وجهات نظر

د. أحمد يحيى راشد: حقوق الحضارة بين الفخر والغصة

مدير مؤسس معهد حقوق حضارة بأمريكا والاستاذ بالجامعة البريطانية في مصر

بداية أتقدم من القراء بخالص التهنئة بشهر ابريل، شهر رمضان وأعياد الفطر والقيامة، شهر أبريل 2023 هو شهر التراث العربي الأمريكي، كما أعلن عنه رئيس الولايات المتحدة، جو بايدن، حيث دعا جميع الأمريكيين إلى معرفة المزيد عن تاريخ وثقافة وإنجازات العرب الأمريكيين وأن يثروا هذا الشهر بالبرامج والأنشطة المناسبة التي تحقق ذلك”.

وكذلك في يوم 18 ابريل يتم الاحتفال بيوم التراث العالمي، وفي 26 ابريل، باليوم العالمي للملكية الفكرية، وترتبط تلك المناسبات مع احداث عالمية يتشارك بها “معهد حقوق حضارة” بالترتيب في مؤتمر الدول الكبرى G20، ومؤتمر المناخ COP28، من خلال طرح “الميثاق العالمي لحقوق حضارة”، والعمل ان يكون هناك يوما عالميا لحقوق حضارة معتمد من قبل الامم المتحدة… https://bit.ly/3U8BP2m

وعليه تتطلب هذه المقالة التعريف بحقوق حضارة والتي سنتبعها بعدد من المقالات المرتبطة بسياق البحث العلمي من نقاش وحوار وجدال في مفاهيم علمية لعلم حقوق حضارة وعلم سيفليزولوجي (علم تأصيل الحضارات) من اجل تعافي الحضارات في منطقتنا العربية والتي تحتضن أعظم الحضارات الانسانية وتتشارك مفاهيم حقوق حضارة في ارساء ذلك مع الحضارات الانسانية في العالم، القديمة والحالية، بل وحتى المستقبلية منها.

والقضية كانت فكرة وتساؤل بدأ عند زيارتي لمدينة لاس فيجاس في الولايات المتحدة الامريكية عام 1999، حيث يوجد في المدينة فندق وكازينو ومنتجع يحمل أسم الأقصر ومستلهم من الحضارة المصرية في كافة التفاصيل، من الهرم وأبو الهول والمسلة وطريق الكباش والمعابد المصرية المتعددة إلي تصميم الأثاث والديكورات والعاب القمار وكذلك الهدايا والتذكاريات القائمة علي مفردات الحضارة المصرية، والجميع يأخذ الصور ويقف مشدوها ومنبهرا، ومعها كانت وقفة بين الإحساس بالفخر الشديد للانتماء لتلك الحضارة الملهمة والاحساس المرير بالحصرة الأشد والغصة لما تعانيه الحضارة الأم في مهدها ومواقعها وبيئتها الاصلية، وهو ما يحدث من احساس في كافة المتاحف العالمية التي بها اقسام للحضارة المصرية، كما للحضارة العراقية واليمنية وغيرها من حضارات المنطقة.

فكان السؤال: هل هناك عائد لمصر وحضارتها ممن يتربحون من ذلك المشروع والفندق في زمن قوانين الملكية الفكرية في كافة جوانب الحياة؟

من قبل 1999، وامتدادا لبحث علمي ناقش حقوق الملكية الفكرية بين التراث الاصل والمستنسخ في الارجنتين 2004، ثم محاولات ان يصبح للتراث الانساني وحقوقه مساحات في قوانين الملكية الفكرية وقوانين اليونسكو، وغيرها من مراكز التراث والحضارات، وبالتوازي القوانين الوضعية لكل تراث بحضارات المنطقة العربية والتي تتعرض في كل لحظة الى تحريف ممنهج لتغيير الهوية، ويتم ايضا للعديد من الحضارات الانسانية في العالم، وبين نموذج تطبيقي مرتبط بالحضارة المصرية، كان للدراسات والبحث العلمي طرح وشرح.

وتمثل ذلك في مبادرة قومية بعنوان “حقوق حضارة لبناء حضارة” برعاية اكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، والجامعة البريطانية في مصر، كان من نتاجها وثيقة او كتاب علمي بنشر دولي بدراسات ومرجعيات لأجيال قادمة فيما تعنيه “حقوق حضارة لبناء حضارة”، وانه ليس شعارا بل منهج علمي سيستند الي في صراعات الوجود القادمة، وحقوق حضارة لبناء حضارة كل يوم تقدم ما هو مجدد ومتجدد وممتد من الافكار والدراسات والبحوث والتي اصبح لها ملكية فكرية في ذاتها، ومعهد علمي (معهد حقوق حضارة) اسس في الولايات المتحدة، شركة ناشئة لتطبيق علم سيفليزولوجي (علم تأصيل الحضارات) في كافة مجالات الحياة وجوديا وعلميا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا واثريا وتاريخيا وسياحيا وإعلاميا واعلانيا ومعها احياء لعلوم الحضارات بمدخل مجدد في الطب والهندسة والعلوم والفلك والزراعة وغيرها.

كل مرحلة على مدار الماضي ستحتاج منا لمقالات ولقاءات وحوارات ونقاشات مفتوحة وشاملة تنقد بشكل موضوعي وعلمي موثق الوضع الحالي وتقدم رؤية موضوعية وخارطة طريق واضحة للمستقبل، هذا الحلم الطموح سيتطلب منا الاستعداد اللائق بمكانة الموضوع لكن في نفس الوقت سيتوجب علينا الاستعداد لتقبل وجهات النظر المخالفة وتوظيفها لما يخدم الرقي بالموضوع والقضية المصيرية المهمة التي ندافع عنها اليوم.

ثم من خلال العديد من الدراسات والبحوث المقدمة في المؤتمرات بالتعاون مع اتحاد الآثاريين العرب والجامعات العربية المهتمة بالموضوع لتناقش موضوع التراث المسروق والمنسوخ او حتى المفقود من تراث العراق وفلسطين وسوريا واليمن ومصر وغيرها من البلدان في المنطقة العربية والتي تتعرض أثارها وهوياتها للتجريف والنهب والضياع من البيئات الاصلية.

إضافة إلى نهبها وسرقتها على امتداد القرون الماضية وحتى يومنا الحاضر وتواجدها غير المبرر في المتاحف العالمية ومواقع وبيئيات لا تنتمي إليها بحماية قوانين مجحفة من نتاج مراحل الاستعمار وبغفلة او تغافل مسئولي تلك الاثار في بلدانها الاصلية.

في كافة المؤتمرات والحوارات المرتبطة بحقوق حضارة أذكر وأذكّر الجميع: ان كل تهاون في تناول وتداول التاريخ اليوم سيتبعه حتما تنازل في الجفرافيا غدا، وذلك مرتبط بالهوية بدرجة كبيرة بين دول العالم أجمع وبالطبع في منطقتنا كعالم عربي بصورة خاصة.

وعلى الرغم من أن هذا التنوع معترف به على نطاق واسع، فإن الكثير من النقاش يدور حول الهوية المعاصرة والمستهدفة مستقبلا وهل ما نمر به نهاية للجغرافيا وعودة للتاريخ.

فنهاية الجغرافيا تعني إزالة الحدود، والتأسيس لعالم مفتوح، تتوارى فيه سلطات الدول، إما عودة التاريخ، فتشير آلي يقظة ورغبة متزايدة في البحث عن الجذور وحماية الخصوصية والهوية.

وقد قام ابن خلدون منذ ستة قرون كاملة بعمل مقارنة نظرية، لمجابهة الحضارات للعولمة، وقد استخلصها من تحاليل قديمة ملخصها انه كلما انفتحت الحدود واتسعت الفضاءات تصبح الحاجة إلى الهوية قوية.

وبقدر ما يزداد الانفتاح علي الآخر، تزداد النزعة إلى الاحتماء بالهوية، وكأن هناك جدلية طبيعية تفرض قانونها علي حياة الأوطان.

مضيفا أن العولمة لن تصمد ما لم تقم على التنوع، وإنها لا تعني الذوبان، بل التبادل والإثراء والادماج والاحترام للأخر.

وإذا ازدادت الهيمنة، تصدع العالم (وأنغلق)، والبحث عن التلاقي يصبح فرصا أكبر للتصادم.

وهذه إحدى الملفات التي اوجدت حقوق حضارة لضمانة استدامة الحضارات في بيئتها الاصلية ومعها الهوية والمصداقية.

ومع ذلك ومع خصوصية واستهداف حضاراتنا بالمنطقة، الا ان “حقوق حضارة” تتبنى مفهوم الشمولية والتنوع لذلك لم يحصر تواجدها في المنطقة العربية بل تعدت الحدود لتشمل كافة الحضارات الانسانية في انحاء المعمورة، وبالذات ما يكون منصفا منها، فكان ل”حقوق حضارة” تواجد في الصين والهند وايطاليا واليونان وانجلترا وماليزيا وإندونيسيا والولايات المتحدة الأمريكية والارجنتين وبيرو، كما أن صوتها أثبت تواجده في المحافل الدولية والتي قد يكون اقربها يوم 17 ابريل 2023، والذي تم اعداده من خلال “معهد حقوق حضارة بأمريكا” CRI، و”منظمة نحو حماية كوكبنا” POP في إطار منتدى منظمات المجتمع المدني C20 لمجموعة العشرين G20 بعنوان “التعافِي الحضاري: الحلقة المفقودة في العمل المناخي والعدالة الاجتماعية لمواقع التراث والمجتمعات”، وكان المرجعية الاساسية للمنتدى لوضع توصيات وسياسات دولية يتم نقاشها في المحافل الدولية كالميثاق العالمي لحقوق حضارة، وهو نتاج ومرجعية معهد حقوق حضارة.

والموضوع مع عمقه الا انه في بدايته ويحتاج من الجميع مشاركة المسئولية، في دعم علمي وعملي ومهني ومعنوي ومادي، وسيكون ذلك في المستقبل من خلال ملفات ومشروعات سواء في مقالات او ندوات أو نقاشات، والدعوة هي لشراكة بالمسئولية والتي ستخدم ملفات فعلية جادة ممتدة من الاجداد صانعي الحضارة الي الاحفاد اصحاب الحقوق ومع التأكيد اننا نحتاج الى وعي مع السعي الذي توفره مبادئ ميثاق حقوق حضارة ولذلك اطلقنا مفهوم “حقوق حضارة لبناء حضارة، ما دون ذلك سيكون “عقوق حضارة لفناء حضارة” وبين الحقوق والعقوق والبناء والفناء احرف ومعاني ادركناها وعملنا عليها ولم ننتظر حتى يوفرها لنا الاخر او العالم، فكانت المبادرة والريادة والمرجعية الطرح للعالم وللحضارات في معركة تحقيق للذات والهوية والمصداقية، فالحق يؤخذ ولا يعطى، فإذا كان لنا حق فقد ترعرعنا على مبدأ يؤكد ان لا حق يضيع طالما وراءه مطالب، وأن لم تكن النتيجة فورية فيكفي أن نجعل من الدفاع عن ميراثنا وحضارتنا قضية مفتوحة للأجيال القادمة لتعرف ولتتأكد من اننا حاولنا وسعينا ولم نتساهل وأننا قد تركنا الجذوة مشتعلة لما تبقي من نخوة، وحافظنا علي الحق.

وأنه كان لنا “نظرة وتطلع الي المستقبل نصنعه ولا ننتظره.

في النهاية لكل من يجد في “حقوق حضارة” مرجعية في مرحلة هي غاية في الدقة للعالم ولحضارتنا، اختتم المقالة ببنود “الميثاق العالمي لحقوق حضارة”، وموقع للمشاركة في توقيعها وكذلك الموقع الالكتروني لمعهد حقوق حضارة:

مقترح ميثاق مقدم من ا.د احمد راشد صاحب مبادرة حقوق حضارة

إذ نؤكد على حق كل البشر في احترام تراثهم الثقافي والحضاري الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من هويتهم وتاريخهم وحضارتهم باعتباره حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان المعترف به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي والذي يكفله القانون الدولي والصكوك العالمية والإقليمية الأخرى ذات الصلة، وإذ نؤكد كذلك على ان تجاهل الحقوق الثقافية والحضارية وازدراءها بأي شكل من الأشكال هو انتهاك للكرامة الثقافية الجماعية للشعوب، ويصل في ضرره وتجريمه نفس قدر انتهاك الكرامة الشخصية للإنسان، واقتناعا بأن الحيازة غير المشروعة وعرض وإنشاء نسخ مقلدة واستغلال الهياكل التراثية والآثار والتماثيل والتحف بجميع أنواعها وأحجامها هي شكل من أشكال الانتهاك ضارة مثل تدميرها وتشويهها وسرقتها وتهريبها والمتاجرة بها…

وإذ نعيد التأكيد على أن الدول والأمم تمتلك حقوقًا جماعية لحماية الهياكل التراثية والآثار والتماثيل والمصنوعات اليدوية بجميع أنواعها وأحجامها تستمد أهميتها وطابعها المميز من قيمها التاريخية والثقافية المتصورة وعلاقاتها الهادفة مع المواقع والبيئات والأمم والحضارات التي نشأت فيها، وإذ نضع في الاعتبار أن اللوائح والملكية الفكرية القائمة حالية مقصرة وغير كافية لحماية هذه الحقوق، وأن الفهم المشترك لهذه الحقوق له أهمية قصوى في التفعيل الكامل لحقوق الحضارة.

فبناء على ما سبق:

نحن الموقعون أدناه، نعلن هذا “الإعلان العالمي لحقوق الحضارة” لوضع أساس مشترك لحماية وتعزيز التراث والحقوق الثقافية وحقوق حضارة لكل فرد وأمة من خلال المبادئ التالية:

البند 1:يحق لكل دولة المطالبة بالحقوق المادية والمعنوية لتراثها الثقافي والحضاري من أي كيان يستغل هذا التراث أو يستخدمه بشكل مباشر وغير مباشر، سواء من خلال الصور أو النماذج أو النسخ المقلدة أو الأسماء أو الشعارات أو غير ذلك من أشكال استغلال التراث الثقافي او الحضاري، كما يجب أن تهدف هذه المطالبات إلى حماية التراث الحضاري واستدامته في وطنهم الأصلي من الانقراض.

البند 2:يجب أن يكون المطالبون بحقوق الحضارة على مستوى مسؤولية الوصاية وقادرون على الارتقاء في تعاملهم مع تراثهم الحضاري في بيئته الأصلية

البند 3:تخصيص يوم 10 يونيو من كل عام للاحتفال بيوم حقوق الحضارة وصدور هذا الإعلان كوثيقة بارزة في دعم حقوق الحضارة في جميع أنحاء العالم

البند 4:توحيد الجهود الوطنية والدولية لنشر الوعي وتأكيد حقوق الحضارات.

البند 5:تشكيل آليات لتأمين الحقوق المعنوية والمادية من أي كيان ينتهك بيوم حقوق الحضارة في أنشطة مربحة ليس لها مردود على الإرث الحضاري.

البند 6:التأكيد على استمرارية الحقوق الحضارية، من الأجداد الذين صنعوا الحضارة إلى الأحفاد في جيل اليوم، أوصياء هذه الحقوق

البند 7:تعزيز المبادرات والمشاريع التنموية والتعاون التي تهدف إلى تقييم احتياجات مواقع التراث الحضاري، وتنفيذ مشاريع الحفاظ، وتسريع التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة في هذه المواقع.

البند 8:دعم تشكيل تحالف حقوق الحضارة لتعزيز وزيادة الوعي بهذه الحقوق وتشجيع تبنيها والعمل بها

هذا موقع الميثاق https://bit.ly/3U8BP2m برجاء توقيعه ونشره في دوائركم الكريمة

وهذا موقع معهد حقوق حضارة https://civilizationrightsinstitute.org/

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading