حليب الأطفال والدهانات وزراعة الثدي.. مصادر غير متوقعة لتلوث البلاستيك الدقيق
تحذيرات علمية من مخاطر متزايدة للجسيمات البلاستيكية الدقيقة على الصحة
كشف تقرير علمي حديث عن اتساع نطاق تعرض الإنسان اليومي للجسيمات البلاستيكية الدقيقة، واصفًا الوضع بأنه أشبه بـ”عاصفة بلاستيكية” لا يمكن تفاديها، نتيجة مصادر متعددة بعضها غير مرئي أو لم يحظَ بالاهتمام الكافي سابقًا.
ويستند التقرير، الصادر بتكليف من Plastic Soup Foundation، إلى تحليل أكثر من 350 دراسة علمية محكمة، لرصد مصادر هذه الجسيمات التي يقل حجمها عن 5 مليمترات، وتنشأ عن تحلل المواد البلاستيكية الأكبر.
وقد تم العثور على هذه الجسيمات في كل مكان تقريبًا، بدءًا من مياه الشرب المعبأة، وصولًا إلى الهواء الذي نتنفسه، ودم الإنسان وأعضائه، بل وحتى في مناطق نائية مثل Mount Everest، ما يعكس مدى انتشارها الواسع في البيئة.
مصادر خفية للتلوث البلاستيكي
صنّف الباحثون مصادر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة ضمن خمس فئات رئيسية تشمل: البيئة الخارجية، والأماكن المغلقة، ومنتجات الأطفال، والرعاية الصحية، والأغذية والمشروبات.
ورغم أن بعض المصادر معروفة، مثل الأغذية المعبأة بالبلاستيك، فإن التقرير يسلط الضوء على مصادر أخرى أقل وضوحًا، خاصة في البيئات الطبية، حيث تسهم أدوات العلاج نفسها في نقل الجسيمات البلاستيكية إلى جسم الإنسان.
وتُعد غرف العمليات من أبرز بؤر التعرض، إذ يمكن أن تصل كثافة الجسيمات إلى آلاف الجزيئات في المتر المربع خلال يوم عمل واحد، نتيجة استخدام معدات طبية أساسية مثل القساطر القلبية، والغرسات الطبية، وأكياس السوائل الوريدية.

الأطفال الأكثر عرضة للخطر
تشير البيانات إلى أن وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة تمثل بيئة عالية الخطورة، حيث يتعرض الأطفال الخدج لكميات ملحوظة من الجسيمات البلاستيكية عبر التغذية الوريدية، خاصة خلال الأيام الأولى من حياتهم.
كما يستمر التعرض خلال مرحلة الرضاعة، إذ قد يحتوي حليب الأطفال الصناعي على مستويات متفاوتة من هذه الجسيمات، تبعًا لنوع العبوات وطرق التحضير.
وفي المنازل، تُسهم منتجات الأطفال مثل ألعاب البناء وحصائر اللعب في إطلاق جزيئات بلاستيكية دقيقة في الهواء والغبار، ما يزيد من تعرض الأطفال مقارنة بالبالغين، نظرًا لطبيعة سلوكهم وكثافة تنفسهم بالنسبة لوزن أجسامهم.
المنازل مصدر غير متوقع
لا تقتصر المشكلة على المنتجات، بل تمتد إلى عناصر يومية مثل دهانات الجدران، التي تحتوي في تركيبها على مواد بلاستيكية. ومع تآكل الطلاء أو تجديده، تنبعث كميات هائلة من الجسيمات الدقيقة، ما يجعل الجدران مصدرًا خفيًا للتلوث داخل المنازل.

وأكدت Maria Westerbos، مؤسسة المنظمة التي أعدت التقرير، أن الكثيرين لا يزالون يربطون التلوث البلاستيكي بالمحيطات فقط، بينما الواقع يشير إلى أن بيئاتنا المعيشية نفسها تُنتج هذه الجسيمات باستمرار.
مصادر ناشئة قد تفاقم الأزمة
يحذر التقرير أيضًا من مصادر جديدة قد تزيد من حجم المشكلة مستقبلًا، من بينها تقنيات مقترحة للتدخل في المناخ، تعتمد على حقن جسيمات عاكسة في طبقات الجو العليا لتقليل درجات الحرارة.
وبينما تركز الأبحاث الحالية على مواد معينة، يجري النظر أيضًا في استخدام مواد بلاستيكية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مصدر ضخم جديد للتلوث بالجسيمات الدقيقة في الغلاف الجوي.
كما أشار التقرير إلى أن مياه الأمطار تحتوي بالفعل على هذه الجسيمات، الناتجة عن إطارات السيارات والمنسوجات الصناعية.

أبعاد بيئية وصحية مقلقة
يمثل البلاستيك نحو 3.4% من إجمالي الانبعاثات العالمية للغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهي نسبة تقارب انبعاثات قطاع الطيران بالكامل.
وينتج العالم سنويًا نحو 400 مليون طن من النفايات البلاستيكية، ينتهي نحو 60% منها في البيئة الطبيعية، حيث تتحلل إلى جسيمات دقيقة دون أن تختفي تمامًا.
ورغم أن التأثيرات الصحية طويلة المدى لهذه الجسيمات لا تزال قيد الدراسة، فإن التقرير يؤكد أن المخاطر المحتملة “واقعية علميًا، وقد تكون خطيرة، وتمثل تهديدًا غير عادل للأجيال الحالية والمستقبلية”.

الخلاصة
يكشف التقرير عن واقع مقلق يتمثل في انتشار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في كل تفاصيل الحياة اليومية، من المستشفيات إلى المنازل، ومن الغذاء إلى الهواء.
ومع استمرار ظهور مصادر جديدة للتعرض، تزداد الحاجة إلى سياسات أكثر صرامة للحد من استخدام البلاستيك، وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطره، خاصة في ظل عدم وضوح التأثيرات الصحية الكاملة حتى الآن.





