وجهات نظر

د.منال خيري: خفض الفائدة الأمريكية وأثاره على مصر والاقتصاد العالمي

أستاذ مناهج الاقتصاد- جامعة حلوان

قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بعد عام كامل من التثبيت، في خطوة أعادت ترتيب المشهد الاقتصادي الدولي.

وتباينت آراء الخبراء حول القرار؛ فبينما رأى بعضهم أنه ضروري لمواجهة تباطؤ سوق العمل وتفادي ركود محتمل، اعتبره آخرون تعبيرًا عن حذر الفيدرالي ورغبته في تحقيق توازن بين السيطرة على التضخم ودعم النمو.

عند ضعف سوق العمل، يقلّ خفض الفائدة من تكاليف الاقتراض على الشركات والمستهلكين، مما ينعش الاقتصاد ويعزز التوظيف. وفي المقابل، يُرفع سعر الفائدة عند ارتفاع أسعار المستهلكين لتهدئة النشاط الاقتصادي وتخفيف التضخم.

ويواجه البنك هذا العام تحديات إضافية، مثل تأثير الرسوم الجمركية على النمو والتضخم.

في أغسطس الماضي، أضاف الاقتصاد الأمريكي 22 ألف وظيفة فقط، وارتفع معدل البطالة إلى أعلى مستوياته في أربع سنوات تقريبًا،

كما زادت طلبات إعانة البطالة أكثر من المتوقع. أما بيانات التضخم فلم تكن مرتفعة بما يكفي لمنع الفيدرالي من خفض الفائدة.

يتوقع بعض الخبراء أن يكون خفض الفائدة في سبتمبر 2025 بداية لسلسلة تخفيضات محتملة، مع توقع “مورجان ستانلي” و”دويتشه بنك” خفض الفيدرالي للفائدة في الاجتماعات الثلاثة المتبقية هذا العام بمقدار 25 نقطة أساس لكل اجتماع.

الفيدرالي تبنّى نهج الانتظار والترقب منذ بداية العام، نظرًا لصعوبة اختيار التوقيت المناسب في ظل تأثير الرسوم الجمركية المرتفعة.

وأشار هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني بالبيت الأبيض، إلى أن النمو الاقتصادي في الربع الثالث كان قويًا، متجاوزًا 3٪، وهو ما لا يدعم عادة خفض أسعار الفائدة، رغم استمرار التضخم فوق هدف الفيدرالي البالغ 2٪.

خفض الفائدة وقوة الدولار


أكد رئيس الفيدرالي جيروم باول أن خفض الفائدة الحالي لا يمثل بداية دورة مستمرة من التخفيضات، وأن كل اجتماع سيُبنى على البيانات الاقتصادية المتاحة وقتها.

ويهدف الفيدرالي إلى تجنب سيناريو “الركود التضخمي” في ظل ضعف الاستهلاك المحلي وتراجع الاستثمار العقاري.

عادةً ما يؤدي خفض الفائدة إلى انخفاض قيمة العملة المحلية، ما يجعل الصادرات أرخص ويزيد الطلب عليها، لكنه قد يرفع تكلفة الواردات ويزيد التضخم.

ويظل الدولار مهيمنًا على النظام المالي العالمي، وتُثير التدخلات السياسية في عمل الفيدرالي، خاصة السياسات الحمائية السابقة، تساؤلات حول قوته المستقبلية.

تأثير خفض الفائدة الأمريكية على الأسواق العالمية


يواجه الفيدرالي معضلة مزدوجة: التضخم ما زال عند حدود 3٪، ما يستدعي الحذر، بينما يضغط ارتفاع البطالة على صناع السياسة النقدية لتخفيض الفائدة.
شهد الذهب موجة مضاربات قوية تجاوز خلالها 3700 دولار للأونصة قبل أن يدخل مرحلة تصحيح قصيرة، ويظل الملاذ الآمن الأول عالميًا، مع توقعات بتجاوزه 5000 دولار للأونصة على المدى الطويل.

أما أسواق المال، فمن المرجح أن تشهد انتعاشًا مؤقتًا مع انخفاض تكلفة التمويل، إلا أن هذا التأثير سيكون محدودًا ويعتمد على التطورات الجيوسياسية والتجارية العالمية.

الاقتصاد المصري وخفض الفائدة الأمريكية


يفتح خفض الفائدة الأمريكية المجال أمام البنك المركزي المصري لخفض الفائدة محليًا دون مخاوف من هروب الاستثمارات، مما يدعم الموازنة العامة. فكل خفض بمقدار 1٪ في أسعار الفائدة يوفر على الدولة أكثر من 60 مليار جنيه من أعباء خدمة الدين، وقد يدعم الجنيه أمام الدولار إذا استمرت الأوضاع الإقليمية مستقرة.

كما أن انخفاض الفائدة الأمريكية يعزز جاذبية السندات المصرية في الأسواق الدولية، ويتيح للحكومة تمويل مشاريعها التنموية بتكلفة أقل.

وقد تؤدي تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة، ومنها مصر، إلى دعم الجنيه إذا كانت كافية، مع ضرورة استمرار سياسات التحكم في التضخم واستقرار سوق الصرف.

من بين القطاعات المستفيدة: البنية التحتية والمشروعات الكبرى، القطاع العقاري، قطاع الطاقة ومشروعات البترول والغاز، الصناعات التي تعتمد على استيراد مواد خام أو معدات، وكذلك قطاع السياحة والتصدير إذا انعكس الاستقرار في سعر الصرف بشكل إيجابي على التنافسية.

أما البورصة، فمن المرجح ألا يتأثر تأثيرًا جوهريًا، حيث أن قرارات المستثمرين تعتمد على عوامل متعددة، بينما يكون التأثير أوضح في أدوات الدين مثل أذون الخزانة والسندات الدولارية.

يبقى المستقبل مرتبطًا بمراقبة الفيدرالي للبيانات الاقتصادية واتخاذ قراراته وفق التطورات، وسط خلاف مستمر حول المسار الأمثل للسياسة النقدية.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading