د. طارق قابيل: كيف يساهم التعليم في التوعية والاهتمام بتغير المناخ في مصر؟
كاتب ومترجم- عضو هيئة التدريس بكلية العلوم- جامعة القاهرة

أهمية مشاركة المؤسسات التعليمية والإعلامية في التوعية بآثار تغيرات المناخ في مصر
من المعروف أن تغير المناخ يشكل تهديدات خطيرة للحضارة الإنسانية، ويبدو أنه إذا اغتنمنا فرصة استضافة مصر مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ “cop27” في شهر نوفمبر الماضي، فمن الممكن أن يوفر هذا الزخم الكبير المتعلق بالاهتمام بالمؤتمر فرصة جيدة لخلق مستقبل أفضل للشعب المصري، ولتثقيف الطلاب والشعب المصري بأكمله أكثر حول هذا الموضوع الهام.
وأتمني ألا تتوقف جهود الدولة في هذه القضية الهامة بعد انتهاء المؤتمر بنجاح كبير، ويجب أن تشارك وتساهم الهيئات والمؤسسات التعليمية المصرية في التوعية بآثار تغيرات المناخ، كما يجب أن تكون مجتمعات الجامعات على دراية بهذه المخاطر.
وفي الواقع، فإن الأبحاث الخاصة بتغير المناخ في مصر، وبصفة عامة في مجال التعليم العالي، والثقافة العلمية نادرة للغاية، ولذلك قام فريق بحثي من كلية العلوم جامعة القاهرة بنشر دراستين علميتين لمحاولة الإجابة عن سؤال: كيف يمكن للتعليم المتعلق بتغير المناخ أن يساهم في التوعية والعمل على الاهتمام بظاهرة التغير المناخي في مصر؟
وسنحاول في هذه المقالة المختصرة استكشاف العلاقات بين الجامعات وتفاعلاتها المعقدة مع المجتمع بالإضافة إلى تأثير التعليم على تغير المناخ؛ وتقديم خريطة مفاهيمية مختصرة للوظائف المختلفة للجامعات والمسارات التي قد تؤثر من خلالها على تغير المناخ.
وسيناقش المقال الإجراءات التعليمية المتعلقة بتغير المناخ التي تؤدي لزيادة وعي الطلاب المصريين بقضايا تغير المناخ والمشاركة فيها، وتحفيز المصلحة الوطنية للتغلب على تحديات المناخ بالإضافة إلى تقديم التوصيات لتعزيز نظام التعليم في مصر.
كما سيتم مناقشة نتائج دراستين لفريق من الباحثين بكلية العلوم جامعة القاهرة والتي اتُخذت فيها جامعة القاهرة كمثال ودراسة حالة للآثار المعيارية لدور الجامعات ومؤسسات التعليم العالي للقيام بدورها في هذا الصدد.
الدراسة الاستقصائية الأولي
تهدف ورقة العمل الأولي إلى استكشاف العلاقات بين الجامعات وتفاعلاتها المعقدة مع المجتمع بالإضافة إلى تأثير التعليم على تغير المناخ؛ وتقدم الورقة البحثية الثانية خريطة مفاهيمية للوظائف المختلفة للجامعات والمسارات التي قد تؤثر من خلالها على تغير المناخ.
قام الفريق البحثي بدراسة جامعة القاهرة كمثال وكدراسة حالة للآثار المعيارية لدور الجامعات ومؤسسات التعليم العالي للقيام بدورها في هذا الصدد. وتقدم مثل هذه الدراسات نموذج هام للغاية تم تطبيقه على جامعة القاهرة للتعرف على طبيعة وجود المعرفة بخطورة هذه المشكلة وأهميتها بالنسبة للعاملين في الجامعات والطلاب وغيرهم من المجتمع المصري.
ويتناول البحث الأول الدور المحوري الذي يمكن ان تقدمه الثقافة العلمية للتوعية بالتغيرات المناخية وتأثيراتها المختلفة، ويتحدث البحث عن أن دور الثقافة في التكيف مع تغير المناخ الحديث ما زال غير مستكشف.
وبسبب التغيرات المناخية المتتالية الأخيرة، ازداد دور الثقافة في تعميق فهمنا وإدراكنا لكيفية مواجهة التحديات التي تواجهنا والتصدي لها.
الثقافات المؤسسية ضرورية لتوفير حلول عملية ومناسبة للتصدي لتغير المناخ العالمي من خلال التأثير في تشكيل الأهداف، وتعظيم عوامل النجاح، وتقييمها علميا.
وقد دفع ذلك خبراء المناخ إلى الاعتراف بأهمية الثقافة في تبسيط وفهم ومعالجة آثار تغير المناخ من خلال سياسات التكيف أو التخفيف مع وضع استراتيجيات التخطيط، على الرغم من عدم وجود آليات واضحة لتطبيقها، لا سيما في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وقد اعتمد البحث على دراسة استقصائية تستند إلى دراسات سابقة لدراسة دور النظرية الثقافية للمخاطر في الحد من آثار المخاطر البيئية وتغير المناخ ومدى الوعي الجامعي.
تم توزيع المسح على عينة عشوائية من منسوبي جامعة القاهرة وبعض الجامعات المصرية.
أبرز التحليل الإحصائي لنتائج الدراسة الاستقصائية المتعلقة بالتغيرات المناخية وعلاقتها بالثقافة تباينا ملحوظا حسب نوع جنس الطلاب المشاركين وكلياتهم وجامعاتهم.
وبلغت النسبة المئوية للطالبات 171 طالبة (81%)، متفوقات على الطلاب الذكور، ومشاركة الكليات العملية كانت على حساب بقية الكليات، حيث كانت أعلى نسبة من العلوم، 186 (88.2٪)؛ ثم الزراعة، ستة (2.8٪)؛ تليها الصيدلة، أربعة (1.9٪)؛ وكلية التربية، اثنتان (0.9 %) بينما كانت نسبة مشاركة الكليات المتبقية مجتمعة 13 (6.2 %).
تمت موافقة المشاركين على 17 سؤال من 28 سؤال، والموافقة بشدة على 7 آخرين، بينما اختار عدد من المشاركين الوقوف على الحياد في ثلاثة أسئلة. وكان أعلى متوسط مرجح للسؤال الخاص باعتماد سياسة للعمل على توسيع استخدام الطاقة الشمسية بدلاً من الطاقة الكهربائية بسبب فوائدها العديدة، مثل تقليل تلوث الهواء، وتقليل استخدام المياه، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة غير القابلة للتجديد، ويحسن صحة البشرية».
وجاء بعده “من المرجح أن يؤدي المناخ الأكثر دفئًا إلى زيادة ذوبان الجليد القطبي، مما سيؤدي إلى ارتفاع إجمالي في مستوى سطح البحر» وأخيرا جاء الرد على السؤال الخاص بتقليل استهلاك المواد التي يمكن التخلص منها أو ذات الاستخدام الواحد (مثل الأكياس البلاستيكية والمناشف الورقية والأطعمة المعبأة. بينما اتفق الجميع على أنه على مدى العقود القليلة المقبلة، سيتغير المناخ بالتساوي في جميع أنحاء العالم».
ومن أبرز اسئلة الاستبيان: هل التغيرات الطبيعية هي السبب الرئيسي لتغير المناخ (مثل التغيرات في كثافة الإشعاع الشمسي وثوران البراكين)، وهل سيتغير المناخ بشكل منصف في جميع أنحاء العالم خلال العقود القليلة القادمة.
وهل تناول المزيد من الأطعمة النباتية وتقليل البروتينات والمنتجات الحيوانية من أجل اتباع نظام غذائي غني بالنباتات (مثل اللحوم ومنتجات الألبان والبيض) سيؤدي لحل لهذه المشكلة.
الدراسة الثانية
الدراسة الثانية قام بها فريق بحثي من كلية العلوم، جامعة القاهرة – وشارك فيها كاتب المقال- ويجاوب هذا البحث عن كيف يمكن للتعليم المتعلق بتغير المناخ أن يساهم في التوعية والمبادرات والعمل على الاهتمام بظاهرة التغير المناخي في مصر؟ وقمنا بعمل دراسة حالة لجامعة القاهرة.
تم إعداد استبيان بناءً على دراسات سابقة وتم توزيعه على 305 من الموظفين والخريجين والطلاب في الجامعة. جامعة القاهرة (305 صوتا)، اختيرت من كليات مختلفة في مراحل مختلفة تحليلها. غطى المسح المعلومات الديموغرافية ومجموعة من الأمور المتعلقة بتغير المناخ والنوايا البيئية.
تم تحليل البيانات وتم تقديم الخصائص الديموغرافية والمقاييس النوعية الأخرى على شكل أعداد ونسب مئوية.
وتهدف ورقة العمل إلى استكشاف العلاقات بين الجامعات وتفاعلاتها المعقدة مع المجتمع بالإضافة إلى تأثير التعليم على تغير المناخ؛ وتقدم الورقة خريطة مفاهيمية للوظائف المختلفة للجامعات والمسارات التي قد تؤثر من خلالها على تغير المناخ.
وقمنا بدراسة جامعة القاهرة كمثال وكدراسة حالة للآثار المعيارية لدور الجامعات ومؤسسات التعليم العالي للقيام بدورها في هذا الصدد.
في هذه الدراسة، هدفنا إلى الإجابة على أربعة أسئلة بحثية باستخدام مسح لجمع البيانات الاجتماعية الديموغرافية وآراء ووجهات نظر مجموعة من البالغين المصريين فيما يتعلق بتغير المناخ العالمي وتأثيراته على مصر. أظهرت نتائج الاستبيان أن النساء قلقات أكثر من الرجال بشأن تغير المناخ بنسبة 2: 1، وكان معظم المشاركين من طلاب البكالوريوس.
أظهر المشاركون وعيًا كبيرًا بقضايا تغير المناخ.
ومع ذلك، صنف المشاركون في الاستطلاع تغير المناخ/الاحتباس الحراري في مرتبة منخفضة في قائمتين مختلفتين من القضايا الاجتماعية الملحة في مصر، ولم يكن العديد من المشاركين على دراية بالسياسات البيئية لبلدهم؛ لم يكن الكثيرون على دراية بالسياسات أو المبادرات العالمية التي اتخذتها المنظمات المختلفة للحد من تغير المناخ/الاحتباس الحراري.
سمعت أعلى نسبة من المشاركين في الدراسة الاستقصائية عن تغير المناخ من المشاركة في الحملات البيئية، وذكرت أعلى نسبة أن معلومات الوكالات الحكومية هي سبب الإجراءات التالية التي يعتزمون اتخاذها فيما يتعلق بتغير المناخ.
كان الناخبون يتمتعون بأكبر قدر من الثقة في المعلومات المتعلقة بتغير المناخ من العلماء وأقل ثقة في المعلومات الواردة من الأصدقاء. اعتقدت أعلى نسبة من المشاركين أن الحكومة هي المسؤولة عن مكافحة تغير المناخ.
نستنتج من الدراسة أن تعليم تغير المناخ ليس منتشرا في جميع نظم التعليم في مصر بما في ذلك جامعاتها. ومع ذلك، على مدى العقود الماضية، كان هناك قلق كبير بشأن قضايا تغير المناخ في مصر، والسماح للناس باستكشاف القضايا البيئية بالإضافة إلى المشاركة في حل هذه المشاكل يخلق الأفراد الذين يمكنهم اتخاذ قرارات مسؤولة واتخاذ إجراءات مسؤولة.
لا يحتاج تعليم تغير المناخ الناجح في مصر الآن إلى مجرد تدريس القضايا البيئية؛ بل إنه يتطلب مجهودًا كبيرًا من جهاز التعليم ووسائل الإعلام لإيصال الرسالة إلى المزيد من المصريين.
يزيد تعليم تغير المناخ معرفة الناس ووعيهم بالبيئة والتحديات المرتبطة بها؛ ويطور المهارات والخبرات اللازمة لمواجهة التحديات؛ ويعزز المواقف والدوافع والالتزامات لاتخاذ قرارات مستنيرة واتخاذ إجراءات مسؤولة لتحسين البيئة.
ومع ذلك، على الرغم من أن تعليم تغير المناخ يساعد في تعميق فهم الأفراد للقضايا البيئية، فإن مثل هذا التعليم في مصر لا يزال يتكون فقط من تزويد الطلاب ببعض الحقائق والأرقام البيئية.
ترى وكالة حماية البيئة الأمريكية أن التعليم البيئي يجب ألا يزود الطلاب فقط بالمعلومات المتعلقة بالقضايا البيئية، والتي بموجبها لا يوفر نظام التعليم الرسمي في مصر للطلاب جميع عناصر التثقيف البيئي.
ومع ذلك، فإن مصر تكافح ضد العديد من القضايا البيئية، لا سيما تلك المتعلقة بالتفاعلات البشرية مع البيئة والموارد الطبيعية.
بالنظر إلى العلاقة الجوهرية بين حماية البيئة والتنمية وحقيقة أن مصر تواجه قضايا بيئية خطيرة، فقد أصبح من الضروري توعية الجمهور بالقضايا البيئية بشكل عام والتغير المناخي بشكل خاص.
وهناك حاجة إلى تعليم بيئي فعال لتزويد الطلاب بما هو مطلوب للاستدامة على المدى الطويل.
للأسف، المعلومات الخاصة حول هذه القضية في مصر محدودة، ومع ذلك، في دراسة مقابلة أجرتها الجامعة الأمريكية بين ثلاث مدارس عامة في ثلاث مدن مختلفة، كان 90٪ من جميع الطلاب لديهم معرفة ضعيفة بالقضايا البيئية.
ولمعالجة هذا النقص في المدارس الحكومية، يجب تحسين المناهج الحالية.
استنتاجات وتوصيات
نستنتج من النتائج التي تم الحصول عليها أن تعليم تغير المناخ ليس منتشر في جميع نظم التعليم في مصر بما في ذلك في جامعاتها.
ومع ذلك، فعلى مدى العقود الماضية، كان هناك قلق كبير بشأن قضايا تغير المناخ في مصر، والسماح للناس باستكشاف القضايا البيئية بالإضافة إلى المشاركة في حل هذه المشاكل يخلق الأفراد الذين يمكنهم اتخاذ قرارات مسؤولة واتخاذ إجراءات مسؤولة.
لا يحتاج تعليم تغير المناخ الناجح في مصر الآن إلى مجرد تدريس القضايا البيئية؛ بل إنه يتطلب مجهودًا كبيرًا من جهاز التعليم ووسائل الإعلام لإيصال الرسالة إلى المزيد من المصريين.
لمعالجة هذا النقص في المدارس الحكومية، يجب تحسين المناهج الحالية. ونوصي بأن تضيف الأنظمة المدرسية دورات بيئية فعالة وأن تضع سياسات سليمة قائمة على أنظمة متكاملة.
ستعمل كل هذه الإجراءات التعليمية المتعلقة بتغير المناخ على زيادة وعي الطلاب المصريين بقضايا تغير المناخ والمشاركة فيها، ولدى مصر فرصة جيدة لتحفيز المصلحة الوطنية في الصحافة البيئية والعلمية فيما يتعلق بالخطوات التي يمكن أن تتخذها الأمة لمواجهتها. تحديات المناخ بالإضافة إلى التعلم من تجارب تعليم تغير المناخ للدول الأخرى لتعزيز نظام التعليم في مصر.
ويزيد تعليم تغير المناخ معرفة الناس ووعيهم بالبيئة والتحديات المرتبطة بها؛ ويطور المهارات والخبرات اللازمة لمواجهة التحديات؛ ويعزز المواقف والدوافع والالتزامات لاتخاذ قرارات مستنيرة واتخاذ إجراءات مسؤولة لتحسين البيئة.
ونوصي بأن تضيف الأنظمة المدرسية دورات بيئية فعالة وأن تضع سياسات سليمة قائمة على أنظمة متكاملة.
وستعمل كل هذه الإجراءات التعليمية المتعلقة بتغير المناخ على زيادة وعي الطلاب المصريين بقضايا تغير المناخ والمشاركة فيها، ولتثقيف الطلاب والجمهور أكثر حول هذا الموضوع الهام، تواجه الجامعات، كما تفعل جميع المؤسسات، مخاطر واضحة ومتنامية من الاضطرابات المناخية، وبالتالي، يجب أن تكون مجتمعات الجامعات على دراية بهذه المخاطر.
ويمكن أن توفر معالجة هذه المخاطر الفرصة لتجديد الجامعات وتجهيزها للقرن الحادي والعشرين لتكون آمنة ومأمونة ونشطة في مواجهة تغير المناخ ولحل مشاكل العالم الحقيقي.
وفي تقديرنا أن الجامعات تلعب دورًا حاسمًا في مكافحة تغير المناخ، ولكن الطبيعة المعقدة والمتعددة الأوجه للقضية تشكل تحديات للعمليات التقليدية للمؤسسة.
نظرًا لأن المبادئ التوجيهية لتنفيذ التثقيف بشأن تغير المناخ لم يتم تطبيقها بشكل شائع بعد، ويمكن لمؤسسات التعليم العالي دعم الجهود المتعلقة بذلك.
ومن ناحيتنا فقد تقدم فريق الباحثين بعدة مشروعات لجامعة القاهرة، ولأكاديمية البحث العلمي بهدف نشر الثقافة العلمية الخاصة بتغير المناخ، واستحداث برامج جديدة تهتم بمثل هذا الأمر.
والبحث الأخير يؤكد على أن الجامعات تلعب دورًا حاسمًا في مكافحة تغير المناخ، ولكن الطبيعة المعقدة والمتعددة الأوجه للقضية تشكل تحديا للعمليات التقليدية للمؤسسة.
نظرًا لأن المبادئ التوجيهية لتنفيذ التثقيف بشأن تغير المناخ لم يتم تطبيقها بشكل شائع بعد، ويمكن لمؤسسات التعليم العالي دعم الجهود المتعلقة بذلك.






تعليق واحد