وجهات نظر

د.سالي فودة: ألوان الكربون.. 6 مفاهيم لفهم المناخ ودور الفحم الحيوي

أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية

لا يقتصر تأثير الكربون في المناخ على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري، بل يمتد إلى أشكال ومصادر ومسارات مختلفة، تشمل الجسيمات التي تمتص أشعة الشمس، والكربون المخزن في الغابات والتربة والنظم البيئية الساحلية، والانبعاثات المرتبطة بالأنشطة الصناعية.

ويُستخدم عدد من المصطلحات المرتبطة بألوان الكربون لتبسيط هذه المفاهيم، مثل الكربون الأسود والبني والأزرق والأخضر، بينما تظل تسميات أخرى، مثل الكربون الأحمر والرمادي، أقل توحيدًا في الاستخدام العلمي.

ويساعد فهم هذه الفروق على تقييم المخاطر المناخية، وتحديد فرص تخزين الكربون، واختيار حلول الاستدامة المناسبة.

وهنا يبرز الفحم الحيوي «البيوتشار» بوصفه أحد الخيارات التي يمكن أن تسهم في تخزين جزء من الكربون في التربة وتحسين خصائصها، فضلًا عن الاستفادة من بعض المخلفات العضوية بدلًا من حرقها في العراء، شريطة إنتاجه وإدارته بطرق تقلل الانبعاثات والآثار البيئية.

الكربون الأسود.. جسيمات تزيد امتصاص الحرارة

ينشأ الكربون الأسود من الاحتراق غير الكامل للوقود والمواد العضوية، وتُعد محركات الديزل وحرق الكتلة الحيوية والمخلفات من مصادره المعروفة.

ويتميز بقدرته على امتصاص أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تسخين الغلاف الجوي، كما يمكن أن يؤثر في الثلوج والجليد عند ترسبه عليهما، من خلال تقليل قدرتهما على عكس الإشعاع الشمسي.

ويمكن الحد من انبعاثاته عبر تحسين كفاءة الاحتراق، واستخدام تقنيات أنظف، وتجنب الحرق المكشوف للمخلفات.

وقد يتيح تحويل المخلفات الزراعية إلى فحم حيوي باستخدام التحلل الحراري في ظروف محدودة الأكسجين الاستفادة منها بدلًا من حرقها مباشرة، لكن ذلك يتطلب التحكم في الانبعاثات الناتجة عن عملية الإنتاج نفسها.

الكربون البني.. تأثيرات مناخية للهباء الجوي

يشير الكربون البني إلى مكونات عضوية في الهباء الجوي تمتص الضوء، وتنتج عن عمليات احتراق الكتلة الحيوية، بما في ذلك حرائق الغابات وحرق الأخشاب والمخلفات النباتية.

ويختلف تأثير هذه المكونات في الإشعاع والمناخ باختلاف تركيبها الكيميائي، وخصائص الجسيمات، والظروف الجوية، ولذلك، فإن تقييم أثرها المناخي يحتاج إلى النظر في طبيعة مصادرها وكيفية انتقالها وتفاعلها في الغلاف الجوي.

ويمكن أن يسهم الاستفادة من المخلفات النباتية في إنتاج الفحم الحيوي، بدلًا من حرقها في العراء، في تقليل بعض الانبعاثات المرتبطة بهذا الحرق، إلا أن مقدار الخفض يعتمد على نوع المخلفات وتقنيات المعالجة وظروف التشغيل.

الكربون الأزرق.. مخازن طبيعية في السواحل والبحار

يُستخدم مصطلح الكربون الأزرق لوصف الكربون الذي تمتصه وتخزنه النظم البيئية الساحلية والبحرية، خصوصًا غابات المانجروف، والمستنقعات الملحية، ومروج الأعشاب البحرية.

وتؤدي هذه النظم دورًا مهمًا في تخزين الكربون، إلى جانب توفير موائل للكائنات الحية، والحد من تآكل السواحل، ودعم التنوع البيولوجي.

وقد يؤدي تدميرها أو تدهورها إلى إطلاق جزء من الكربون المخزن في رواسبها إلى البيئة.

ويمكن أن يسهم الفحم الحيوي بصورة غير مباشرة في حماية بعض النظم الساحلية إذا استُخدم بطريقة مناسبة لتحسين التربة والحد من جريان بعض المغذيات والملوثات من الأراضي الزراعية إلى المجاري المائية.

لكن هذه الفائدة تعتمد على خصائص الفحم الحيوي وطبيعة التربة وطريقة الاستخدام، ولا تحل محل الحماية المباشرة للمانغروف والأعشاب البحرية والمستنقعات الملحية.

الكربون الأخضر.. تخزين الكربون في النباتات والتربة

يرتبط الكربون الأخضر بالكربون الذي تمتصه النباتات الأرضية وتخزنه في الأشجار والغطاء النباتي والتربة، ما يجعل الغابات والأراضي العشبية والنظم البيئية البرية عناصر مهمة في مواجهة تغير المناخ.

لكن إزالة الغابات وتدهور الأراضي والحرائق يمكن أن تؤدي إلى فقدان جزء من هذا المخزون وإعادة الكربون إلى الغلاف الجوي، بما يقلل قدرة النظم البيئية على المساهمة في الحد من الاحترار العالمي.

وهنا تبرز إحدى وظائف الفحم الحيوي؛ إذ يمكن إنتاجه من الكتلة الحيوية عبر التحلل الحراري، وتحويل جزء من الكربون الموجود فيها إلى مادة أكثر استقرارًا نسبيًا من المادة العضوية الأصلية.

وعند إضافته إلى التربة، قد يسهم في تخزين الكربون لفترات طويلة، كما يمكن أن يحسن بعض خصائص التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية.

ومع ذلك، تختلف مدة بقاء الكربون في التربة بحسب نوع المادة الخام ودرجة حرارة التحلل الحراري وخصائص المنتج وظروف التربة، كما أن الأثر الفعلي على خصوبتها ليس متساويًا في جميع الحالات.

الكربون الأحمر.. مصطلح يحتاج إلى تحديد

لا يُعد الكربون الأحمر تصنيفًا علميًا موحدًا على غرار الكربون الأزرق أو الأسود.

وقد يرتبط استخدام هذا التعبير في بعض السياقات بالكائنات الدقيقة والطحالب التي تنمو على الثلوج والجليد، لكن الظاهرة الأكثر وضوحًا علميًا هي تأثير الكائنات والمواد الداكنة في تقليل انعكاسية السطح الجليدي.

فعندما تتراكم الطحالب أو الجسيمات الداكنة على الثلج، يمكن أن تقل قدرته على عكس أشعة الشمس، ما يزيد امتصاص الطاقة ويسهم في تسريع الذوبان. وتُعرف هذه الخاصية بانخفاض البياض السطحي، أو ما يُسمى «الألبيدو”.

أما دور الفحم الحيوي في هذا السياق، فيرتبط بصورة غير مباشرة بإمكان خفض صافي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عند إنتاجه واستخدامه بطريقة سليمة، ولا توجد أدلة تبرر اعتباره وسيلة مباشرة لمعالجة نمو الطحالب على الجليد أو منع ذوبانه.

الكربون الرمادي.. الانبعاثات المرتبطة بالأنشطة الصناعية

يُستخدم تعبير الكربون الرمادي أحيانًا للإشارة إلى الانبعاثات المرتبطة بالأنشطة الصناعية واستهلاك الوقود الأحفوري، لكنه لا يمثل فئة علمية موحدة عالميًا، كما تختلف دلالته باختلاف السياق الذي يُستخدم فيه.

ولقياس البصمة الكربونية بدقة، يكون من الأفضل تحديد مصدر الانبعاثات، والغازات المعنية، ونطاق القياس، ومراحل دورة حياة المنتج أو الخدمة، بدلًا من الاعتماد على تسمية لونية عامة.

ويمكن أن يسهم الفحم الحيوي في خفض بعض الانبعاثات بصورة غير مباشرة إذا استُخدم بديلًا مناسبًا لبعض مدخلات الإنتاج، أو ساعد على تحسين كفاءة استخدام المغذيات في التربة.

كما يمكن استرداد الطاقة الناتجة عن بعض عمليات التحلل الحراري. غير أن هذه الفوائد ليست مضمونة تلقائيًا، بل تتوقف على ظروف الإنتاج والاستخدام، ومقارنة النتائج بالبدائل المتاحة.

لماذا تهم ألوان الكربون المتخصصين في الاستدامة؟

يساعد التمييز بين هذه المفاهيم على فهم آليات التأثير المناخي بصورة أدق، وعدم الخلط بين الجسيمات الملوثة التي تمتص الإشعاع والكربون المخزن في النظم البيئية والانبعاثات الناتجة عن الأنشطة الاقتصادية.

كما يدعم تقييم كفاءة الحلول المناخية، وحماية الغابات والنظم الساحلية، وتطوير ممارسات إدارة الأراضي، وتحسين حسابات البصمة الكربونية.

وتتطلب الاستفادة من الفحم الحيوي تقييم دورة حياته كاملة، بدءًا من مصدر المخلفات وطريقة نقلها ومعالجتها، مرورًا بالطاقة المستخدمة والانبعاثات الناتجة عن الإنتاج، وصولًا إلى تأثير المنتج في التربة واستقرار الكربون فيها. فمجرد إنتاج الفحم الحيوي لا يعني بالضرورة تحقيق خفض صافٍ للانبعاثات.

الفحم الحيوي.. فرصة مشروطة بالعلم والتطبيق

توضح مفاهيم ألوان الكربون أن التعامل مع الكربون لا يقتصر على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بل يشمل أيضًا الحد من الجسيمات المسببة للاحترار، وحماية مخازن الكربون الطبيعية، وتحسين إدارة الأراضي والموارد.

وفي هذا الإطار، يمكن للفحم الحيوي أن يكون أداة ضمن مجموعة حلول الاستدامة، من خلال تخزين جزء من الكربون وتحسين بعض خصائص التربة والاستفادة من المخلفات العضوية.

لكن نجاحه يتطلب إنتاجًا منخفض الانبعاثات، واختيارًا مناسبًا للمواد الخام، وتقييمًا علميًا للنتائج البيئية والاقتصادية.

وبالنسبة إلى المتخصصين في الاستدامة، لا تكمن الأهمية في حفظ أسماء ألوان الكربون، بل في فهم ما تمثله فعليًا، والتمييز بين المصطلحات الراسخة والتسميات غير الموحدة، واختيار الحلول بناءً على الأدلة والقياسات، لا على الوعود وحدها.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى