من الداخل، إذ لم يتخيل واضعو ميثاقه أن يأتي التهديد بالاحتلال من داخل الحلف نفسه.
2. روسيا والصين: المتربصان بانهيار «العالم القديم»
يدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده لا تستطيع مجاراة القوة الاقتصادية أو العسكرية الأميركية بصورة مباشرة، لذلك يمارس سياسة «الصبر الاستراتيجي»، مكتفيًا بالصمت إزاء التحرشات الأميركية بأسطوله، في انتظار اللحظة التي يفكك فيها ترامب الناتو بيده. إن خروج الأميركيين من القارة الأوروبية بسبب أزمة جرينلاند قد يفتح الأبواب أمام أطماع روسية لا تكتفي بالقرم وأوكرانيا، بل تمتد إلى استعادة النفوذ التاريخي في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.
أما الرئيس الصيني شي جين بينغ، فيدرك أن معركته مع الغرب مسألة وقت، وأن الاقتصاد والتكنولوجيا هما مفتاح التفوق. وبهدوئه المعتاد، يواصل تحقيق التقدم يومًا بعد يوم نحو عالم جديد تكون الصين أحد أقطابه الرئيسية، شاء من شاء وأبى من أبى، حتى لو كانت الولايات المتحدة الأميركية نفسها.
3. العرب في مهب الريح: سقوط «حلف التبعية»
يخطئ العرب إذا ظنوا أنهم بمنأى عن «زلزال الشمال». فالتغيير في الوجود العسكري الأميركي في أوروبا سيعقبه بالضرورة تعويض للنقص الاستراتيجي عبر تعزيز غير مسبوق لقدرات «العدو العبري» ليكون الشرطي البديل في المنطقة. كما قد يؤدي ذلك إلى شرعنة الاحتلال، فإذا تجرأت الولايات المتحدة على غزو أرض تابعة لدولة حليفة داخل حلف الناتو، فما الذي يمنعها من السيطرة على منابع النفط أو مواقع استراتيجية في دول عربية بذريعة تأمين المصالح أو منع التمدد الصيني؟
في هذا السياق، سينكشف وهم الحماية، وسيجد العرب الذين وضعوا أوراقهم كافة، من نفط وسلاح وأمن، في السلة الأميركية أنفسهم أمام قوة لا تعترف بالعهود، بل بمنطق الغنيمة الاستعمارية.
الخاتمة
جرينلاند ليست مجرد جزيرة جليدية، بل تذكرة عبور من عالم التحالفات إلى عالم القطاعات والنفوذ الخام. نحن أمام مشهد يعاد فيه تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ كلاسيكية، تعامل فيه القارات كغنائم، وتسحق فيه القوى التي رهنت أمنها للخارج.
السؤال المطروح اليوم: هل يدرك العرب أن الرهان على الحماية الأميركية بات رهانًا على سراب، وأن الدور القادم قد يكون عليهم لتسديد فواتير هذا النظام العالمي المنهار؟
ولعل المواطن المصري يتساءل وهو يتابع أخبار جرينلاند والناتو وصراع الجبابرة: ما دخلي أنا بكل هذا؟ والحقيقة أن ما يجري هو إعادة رسم لخريطة العالم الذي نعيش فيه، عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمنتجين. إن صمودك أمام التحديات الاقتصادية، وتحملك تكلفة بناء الدولة وتطوير الجيش الوطني، لم يكن ترفًا ولا عبئًا زائدًا، بل كان طوق النجاة الوحيد. فبينما ترتجف اليوم دول كبرى لأنها رهنت أمنها وقرارها للخارج، نجد أن الدولة المصرية، برؤية قيادتها، قد استبقت العاصفة، فبنت جيشًا يحمي ثرواتنا في المتوسط، وشيدت بنية تحتية تشكل أساس أي نهضة حقيقية. إن «الجمهورية الجديدة» ليست مجرد مبانٍ، بل حصن منيع يجعل مصر رقمًا صعبًا في هذا العالم المتقلب.
نحن نبني لنبقى، ونصمد لننتصر في معركة الوجود.





