د.رفعت جبر: من باب المندب إلى ممر شمال–جنوب.. كيف تعيد الطرق البرية رسم خريطة النفوذ العالمي؟
عضو المجلس الأعلى للثقافة- أستاذ التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
لم تعد المعركة على طرق التجارة العالمية تدور في البحار وحدها. فمع تصاعد المخاطر التي تهدد بعض الممرات البحرية الرئيسية، تتحرك قوى كبرى في آسيا وأوراسيا لتوسيع شبكات برية وسككية وموانئ جافة يمكن أن تمنحها بدائل عن الطرق البحرية الأكثر تعرضًا للاختناقات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، يكتسب افتتاح أول جسر بري مخصص للسيارات بين روسيا وكوريا الشمالية فوق نهر تومين، في 7 سبتمبر 2026، أهمية تتجاوز كونه مشروع نقل ثنائيًا؛ فهو يأتي في وقت تتعمق فيه العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين موسكو وبيونغ يانغ. الجسر الذي يبلغ طوله نحو كيلومتر يربط منطقة خاسان الروسية بمدينة تومانغانغ الكورية الشمالية، ويضيف مسارًا بريًا جديدًا إلى شبكة الربط القائمة أصلًا بالسكك الحديدية.
لكن هذا التطور لا ينبغي قراءته منفصلًا عن مشاريع أكبر، في مقدمتها مبادرة «الحزام والطريق» الصينية وممر «شمال–جنوب» الذي يربط روسيا ببحر قزوين وإيران وصولًا إلى المحيط الهندي.
والقاسم المشترك بين هذه المشاريع هو محاولة بناء مرونة أكبر في سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة، وليس بالضرورة إلغاء الدور الذي تؤديه الممرات البحرية.
الصين.. بناء شبكة أوسع من طريق واحد
تحتل الصين موقعًا محوريًا في التحول الجاري نحو تنويع طرق التجارة البرية والبحرية.
فمبادرة «الحزام والطريق» لم تعد مجرد مجموعة من خطوط السكك الحديدية أو الطرق والموانئ، وإنما أصبحت شبكة واسعة من البنى التحتية والممرات التجارية التي تربط شرق آسيا بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا وأجزاء من إفريقيا.
وتكمن أهمية هذا التنويع بالنسبة إلى بكين في تقليل مخاطر الاعتماد المفرط على بعض نقاط الاختناق البحرية، وفي مقدمتها مضيق مالاقا الذي يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي.
ويظل المضيق واحدًا من أهم الممرات النفطية في العالم؛ إذ أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 23.2 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية مرت عبره في النصف الأول من 2025، إلى جانب نحو 9.2 مليار قدم مكعبة يوميًا من الغاز الطبيعي المسال. وكانت الصين وجهة 48% من أحجام واردات النفط التي مرت عبر المضيق خلال تلك الفترة.
لذلك، فإن ما يسمى أحيانًا بـ«معضلة مالاقا» لا يتعلق بالتجارة وحدها، بل بالأمن الاقتصادي الصيني وقدرة البلاد على ضمان استمرار تدفق الطاقة والسلع في حال تعرض أحد الممرات البحرية الرئيسية للاضطراب.
إيران.. عقدة الممر الجنوبي
في الطرف الآخر من الشبكة، تبرز إيران باعتبارها حلقة جغرافية رئيسية في ممر «شمال–جنوب»، الذي يستهدف توفير مسار يربط روسيا وآسيا الوسطى بالمحيط الهندي عبر الأراضي الإيرانية.
وتمنح الموانئ الإيرانية، وفي مقدمتها بندر عباس وشابهار، هذا المشروع قيمة استراتيجية، لأنها تفتح أمام البضائع القادمة من شمال أوراسيا طريقًا نحو الأسواق الآسيوية من دون الاعتماد الكامل على الطرق البحرية التقليدية التي تمر عبر نقاط اختناق أخرى.
لكن أهمية إيران لا تتوقف عند موقعها في ممر «شمال–جنوب». فهي تقع أيضًا على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية للطاقة، وهو ما يجعل موقعها الجغرافي جزءًا من معادلة أكبر تتداخل فيها التجارة والطاقة والأمن.
ومن هنا، يصبح الاستثمار في الممرات البرية بالنسبة إلى موسكو وبكين وطهران وسيلة لتنويع الخيارات، وليس مجرد مشروع نقل.
روسيا وكوريا الشمالية.. جسر جديد في أقصى شرق أوراسيا
افتتاح الجسر الروسي–الكوري الشمالي الجديد يقدم نموذجًا مختلفًا لهذا الاتجاه.
فالجسر الذي افتتح في 7 سبتمبر يربط البلدين برًا للسيارات والشاحنات، ويشكل أول جسر طرق مخصص بينهما. أما الربط السككي، فهو قائم بالفعل عبر جسر الصداقة الذي يعود إلى خمسينيات القرن الماضي.
وتكتسب المنشأة الجديدة أهمية إضافية في ظل التقارب المتسارع بين موسكو وبيونغ يانغ منذ الحرب في أوكرانيا، مع توسع التعاون الاقتصادي والعسكري بين الطرفين.
ومن منظور لوجستي، فإن إضافة طريق بري مستقل تعني توفير قدرة إضافية على حركة البضائع والأفراد، كما تمنح الطرفين هامشًا أكبر لتنويع وسائل النقل عبر الحدود.
لكن وصف هذا المسار بأنه «خط إمداد مغلق بعيد عن الرصد الغربي» يتجاوز ما يمكن إثباته من المعلومات المتاحة؛ والأدق اعتباره جزءًا من تعزيز الاتصال البري والتكامل اللوجستي بين البلدين، مع ما يحمله ذلك من أبعاد استراتيجية.
باب المندب.. عندما تتحول الجغرافيا إلى تكلفة اقتصادية
في المقابل، كشفت أزمة البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة مدى هشاشة الاعتماد على الممرات البحرية عندما تدخل الاعتبارات الأمنية والعسكرية على خط التجارة.
وتفاقمت المخاطر في باب المندب والبحر الأحمر نتيجة الهجمات والتهديدات التي دفعت عددًا كبيرًا من السفن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة المسافات وأوقات الرحلات وتكاليف النقل والتأمين.
وتشهد المنطقة حاليًا تصعيدًا جديدًا؛ إذ أفادت تقارير في 14 سبتمبر 2026 بتزايد المخاطر في باب المندب، بالتزامن مع اضطرابات في مسارات الطاقة، بينما أعلنت شركات كبرى مثل Maersk وHapag-Lloyd استئناف خدمات إضافية عبر قناة السويس، في مؤشر على أن شركات النقل لا تزال توازن بين مخاطر الأمن وتكاليف المسارات البديلة.
وهنا تظهر المفارقة المهمة: اضطراب الممرات البحرية لا يعني نهاية النقل البحري، لكنه يرفع قيمة البدائل ويجبر الشركات والدول على بناء شبكات أكثر تنوعًا.
هل تستطيع الطرق البرية منافسة السفن؟
رغم جاذبية الممرات البرية من الناحية الجيوسياسية، فإنها لا تستطيع ببساطة استبدال النقل البحري.
فالسفن العملاقة تستطيع نقل كميات هائلة من البضائع بتكلفة منخفضة نسبيًا لكل وحدة، بينما تواجه السكك الحديدية والطرق البرية قيودًا تتعلق بالسعة والتكلفة والبنية التحتية واختلاف المعايير الحدودية وطول المسافات.
ولهذا، فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس «انتقال التجارة من البحر إلى البر»، وإنما إعادة توزيع المخاطر بين البحر والبر والسكك الحديدية والموانئ الجافة.
وهذه النقطة أساسية لفهم مستقبل التجارة العالمية.
فالدولة أو الشركة التي تعتمد على طريق واحد تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات، بينما تمنحها شبكة متعددة المسارات قدرة أكبر على تحويل حركة البضائع عندما يتعرض أحد المسارات للاضطراب.
من العقوبات المالية إلى البحث عن بدائل
يمتد التحول أيضًا إلى المجال المالي.
فالعقوبات الغربية لا تعتمد فقط على السيطرة على طرق التجارة، وإنما تستخدم النظام المالي العالمي وشبكات المدفوعات والتحويلات كأدوات للضغط الاقتصادي.
ولهذا تتجه بعض الدول الخاضعة للعقوبات أو المتضررة منها إلى زيادة استخدام العملات المحلية، واتفاقات المقايضة، وترتيبات دفع بديلة.
لكن يجب عدم المبالغة في تقدير حجم هذا التحول؛ إذ لا تزال البنية المالية العالمية شديدة الاعتماد على الدولار والمؤسسات والشبكات المالية الغربية.
وبالتالي، فإن الممرات البرية والبدائل المالية تمثل عملية تدريجية لتنويع أدوات التجارة والتمويل أكثر من كونها نظامًا عالميًا بديلًا مكتملًا.
مصر وقناة السويس.. لماذا تظل الجغرافيا المصرية حاسمة؟
في خضم هذا التحول، لا تفقد قناة السويس أهميتها، بل ربما تصبح إدارة موقعها الجغرافي أكثر أهمية.
فالقناة تمثل أقصر طريق بحري رئيسي بين آسيا وأوروبا، وأثبتت أزمة البحر الأحمر أن تغيير المسار إلى رأس الرجاء الصالح يمكن أن يفرض تكاليف ومسافات إضافية على التجارة.
ولهذا، فإن عودة شركات شحن كبرى إلى زيادة خدماتها عبر قناة السويس في سبتمبر 2026، رغم استمرار المخاطر الأمنية الإقليمية، تؤكد أن النقل البحري لا يزال يتمتع بمزايا اقتصادية ولوجستية يصعب على الطرق البرية تعويضها بالكامل.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الاستثمار في الممرات البرية يعني أن المنافسة المستقبلية لن تكون بين «قناة السويس» و«ممر بري» واحد، وإنما بين شبكات لوجستية متكاملة تتنافس على الوقت والتكلفة والأمان والقدرة على تحمل الأزمات.
من يملك الشبكة يملك جزءًا من النفوذ
التحول الأهم الذي تكشفه هذه التطورات ليس اختفاء النفوذ البحري، وإنما تغير مفهوم القوة اللوجستية.
ففي القرن الماضي، كانت السيطرة على البحار والمضائق والموانئ عنصرًا مركزيًا في القوة الاقتصادية والاستراتيجية. أما في عالم أكثر اضطرابًا، فتزداد قيمة القدرة على امتلاك شبكات متعددة المسارات تربط البر بالبحر والسكك بالموانئ والطاقة بالتجارة والتمويل بالنقل.
ومن هذه الزاوية، تبدو مشاريع الصين وروسيا وإيران وغيرها جزءًا من اتجاه عالمي أوسع نحو تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق المفردة.
لكن نجاح هذا الاتجاه سيظل مرتبطًا بعوامل صعبة: تكلفة النقل، قدرة البنية التحتية، الاستقرار السياسي، أمن الحدود، العقوبات، اختلاف الأنظمة الجمركية، وقدرة الدول على تمويل وتشغيل هذه الشبكات على المدى الطويل.
الخلاصة.. ليست نهاية عصر البحار
لا تشير الممرات الأوراسية الجديدة إلى نهاية عصر النقل البحري، ولا تعني أن السيطرة على المضائق فقدت قيمتها.
الأقرب إلى الواقع أن العالم يدخل مرحلة تنويع جغرافي ولوجستي متزايد؛ حيث تسعى القوى الاقتصادية إلى امتلاك أكثر من طريق وأكثر من منفذ وأكثر من وسيلة دفع وأكثر من مصدر للطاقة.
وهنا تكمن أهمية المنافسة على الممرات.
فالمعركة لم تعد فقط حول «من يسيطر على البحر؟»، وإنما أيضًا حول من يستطيع بناء الشبكة الأكثر مرونة، والأقل تعرضًا للضغط، والأسرع قدرة على تغيير مساره عندما تتغير خريطة المخاطر.
وفي هذا العالم، تظل الصين لاعبًا رئيسيًا في بناء الشبكات، وإيران عقدة جغرافية مهمة، وروسيا قوة برية ضخمة تبحث عن منافذ بديلة، بينما تبقى مصر وقناة السويس في قلب معادلة التجارة بين الشرق والغرب.
وبذلك، قد يكون التحول الحقيقي الذي تشهده التجارة العالمية ليس انتقالها من البحر إلى البر، بل انتقالها من الاعتماد على طريق واحد إلى عصر الشبكات المتعددة.





