صور فضائية تكشف استهدافا ممنهجا للقدرات النووية والصناعية.. هل انتهى البرنامج النووي الإيراني؟
مخزون اليورانيوم يربك واشنطن وتل أبيب رغم الضربات.. . الغموض يحيط بمصير اليورانيوم الإيراني
كشفت صور أقمار صناعية حديثة عن أضرار واسعة لحقت بمنشأتين إيرانيتين حسّاستين قرب طهران، إحداهما مرتبطة بالأنشطة النووية، والأخرى بالصناعات الجوية، وذلك عقب سلسلة من الضربات التي استهدفت مواقع استراتيجية داخل البلاد.
وأظهرت الصور، التي التقطتها شركة إيرباص في 10 أبريل/نيسان الجاري، تدميرا ملحوظا داخل منشأة “لشكر آباد” المرتبطة بتقنيات تخصيب اليورانيوم بالليزر، حيث تضررت عدة مبانٍ رئيسية، مع انتشار واسع للحطام في محيط الموقع.
ويشير تحليل المقارنة البصرية بين الصور السابقة وما بعد الضربات إلى أن الاستهداف طال قلب المنطقة التشغيلية داخل المنشأة، بما يعزز فرضية توجيه ضربات دقيقة للبنية الأساسية الحيوية.
ورغم غياب بيانات رسمية تفصيلية بشأن حجم الخسائر البشرية أو التقنية، فإن مؤشرات الضرر الظاهرة في الصور تؤكد أن الهجوم ركّز على العناصر التشغيلية الأساسية، بما يتجاوز مجرد إحداث أضرار سطحية.
وتحظى منشأة “لشكر آباد” بأهمية خاصة ضمن البرنامج النووي الإيراني، إذ سبق أن أشار معهد العلوم والأمن الدولي إلى أنها استُخدمت في أنشطة غير معلنة لتخصيب اليورانيوم بالليزر حتى عام 2003، كما سعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاحقا إلى تفتيشها والحصول على معلومات إضافية بشأن طبيعة الأنشطة المرتبطة بها.
أضرار في مجمع الصناعات الجوية
وفي السياق ذاته، أظهرت صور أقمار صناعية عالية الدقة أضرارا واسعة داخل مجمع للصناعات الجوية يقع غرب طهران، بالقرب من مطار مهرآباد، ضمن منطقة صناعية تمتد جنوب طريق كرج.
وتكشف البيانات أن الموقع يضم عددا من المنشآت التابعة لقطاع الصناعات الجوية الإيرانية، من بينها شركة “فجر” لصناعة الطيران والمواد المركبة، و”صناعات القدس الجوية”، إلى جانب مرافق بحثية وإدارية مرتبطة بمنظمة الصناعات الجوية التابعة لوزارة الدفاع.
وبحسب التحليل البصري، امتدت الأضرار إلى أكثر من قطاع داخل المجمع، مع رصد ما لا يقل عن تسعة مواقع تحمل مؤشرات تدمير متفاوتة، شملت مباني صناعية كبيرة وأخرى أصغر، فضلا عن تغيرات واضحة في هياكل وأسقف عدد من المنشآت الطولية المتجاورة.
مؤشرات ميدانية متسقة
تتسق هذه النتائج مع تقارير ميدانية ومقاطع مصورة أظهرت اندلاع حرائق وتصاعد أعمدة دخان في محيط مهرآباد خلال الأسابيع الماضية، في سياق تصعيد عسكري متواصل استهدف منشآت مرتبطة بالطيران والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي.
وكانت إسرائيل قد أعلنت، في أواخر مارس/آذار، تنفيذ ضربات استهدفت بنى تحتية عسكرية مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيّرة، قبل أن تشير تقارير لاحقة إلى استهداف أصول جوية ومنشآت داخل مطارات طهران مطلع أبريل/نيسان.
نمط عملياتي واضح
تعكس هذه الضربات، وفق المعطيات المتاحة، توجها عملياتيا يستهدف العقد الصناعية والتقنية الأكثر حساسية داخل إيران، بدءا من المنشآت النووية ذات الطابع المتقدم، وصولا إلى منظومات التصنيع العسكري المرتبطة بقطاع الطيران.
ويشير هذا النمط إلى استراتيجية تركز على تقويض القدرات التقنية الحيوية، بما قد يؤثر على المدى المتوسط في بنية البرامج النووية والعسكرية الإيرانية، دون أن يعني بالضرورة القضاء الكامل عليها.
أبعدت العمليات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل احتمالات امتلاك إيران سلاحا نوويا في المدى المنظور، غير أن العجز عن السيطرة على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب يُبقي هذا الملف عنصرا حاسما في أي مفاوضات مستقبلية مع واشنطن.
وكان دونالد ترامب قد أعلن، في 28 فبراير/شباط الماضي، شن حملة عسكرية استنادا إلى اتهامات متكررة لطهران بالسعي إلى تطوير قنبلة نووية، وهو ما تنفيه إيران، متعهدا بمنعها من امتلاك هذا السلاح.
في المقابل، أكد بنيامين نتنياهو أن البرنامج النووي الإيراني “دُمّر”، مستندا إلى نتائج حرب “الأيام الـ12” في يونيو/حزيران 2025، وسلسلة الضربات الجوية المكثفة خلال الأسابيع الأخيرة.

تباين التقييمات
رغم ذلك، تبدي مصادر دبلوماسية أوروبية حذرا إزاء هذه التقديرات، مشيرة إلى أن التقييمات الأولية التي تحدثت عن تأخير البرنامج لسنوات تقلصت لاحقا إلى بضعة أشهر فقط.
وقال مصدر دبلوماسي إسرائيلي إن إيران لم تعد قريبة من امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي كما كانت سابقا، في حين تشير تقديرات أخرى إلى أن البرنامج تعرض لانتكاسة كبيرة دون أن يُقضى عليه بالكامل.
كما أدى استهداف البنية التحتية النووية إلى خسائر في الكوادر والخبرات، نتيجة مقتل علماء ومسؤولين، إضافة إلى ضرب منشآت بحثية وجامعات كانت تضم مراكز بيانات وخبرات تقنية متقدمة.
ويرى خبراء أن إعادة بناء هذه القدرات ستتطلب وقتا واستثمارات كبيرة، محذرين من أن تأثير الضربات قد لا يكون دائما.
لغز اليورانيوم المخصب
يظل العامل الأكثر حسما في مستقبل البرنامج هو مخزون اليورانيوم المخصب، إذ لا تزال إيران تمتلك كميات كبيرة مخصبة بنسبة 60%، وهي قريبة من مستوى 90% اللازم لإنتاج سلاح نووي، إلى جانب مخزون بنسبة 20% يسمح بتسريع عمليات التخصيب.
وقبل الضربات في يونيو/حزيران 2025، قُدّر هذا المخزون بنحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وفقا لـالوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يتجاوز بكثير السقف المحدد في اتفاق 2015.
ومنذ ذلك الحين، يظل مصير هذه الكميات غامضا، في ظل رفض طهران السماح للمفتشين الدوليين بالوصول إلى المواقع المتضررة.
وقد دعا المدير العام للوكالة رافائيل غروسي مرارا إلى استئناف عمليات التفتيش، مؤكدا أن ذلك شرط أساسي لأي تقدم في المفاوضات.

سيناريوهات ما بعد الضربات
تشير تقديرات إلى أن جزءا من مخزون اليورانيوم لا يزال مخزنا في منشآت تحت الأرض في أصفهان، بينما يُعتقد أن كميات أخرى مدفونة تحت أنقاض مواقع مثل فوردو.
وتسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إخراج هذا المخزون من الأراضي الإيرانية، وسط مقترحات بنقله إلى روسيا ضمن اتفاق محتمل.
كما طرحت واشنطن خيار تعليق برنامج التخصيب الإيراني لمدة تصل إلى 20 عاما، في إطار تسوية شاملة، غير أن المفاوضات التي أعقبت انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 لم تحقق تقدما يُذكر حتى الآن.

خلاصة المشهد
تشير المعطيات إلى أن الضربات العسكرية ألحقت أضرارا كبيرة بالبنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تنهِه بشكل كامل، إذ لا يزال مخزون اليورانيوم عالي التخصيب يمثل ورقة استراتيجية رئيسية بيد طهران.
وبينما تسعى القوى الدولية إلى تفكيك هذه الورقة أو تحييدها، يبقى مستقبل البرنامج مفتوحا بين مسار التفاوض أو احتمالات التصعيد.





