سيناريوهات صادمة.. 91% من الجليد العالمي سيختفي عند ارتفاع 5 درجات مئوية.. تغير المناخ يدق ناقوس الخطر
إنقاذ نصف الأنهار الجليدية ممكن بسياسات مناخية حازمة.. قرارات اليوم ترسم مصير الجليد لقرون
قد تسمح سياسات المناخ الحالية بارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 2.7 درجة مئوية (4.9 درجة فهرنهايت) بحلول نهاية هذا القرن. هذا المستوى من الاحترار سيُعيد تشكيل السواحل، ويُهدد النظم البيئية، ويُعطّل إمدادات المياه العذبة.
ويؤكد العلماء على أهمية الحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية (2.7 درجة فهرنهايت) لحماية المناطق التي تعتمد على الأنهار الجليدية.
وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة ساينس، قام الخبراء بإنشاء نماذج لأكثر من 200 ألف نهر جليدي خارج الصفائح الجليدية في جرينلاند والقطب الجنوبي.
وأوضح الباحثون: “باستخدام ثمانية نماذج جليدية، قمنا بمحاكاة تطور الأنهار الجليدية العالمية على مدى فترات زمنية متعددة القرون، مما يسمح للأنهار الجليدية بالتوازن مع المناخ في ظل سيناريوهات مختلفة لدرجات الحرارة العالمية الثابتة”.
أظهرت النتائج أنه حتى لو توقفت درجات الحرارة العالمية عن الارتفاع حاليًا، فإن 39% من كتلة الأنهار الجليدية ستختفي، مما سيرفع منسوب مياه البحار بأكثر من 10 سنتيمترات. ومع ذلك، فإن اتباع سياسة مناخية حازمة يمكن أن يُنقذ ضعف كمية الجليد مقارنة بالمسارات الحالية للاحترار.

محكومون بخسارة كبيرة في الأنهار الجليدية
لا تتفاعل الأنهار الجليدية فجأة، بل تتكيف ببطء على مدى قرون. هذا التأخر يعني أن تراجع الأنهار الجليدية اليوم يعكس الانبعاثات السابقة، وليس فقط الاحترار الحالي.
وقال ديفيد راونس، أحد المشاركين في الدراسة من جامعة كارنيجي ميلون: “إن ذوبان الأنهار الجليدية الذي نشهده اليوم يعكس ظاهرة الاحتباس الحراري التي حدثت منذ عقود مضت”.
حتى مع عدم حدوث مزيد من الاحترار، فإننا محكومون بخسارة كبيرة في الأنهار الجليدية. تنشأ هذه الخسارة “المحتملة” بسبب اختلال توازن الأنهار الجليدية مع مناخ اليوم. ووفقًا للدراسة، سيرتفع مستوى سطح البحر بمقدار 113 ملم حتى في حال استقرار الظروف المناخية الحالية.
كل جزء من الدرجة له أهميته
كشفت الدراسة عن تكلفة باهظة لكل زيادة طفيفة في درجة الحرارة. فمع كل ارتفاع قدره 0.1 درجة مئوية (0.18 درجة فهرنهايت)، نفقد 2% إضافية من جليد الأنهار الجليدية، ويزداد مستوى سطح البحر بمقدار 6.5 ملم (0.26 بوصة).
في سيناريو ارتفاع درجة الحرارة إلى 2.7 درجة مئوية (4.9 درجة فهرنهايت)، ستُفقد 76% من كتلة الأنهار الجليدية، وسيرتفع مستوى سطح البحر بمقدار 230 ملم (9.1 بوصة). في المقابل، يُمكن الحفاظ على 53% من كتلة الأنهار الجليدية العالمية إذا بقي الاحترار ضمن نطاق 1.5 درجة مئوية (2.7 درجة فهرنهايت).
وقال راونس: “القرارات التي نتخذها الآن ستحدد مستقبل مياهنا وسواحلنا وأنظمتنا البيئية حول العالم”. الرسالة واضحة: التغييرات الصغيرة في السياسات اليوم تُشكل مستقبل الأنهار الجليدية لقرون قادمة.

أين ستختفي الأنهار الجليدية أولًا؟
لا تواجه جميع الأنهار الجليدية نفس المخاطر. فمناطق مثل القطب الشمالي الكندي الجنوبي، وغرب كندا، والدول الإسكندنافية قد تفقد أكثر من 65% من كتلتها، حتى لو توقف الاحترار العالمي.
وعلى النقيض من ذلك، تُظهر منطقة جنوب آسيا الغربية ونيوزيلندا خسائر أقل في ظل درجات الحرارة الحالية، لكنها أكثر عرضة للتراجع في حال ارتفاع درجات الحرارة مستقبلًا.
ويرجع ذلك إلى نطاق الارتفاع الجغرافي للأنهار الجليدية؛ فالمناطق ذات النطاقات الواسعة تسمح للأنهار الجليدية بالتراجع إلى الأعلى والبقاء، أما المناطق المسطحة، فلا تسمح بذلك.
فعلى سبيل المثال، ترتفع درجة حرارة جنوب كندا القطبية الشمالية بمعدل أسرع يبلغ 2.2 مرة من المتوسط العالمي. وهي موطنٌ لأنهار جليدية تعود إلى العصر الجليدي الأخير، والتي لا تستطيع الصمود في وجه الاحترار الحالي.
سياسات المناخ والجداول الزمنية للأنهار الجليدية
كم من الوقت تحتاج الأنهار الجليدية للاستجابة؟ الإجابة: قرون. فبعض المناطق، مثل جزر شبه القارة القطبية الجنوبية، قد تحتاج إلى 800 عام لتفقد 80% من جليدها المتراكم، حتى في ظل سيناريو معتدل لارتفاع الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية (2.7 درجة فهرنهايت). في المقابل، تستجيب مناطق مثل نيوزيلندا أو القوقاز خلال عقود قليلة فقط.
هذا التفاوت الزمني يعني أن التغيرات التي سنشهدها في الأنهار الجليدية خلال المئة عام القادمة ليست سوى بداية القصة. فبعض الأنهار الجليدية التي تبدو مستقرة اليوم قد تختفي على المدى البعيد إذا استمر الاحترار العالمي.

ماذا يحدث في عالم ترتفع حرارته 5 درجات مئوية؟
عند ارتفاع درجة الحرارة العالمية بمقدار 5 درجات مئوية (9 درجات فهرنهايت) فوق مستويات ما قبل الصناعة – وهو احتمال مفرط – لن يتبقى سوى 9% فقط من كتلة الأنهار الجليدية. سيؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 282 ملم (11.1 بوصة). كما ستذوب طبقات الجليد في العديد من مناطق خطوط العرض المتوسطة تمامًا، ما سيؤدي إلى فقدان معظم جليدها.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو بعيدًا، فإن الفرق بينه وبين هدف 1.5 درجة مئوية كبير جدًا. ولذلك، تُعد كل زيادة بمقدار 0.1 درجة مئوية مهمة.
وتظهر الدراسة أن المناطق الأكثر حساسية مناخيًا تجاه الأنهار الجليدية هي نفسها التي ستتكبد أكبر الخسائر نتيجة لفشل السياسات المناخية حتى في التفاصيل الصغيرة.

العمل المناخي لحماية الأنهار الجليدية
أعلنت الأمم المتحدة عام 2025 عامًا دوليًا للحفاظ على الأنهار الجليدية، في خطوة تعكس الحاجة العاجلة لحمايتها حول العالم.
وكشفت دراسة جامعة كارنيجي ميلون عن حقيقة جوهرية: الأنهار الجليدية تحتاج إلى قرون للتكيف الكامل مع الظروف المناخية الجديدة. هذا يعني أننا لم نشهد بعد التأثير الكامل للانبعاثات الماضية، وما نفعله الآن سيُحدد قدرة الأنهار الجليدية على البقاء في المستقبل البعيد.
ففقدان الأنهار الجليدية ليس أزمة عابرة ذات حلول سريعة، بل كارثة بطيئة تتفاقم على مر الأجيال. وحتى إن استقرت درجات الحرارة اليوم، لا تزال العديد من الأنهار الجليدية على وشك الذوبان.
لكن باتخاذ إجراءات مناخية حازمة، يمكن تجنّب الكثير من هذه الخسارة. ويجسد شعار “ليس فقط من أجل الجليد، بل من أجل الحياة” هذه الحقيقة. فالأنهار الجليدية توفّر المياه العذبة، وتمنع الفيضانات، وتدعم النظم البيئية.
إن السماح باختفائها يعني تعريض موارد حيوية للملايين للخطر. هذا العام، أكثر من أي وقت مضى، يجب أن نأخذ تعهدات المناخ على محمل الجد.





