وجهات نظر

د.عاطف معتمد: نهر النيل وأسلافه! كيف وُلد أطول أنهار أفريقيا عبر ملايين السنين؟

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

هذا مقال في تبسيط المعلومات، عن تطور نهر النيل، مبني على قراءة وعرض الفصل الذي ألفه أ.د. فكري حسن (جامعة عين شمس)، وأ.د. محمد حمدان (جامعة القاهرة)، وصدر في كتاب “جيولوجية مصر” في عام 2020 من تحرير أ.د. زكريا هميمي ومشاركون آخرون.

لا تخرج قصة تطور نهر النيل عن فرضيتين:

– إن النيل مصري الأصل والنشأة، تكون من رواسب ومياه خالصة من داخل الأراضي المصرية ..مستقلا عن المصادر الأفريقية.

– إن النيل أفريقي النشأة، وأن نهر النيل في مصر امتداد للنيل الأفريقي القادم من الجنوب: من أرض الحبشة والمنطقة الاستوائية.

ومن أجل تبسيط الرحلة في هذا المقال سأنظم المعلومات وفق 3 مراحل لتطور النهر.

40 مليون سنة ..أنهار مصرية في الصحراء الغربية

ذهب عدد من العلماء إلى أن أول نظام نهري في مصر جاء من الصحراء الغربية والصحراء الليبية، من منطقة الجلف الكبير وما حولها، وكان نهرا يتقدم نحو الشمال، فينكشف معه يابس جديد من الأراضي المصرية كلما تراجع بحر تيثيس (جد البحر المتوسط الحالي).

العمر المفترض لهذه الأنهار القديمة من عصر الإيوسين، أي منذ 40 – 25 مليون سنة لتطور هذه الأنهار في غرب الأراضي المصرية.

تأتي البداية مع نظام نهري يسمى الجلف، وإلى الشرق منه نهران آخران ضمن نفس المجموعة، قامت هذه الأنهار الثلاثة بإرساب حمولتها الرسوبية في أنظمة دلتاوية على طول ساحل البحر في نهاية عصر الإيوسين وبداية عصر الأوليجوسين.

وكانت هذه الأنهار تقطع هضبة كاملة في أرض مصر التي لم تكن منقسمة وقتها إلى صحراء شرقية وغربية بل كتلة واحدة.

هذه الأنهار الثلاثة كانت تصب في شكل دلتاوات في الأقاليم التي تشغلها اليوم منخفضات سيوة والبحرية والفيوم.

ورغم أن كثيرا من الباحثين يضعون منابع هذه الأنهار في الأراضي المصرية وما حولها (انظر الشكل المرفق) يذهب بعض الباحثين إلى أن مصادر هذه الأنهار- ولا سيما نهر الجلف – كانت تأتي من نظام تصريف كبير ينبع من المنطقة التي تناظرها اليوم بحيرة توركانا في شرق أفريقيا.

30 مليون سنة.. نهر مصري بتغذية أفريقية

في فترة معاصرة أو أحدث نسبيا من أعمار أنهار الجلف، نشأ نهر محلي في الجزء الشرقي من أرض مصر كان يستمد مياهه ورواسبه من جبال البحر الأحمر خلال نهاية عصر الإيوسين. كان هذا النهر المصري يمثله وادي قنا ويأخذ مياه جبال البحر الأحمر ويتجه بها غربا وجنوبا بغرب.

ارتبط النهر المصري سابق الذكر بأحداث بنيوية ساهمت في أن يصبح اتجاه تصريف مياهه نحو أسوان والسودان.
يتألف نظام قنا من نهرين رئيسين: نهر قنا و نهر العلاقي.

وقد استطاع نهر قنا أن يأسر نهر العلاقي وواصل تدفقه جنوبا بغرب عند أقدام جبل كلابشة.

ويرى أنصار هذه النظرية أن وادي قنا هو جد وادي النيل الحديث، والاختلاف فقط في اتجاه الجريان، إذا كان يتدفق في أصله من الشمال للجنوب.

وهناك تعديل على هذه النظرية يرى أن النيل المصري سابق الذكر لم يكن مستقلا تماما، إذ كانت تغذيه مصادر أخرى من النيل الأزرق وغيره من الروافد الحبشية، وذلك منذ عصر الأوليجوسين ( قبل أكثر من 30 مليون سنة) وإلى يومنا هذا.

ويقول هؤلاء إن النهر المصري – الممثل في وادي قنا – يحوي بين رواسبه مفتتات ليس أصلها الصخور المصرية بل من مصادر أفريقية.

ويشير بعض الباحثين في هذه النظرية إلى أن النهر المصري المدعوم بمصادر أفريقية تشكل خلال مراحل متعاقبة وصلته فيها إمدادات من شرق أفريقيا إلى الأراضي المصرية بسبب انزياح أرض القارة الأفريقية نحو الشمال بالنسبة لخط استواء الكرة الأرضية.

فقبل 25 مليون سنة، خلال نهاية عصر الأولجيوسين، كان موقع خط استواء الأرض إلى الشمال من موقعه الحالي، إذ كان يمر بالمناطق التي تمثلها الآن تشاد- وسط السودان- شرق الحبشة.

وكان هذا يعني أن الأمطار كانت أكثر غزارة في هذه المنطقة الاستوائية، ومن ثم غمر المطر شمال شرق أفريقيا، وقدم مصادر مياه ساعدت النيل لعبور المنطقة الصحراوية في شمال السودان وجنوب مصر ليكمل مسيرته شمالا عبر الأراضي المصرية.

وقد تدعمت هذه النظرية ببحوث حديثة، وجدت أسفل دلتا النيل الحالية مفتتات ذات أصل بازلتي من فيضان نهر قاري جاء من خارج مصر- من النيل الإثيوبي على الأرجح – بحيث تتطابق “البصمة” الإثيوبية القديمة مع البصمة الإثيوبية المعاصرة.

وقد استمرت هذه النظم النهرية بشكل نشط خلال الفترة من 23 إلى 6 مليون سنة.

من 6 مليون سنة..النيل الحديث

تطور نهر قنا/العلاقي وتحول في جريانه نحو الشمال مع التغير في مستويات القاعدة في حوض المتوسط. ففي الفترة المسينية (قبل نحو 6مليون سنة) تعرض حوض البحر المتوسط للجفاف (واستمر الجفاف 600 ألف سنة) وجاء ذلك بسبب انغلاق مضيق جبل طارق.

وهبط مستوى القاعدة (مستوى مصبات الأنهار في البحر) بنحو 1000 متر أو أكثر. وأصبح النحت الرأسي والنحت الصاعد بمثابة ظاهرات رئيسة ونشطة وهو ما تسبب في تكوين خانق عميق لنهر النيل يسمى “فجر النيل” (إيونيل).

استطاع “فجر النيل” أن يأسر وادي قنا المتدفق جنوبا ويصبح أول نظام نهري يتدفق نحو الشمال، وأطال امتداد مصر من الجنوب إلى الشمال على حساب البحر المتوسط المتراجع شمالا.

وعلى مدار 5 مليون سنة أخذ نهر النيل يتطور في مكانه الحالي الذي نعرفه عليه حتى وقتنا المعاصر.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading