د.عاصم عبد المنعم أحمد: الغسيل الأخضر .. خداع بيئي يهدد مستقبل كوكب الأرض
استاذ إقتصاديات التغيرات المناخية ورئيس قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعية المعمل المركزى للمناخ الزراعى- مركز البحوث الزراعية

مقدمة
بلغ متوسط درجة حرارة سطح الأرض الآن حوالي 1.4 درجة مئوية وأصبح أكثر دفئًا مما كان عليه في أواخر القرن التاسع عشر (قبل الثورة الصناعية) وأكثر دفئًا من أي وقت في آخر 100000 عام.
العقد الماضي (2011-2020) هو الأكثر دفئًا على الإطلاق، وكان كل عقد من العقود الأربعة الماضية أكثر دفئًا من أي عقد سابق منذ عام 1850.
أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن عام 2024 هو العام الأسخن على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة، استناداً إلى ست مجموعات بيانات دولية. وكانت السنوات العشر الماضية (2015- 2024) هي السنوات العشر الأسخن على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة.
بلغَ المتوسط العالمي لدرجة حرارة السطح 1.55 درجة مئوية فى عام 2024 وهو أعلى من متوسط درجات الحرارة في الفترة 1850- 1900، وهو ما يعني أننا شهدنا العام الماضي أول سنة تقويمية زاد فيها متوسط درجة الحرارة العالمية عن 1.5 درجة مئوية فوق متوسط درجات الحرارة خلال الفترة 1850-1900.
يَعتقد الكثير من العَوامّ أن تغير المناخ يَعني فى المقام الأول ارتفاع درجات الحرارة، إلا أن ارتفاع درجة الحرارة ليس سوى البداية حيث تَتَضّمن عواقب التغيرات المناخية مثل الجفاف الشديد والتصحر وندرة المياه والحرائق الشديدة وارتفاع مستويات سطح البحر والفيضانات وذوبان الجليد القطبي والعواصف الكارثية وتدهور التنوع البيولوجي …الخ
تَناول المقال تعريف تفصيلى عن مصطلح التضليل البيئى الأخضر (الغسيل الأخضر) وعواقبه وتأثيره على كوكب الأرض.
يُشير مصطلح التضليل (التمويه) البيئي الأخضر “Greenwashing” إلى أساليب التضليل والخداع التي تنتهجها المؤسسات لتقديم منتجاتها أو عملياتها على أنها صديقة للبيئة، مما يُخفي آثارها البيئية الضارة. يَمزج هذا المصطلح بين الأخضر “Green”، الذي يرمز إلى الاهتمام البيئي والتبييض “Washing” الذي يُشير إلى إخفاء الممارسات الضارة.
التضليل البيئي الأخضر: هو ممارسات خادعة تقوم بها الشركات من خلال نقل انطباع خاطئ أو تقديم معلومات مُضللة حول مدى سلامة منتجاتها أو خدماتها أو عملياتها بشكلٍ عام على البيئة.
تَخيل سوقًا حيث يَعِد كل منتج فيه بإنقاذ الكوكب وحماية البيئة مع تلبية احتياجات المستهلكين. تَنتشر هذه الوعود البيئية في كل مكان ولكل مُنتج بدايةً من العبوات الصديقة للبيئة “Eco- friendly” إلى خطوط الملابس المستدامة، إلا أن وراء هذه الملصقات البراقة والدعاية الخلابة غالبًا ما تختبئ حقيقة مزعجة فالعديد من هذه الادعاءات مبالغ فيها أو زائفة.
ومن عواقب الممارسات الخادعة المعروفة باسم “التضليل البيئي” أنها تُضّلِل المستهلكين والشركات على حد سواء وتجعلهم فى اعتقاد دائم أنهم يتخذون خيارات مسؤولة بيئيًا في حين أنهم لا يفعلون ذلك، كما أنها لا تُؤدي إلى أى تحسن فيما يَتعلق بخفض الغازات المسببة للاحتباس الحرارى وتَغير المناخ.
في الوقت الحالي أصبح التضليل البيئي أكثر تعقيدًا وانتشارًا، حيث تَستخدم الشركات في مختلف القطاعات استراتيجيات تسويقية معقدة وادعاءات غامضة لتبدو صديقة للبيئة. ومن الأمثلة على ذلك الشهادات الكاذبة والإفصاح الانتقائي عن المعلومات والصور ذات الطابع الطبيعي لخلق انطباع زائف بالمسؤولية البيئية للمؤسسة.
التسويق الأخضر و التضليل (الغسيل) الأخضر والتمنى الأخضر والتعتيم البيئى الأخضر
بخلاف التضليل البيئي الأخضر يُقصد بالتسويق الأخضر (Green marketing) بيع الشركات لمنتجات أو خدمات واعية بيئيًا واجتماعيًا ويتميز التسويق الأخضر عمومًا بالعملية والصدق والشفافية، ومع ذلك من السهل أن يتحول التسويق الأخضر إلى تضليل بيئي عندما لا تلتزم المؤسسة بمعايير ممارسات الأعمال المستدامة.
التمني الأخضر(Greenwishing) هو ممارسة تأمل فيها شركة ما الوفاء بالتزامات استدامة معينة، لكنها ببساطة لا تملك الإمكانيات اللازمة لذلك مدفوعةً بضغوط وضع أهداف استدامة طموحة. قد تجد الشركات نفسها مُلتزمة بأهداف لا يمكنها تحقيقها واقعيًا، ربما بسبب قيود مالية أو تكنولوجية أو تنظيمية أو سوء التنفيذ أو عدم وضوح الإستراتيجية البيئية للشركة.
ومما لاشك فيه فإن عدم تحقيق هذه الأهداف قد يُضعف الثقة في هذه الشركات وفي النظام الأوسع.
التعتيم الأخضر (Green hushing) يُشير هذا المصطلح إلى عدم الإبلاغ عن ممارسات الاستدامة أو عدم التواصل بشأنها لكن المُثير للاهتمام هو أن هذا قرار مُتعمد تتخذه الشركات نظرًا لترددها في مشاركة العديد من مبادراتها المستدامة مع الجمهور.
ويُبَادِرُ إلى الذهن هذا السؤال لماذا تختار الشركات الصمت؟ السبب وراء هذا السلوك هو الخوف من ردود فعل سلبية من المستهلكين أو الجهات المعنية الأخرى.
وبإخفاء ممارساتها المستدامة تسعى الشركات إلى تجنب التعليقات أو الاتهامات حول تقصيرها أو عدم إتقانها أو لمنع المنافسين من تقليد مبادرتها.
تاريخ التضليل البيئى الأخضر
صاغَ عالم البيئة الأمريكى جاي ويسترفيلد مصطلح “التضليل البيئى” في مقال كتبه فى عام 1986، وتعود أصول هذا المصطلح إلى رحلة قام بها ويسترفيلد في عام 1983 إلى دولة فيجي، حيث صادف فندقًا يروج لبرنامج إعادة استخدام المناشف (إستخدام المناشف لأكقر من مرة) تحت ستار الحفاظ على البيئة وجزء من إستراتيجية الفندق البيئية، إلا أنه لاحظ أن الفندق نفسه كان يشهد توسعًا لمبانيه على حساب النظم البيئية للجزيرة مما أدى إلى اضطراب بيئي كبير، وأبرزَ هذا التناقض نية الفندق الأساسية في خفض التكاليف بدلًا من الحفاظ على الموارد كما يدعون.
أمثلة على التضليل البيئى الأخضر
أطلقت شركة فولكس فاجن في عام ٢٠٠٩ حملة تسويقية واسعة النطاق للترويج لسياراتها “الديزل النظيف” وعبر الإعلانات المطبوعة والمتداولة فى التلفاز بما في ذلك إعلان ترويجي خلال أحد الأحداث الرياضية، روّجت الشركة لانخفاض كبير في انبعاثات عادم نوعين من أشهر سيارتين لدى الشركة.
إلا أنه بعد بضع سنوات اكتشفت وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) أن شركة فولكس فاجن قد تَبّتت برنامجًا يسمح لها بالغش في اختبارات انبعاثات 11 مليون سيارة من سياراتها، حيث أنتجت سيارات الديزل النظيفة المزعومة للشركة انبعاثات من أكسيد النيتروجين تصل إلى 40 مثل الحد القانونى.
وكانت المحصلة أن تكون فضيحة “ديزل جيت” الناتجة عن ذلك أحد أبرز الأمثلة حتى الآن على التسويق البيئي المخادع وكلّفت فولكس فاجن في النهاية ما يقرب من 40 مليار دولار.
لماذا تقوم الشركات بالتضليل البيئى الأخضر؟
وببساطة فإن التوجه نحو المنتجات الخضراء (الصديقة للبيئة) يُحقق مبيعات أعلى عن غيرها من المنتجات غير الصديقة للبيئة، في عام ٢٠٢١ أوضحت احدى الدراسات أن ٨٥% من المستهلكين حول العالم بأنهم يُولون البيئة اهتمامًا أكبر عند التسوق مقارنةً بما كانوا عليه قبل خمس سنوات فقط، وينطبق هذا بشكلٍ خاص على الجيل الجديد من المستهلكين ذوي الوعي الاجتماعي والبيئى المرتفع.
عواقب التضليل البيئى الأخضر على كوكب الأرض
يَمنح التضليل البيئي بعض الشركات ميزة غير عادلة، فهي قادرة على الإستفادة من وهم الإدارة البيئية الرشيدة ووهم خفض انبعاثات غازات الإحتباس الحرارى إلى صافي صفري مع استمرار ممارساتها الملوثة للبيئة كما هى بدون تغيير، إضافة إلى إنعدام التنافس الشريف بين الشركات حيث تُصعّب هذه الممارسات المُضللة التميز فى الأسواق على الشركات التى تَقوم بالممارسات الصحيحة، بمعنى آخر عندما يتعلق الأمر بالتضليل البيئي فإن الصحة العامة والبيئة مُعرضتان للخطر.
ما الذي يمكن فعله تجاه ظاهرة التضليل البيئي الأخضر؟
اختارت العديد من الشركات وضع علامة تجارية أو إعادة صياغة صورتها على أنها خضراء دون تقديم منتج أو خدمة مُستدامة فعليًا، ولمكافحة هذه المُمارسات المُضلّلة على سبيل المثال تعمل الحكومة البريطانية ومنظمات أخرى تُكافح ظاهرة الاحتباس الحرارى على حشد الجهود لرفع وعي المستهلكين بشأن التضليل البيئي وتشجيع الشركات على تبني نهج مسؤول اجتماعيًا تجاه التنمية المستدامة.
تتولى لجنة التجارة الفيدرالية في الولايات المتحدة مسؤولية تنظيم ادعاءات التسويق المُضللة بما في ذلك تلك المُتعلقة بالبيئة، إلا أن اللجنة لم تقوم بعملها على الشكل المرجو منها.
كما وأطلق الاتحاد الأوروبي مُؤخرًا نظام تصنيف يُصنّف الشركات علنًا بناءً على جهودها في مجال الاستدامة وفقًا لمجموعة موحدة من المعايير، الأمر الذى يوفر مزيدًا من الشفافية للمستثمرين وصانعى السياسات.





