د. رفعت جبر: من سد النهضة إلى باب المندب.. كيف أعادت مصر رسم معادلة القوة في القرن الأفريقي؟
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
لم تعد قضية “سد النهضة” مجرد نزاع مائي تقني، بل تحولت في العقل الاستراتيجي الدولي إلى أداة ضغط غير مباشرة، تُستخدم لمحاولة إبطاء الاندفاعة المصرية نحو استعادة سيادتها الكاملة على أمنها القومي في القرن الأفريقي.
الرسالة الأخيرة المنسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن نهر النيل لا يمكن قراءتها بوصفها “حمامة سلام”، بل باعتبارها محاولة ذكية لإعادة ضبط إيقاع الصراع، بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الحقائق الجوهرية التي لا تحتمل التأويل:
أولًا: الحقيقة الكبرى.. باب المندب يبتلع أوهام السيطرة الإسرائيلية
الأهمية القصوى لم تعد متركزة في أديس أبابا وحدها، بل انتقلت إلى مياه الصومال وإريتريا، حيث أعادت التحركات المصرية الأخيرة، عسكريًا وسياسيًا، وبالتنسيق مع الدولة الصومالية، وبدعم من تحالفات إقليمية وازنة، رسم خريطة النفوذ في البحر الأحمر.
هذا التحول نقل المواجهة من مرحلة “الدبلوماسية القلقة” إلى مستوى “الانتشار الخشن” على الأرض.
التحليل:
أي وجود استخباراتي أو عسكري إسرائيلي في مناطق مثل “أرض الصومال” بات اليوم مكشوفًا أمام التواجد المصري المباشر، هذا المتغير هو ما يفسر اندفاع ترامب للتدخل، في محاولة لتجميد هذا المسار عبر إعادة فتح ملف النيل بوصفه أداة إلهاء سياسية.
ثانيًا: السودان.. إغلاق الثغرة التي أرادها الخصوم بوابة للفوضى
كان الرهان الأساسي للخصوم أن يظل السودان بؤرة اضطراب، تستنزف مصر وتقطع اتصالها بعمقها الأفريقي، غير أن التحرك الاستراتيجي المصري، والتعامل مع أمن السودان باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المباشر، أسقط هذا السيناريو، ونسف مشروع الفوضى الممتد من دارفور إلى سواحل البحر الأحمر.
النتيجة:
تدرك واشنطن وتل أبيب أن استقرار السودان تحت مظلة الدور المصري يعني عمليًا نهاية مشروع “الدويلات الوظيفية” الذي خدم طويلًا أجندات التفتيت وإعادة رسم الخرائط.
ثالثًا: فك الارتباط الاستراتيجي.. سد النهضة كفخ تفاوضي
يثير توقيت عودة ترامب للحديث عن “العدالة والشفافية” في ملف النيل تساؤلات مشروعة. فالمسألة لا تتعلق بالمياه بقدر ما تتعلق بمحاولة عزل الملفات.
واشنطن تسعى إلى إعادة القاهرة لطاولة مفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني حول النيل، مقابل تهدئة أو تراجع مصري عن خطواتها التصعيدية في الصومال وباب المندب.
في المقابل، لم تعد إثيوبيا الأداة المضمونة كما في السابق، بعدما فرض الضغط المصري في محيطها الاستراتيجي واقعًا جديدًا، ما دفع واشنطن للتدخل دبلوماسيًا لحمايتها من فقدان أوراقها بالكامل.
رابعًا: المأزق الأميركي العالمي.. الهروب إلى دور الوسيط
تعيش الولايات المتحدة حالة تشتت استراتيجي غير مسبوقة، في ظل تعدد الجبهات من إيران إلى الصين وأوكرانيا، وفي هذا السياق، لا تتحمل واشنطن بروز قطب إقليمي مستقل يقود البحر الأحمر خارج نطاق إرادتها.
من هنا، تأتي محاولات جر القاهرة مجددًا إلى منطقة “الاحتواء”، عبر إغراءات الوساطة في ملف المياه.
تحليل المشهد: من يغلب في النهاية؟
في هذه المعركة، الغلبة ليست لمن يمتلك أوراق الضغط القديمة، بل لمن يفرض أمرًا واقعًا جديدًا على الأرض.
نتنياهو يراهن على بقاء سد النهضة قنبلة مؤجلة، تُشغل مصر عن تأمين البحر الأحمر، بما يحد من قدرتها على التأثير في المصالح الإسرائيلية.
ترامب يحاول تسويق “صفقة شاملة”: هدوء في القرن الأفريقي مقابل حلول ورقية في ملف النيل.
أما الدولة المصرية، فقد انتقلت بوضوح من وضعية الدفاع إلى استراتيجية الهجوم الوقائي، واضعة معادلة حاسمة مفادها أن أمن النيل لا يُناقش بينما تكون اليد المصرية مقيدة في باب المندب.
الخلاصة
من يسيطر على مضايق البحار يملك مفاتيح الأنهار.
مصر تتحرك اليوم بقوة الفعل لا بلغة البيانات، وتدرك أن أي تراجع في الصومال أو السودان سيُترجم مباشرة إلى خسارة في ملف النيل.
المرحلة الراهنة هي مرحلة تثبيت الأقدام، ومن يمتلك القدرة على حماية مصالحه في القرن الأفريقي، سيفرض شروطه في أديس أبابا وواشنطن على حد سواء.
أما إثيوبيا، فقد وقعت في فخ الغطرسة، لتكتشف متأخرة أن فرض الأمر الواقع لا يُبنى بالخرسانة وحدها، بل بتوازنات القوة العسكرية والسياسية.
ومن لا يفهم هذه اللحظة الآن، سيدركها لاحقًا، لكن بعد أن تكون الخريطة قد رُسمت بالكامل.





