خرائط جديدة ترصد “الكنوز البيولوجية” تحت الأرض وتُحذر من فقدانها.. تمتص ثلث انبعاثات الكربون.. لكن من يحميها؟
باحثون يطلقون أول خريطة عالمية لشبكات الفطريات الجذرية.. والنتائج صادمة
بفضل أكثر من 2.8 مليار تسلسل حمض نووي فطري جُمعت من 130 دولة، تمكن العلماء من إنتاج أول خرائط عالمية عالية الدقة للفطريات الجذرية الجوفية، والتي تُعد عنصرًا أساسيًا في دعم النظم البيئية من خلال نقل العناصر الغذائية، وامتصاص الكربون، وتعزيز صحة النباتات.
لكن المفارقة الصادمة أن أكثر من 90% من هذا التنوع البيولوجي الجوفي يقع خارج المناطق المحمية، مما يجعل هذه الشبكات الحيوية عرضة للضغوط البيئية المتزايدة.
تُغذي هذه البيانات منصة تفاعلية جديدة تُسمى “الأطلس الجوفي“، تتيح للعلماء والجمهور على حد سواء استكشاف التنوع البيولوجي الفطري من إثيوبيا إلى البرازيل، ومن تسمانيا إلى غرب أفريقيا.

لماذا الفطريات تحت الأرض مهمة؟
تشكل الفطريات الجذرية شبكات ضخمة تحت سطح الأرض تتفاعل مع أغلب أنواع النباتات. ووفقًا للدراسة المنشورة في دورية Nature، فإن هذه الفطريات تلتقط أكثر من 13 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أي ما يعادل ثلث الانبعاثات العالمية الناتجة عن الوقود الأحفوري.
تلعب هذه الشبكات أدوارًا محورية في نمو المحاصيل، وإعادة بناء الغابات،

وتنظيم دورات المياه. ومع ذلك، لا تزال الفطريات غائبة عن أغلب خطط الحماية البيئية. ويؤدي اضطراب هذه الشبكات إلى تباطؤ تجدد الغابات، وتراجع الإنتاج الزراعي، وانهيار النظم البيئية.
يقول الدكتور توبي كيرز من جمعية SPUN لحماية شبكات الفطريات الجوفية:
“رسمنا خرائط للجبال والمحيطات والغابات على مدى قرون، لكن هذا العالم الحيوي تحت أقدامنا ظل مجهولًا”.
الخرائط تكشف ما خفي
من خلال تقنيات التعلم الآلي، أنشأ الباحثون خرائط تنبؤية دقيقة تصل دقتها إلى كيلومتر مربع واحد، تكشف عن مناطق الثراء والندرة الفطرية على نطاق عالمي.
لكن الصادم أن أقل من 10% من النقاط الساخنة للتنوع الفطري تقع ضمن مناطق محمية، ما يدل على فجوة كبيرة في جهود الحفاظ العالمية.
وهذه الخرائط هي أول مشروع رئيسي تطلقه SPUN منذ تأسيسها عام 2021، بهدف رسم خرائط شبكات الفطريات الجوفية على الأرض وحمايتها.

الأطلس الجوفي: أداة لحماية الحياة المخفية
تُقدّم SPUN الآن أداة تفاعلية جديدة تُعرف بـ “الأطلس الجوفي“، تتيح للباحثين وصناع القرار استكشاف تنوع الفطريات الجذرية في أي مكان على سطح الأرض، بما يسهم في تحديد أولويات الحماية والتدخلات البيئية.
يقول جيسون كريميريوس من SPUN:
“نهدف إلى جعل التنوع البيولوجي تحت الأرض جزءًا أساسيًا من قرارات الحفظ، تمامًا كما تفعل صور الأقمار الصناعية اليوم”.
وتُساعد الأداة أيضًا في تحديد مواقع الفطريات النادرة، والمناطق البيئية ذات القيمة العالية، ودمجها ضمن استراتيجيات الترميم البيئي.
ويوضح الدكتور أليكس ويجمان من منظمة The Nature Conservancy:
“هذه الخرائط تزوّد مديري مشاريع الترميم بأهداف كمية واضحة، وتُعالج القصور التاريخي في التركيز على ما تحت الأرض”.
لا حماية قانونية للفطريات حتى الآن
وفقًا للباحثين، يمكن استخدام هذه البيانات لوضع سياسات بيئية وتشريعات مناخية أكثر شمولًا. على سبيل المثال، يُظهر ساحل غانا كثافة تنوع فطري عالي، لكنه يتآكل بمعدل مترين سنويًا، مما يهدد بفقدانه بالكامل إذا لم تُتخذ تدابير عاجلة.

يقول سيزار رودريغيز-غارافيتو من جامعة نيويورك:
“طالما ظلت الفطريات الجوفية غائبة عن أعين القانون والسياسات، فإنها ستبقى دون حماية فعلية”.
وقد أسست SPUN قاعدة بيانات عالمية تضم 40,000 عينة تغطي 95,000 نوع فطري، وتعمل بالتعاون مع أكثر من 400 عالم و96 “مستكشفًا تحت الأرض” من 79 دولة، يجمعون العينات من مناطق نائية مثل بوتان ومنغوليا وأوكرانيا.
مستقبل الأرض يرتبط بهذه الشبكات
رغم حجم البيانات الهائل، فإن ما جُمع حتى الآن يُغطي فقط 0.001% من سطح الأرض. لذا فإن مشروع SPUN بحاجة إلى المزيد من البيانات لتحسين الخرائط، وتحديد المناطق المهددة، ووضع أهداف استعادة دقيقة.
ويختم الدكتور كيرز قائلًا:
“تكشف هذه الخرائط عما يمكن أن نخسره إذا فشلنا في حماية الفطريات الجوفية”.
ويؤكد الخبراء أن حماية التنوع البيولوجي تحت الأرض يتطلب تعاونًا عالميًا بين الباحثين وصناع السياسات والممولين والجمهور. إذ يمكن للجميع المساهمة عبر دعم الأبحاث، واستكشاف الأطلس الجوفي، والضغط من أجل سياسات تُدرج الفطريات ضمن أولويات الحماية البيئية.

لرؤية هذا العالم الخفي، زر “الأطلس الجوفي“، وساهم في حماية الحياة التي تدعم حياتنا.






