العلماء يطورون شعاب مرجانية خارقة لمواجهة ارتفاع حرارة المحيطات
تقنيات لزراعة شعاب مرجانية مقاومة للحرارة وإنقاذ النظم البيئية البحرية المهددة بالانهيار
تشهد الجهود العلمية الرامية إلى حماية الشعاب المرجانية تطورًا متسارعًا مع تصاعد آثار تغير المناخ وارتفاع درجات حرارة المحيطات، حيث يتجه العلماء إلى تطوير أنواع من المرجان قادرة على تحمل الحرارة العالية لإنقاذ النظم البيئية البحرية المهددة بالانهيار.
في هذا السياق، يعمل الباحث في مجال الحفاظ على الشعاب المرجانية أوستن بويدن-كيربي على زراعة المرجان في “مشاتل بحرية” داخل مياه المحيط قرب جزر فيجي ومنطقة المحيط الهادئ، قبل نقله إلى بيئته الطبيعية بهدف تعزيز فرص بقائه وتكاثره.
ويقول بويدن-كيربي إن الهدف هو محاكاة ما يمكن أن تفعله الطبيعة عبر مئات أو آلاف السنين من التطور، لكن ضمن إطار زمني أسرع عبر تدخل بشري مدروس، في محاولة لإنقاذ الشعاب قبل اختفائها.
وتشير بيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة إلى أن العالم يمر حاليًا بحدث ابيضاض مرجاني عالمي رابع، حيث تأثرت نحو 85% من الشعاب المرجانية عالميًا بين عامي 2023 و2025 بسبب الإجهاد الحراري.
ويحدث ابيضاض المرجان عندما ترتفع حرارة المياه بشكل كبير، ما يؤدي إلى طرد الطحالب الدقيقة التي تمنح المرجان لونه وتوفر له الغذاء، وهو ما يهدد بقاءه. وتعيش معظم أنواع المرجان في درجات حرارة تتراوح بين 20 و29 درجة مئوية، لكن بعض الأنواع المقاومة للحرارة يمكنها البقاء في مياه تصل إلى 36 درجة مئوية أو أكثر.
وتوجد هذه الأنواع في بيئات أكثر حرارة مثل أجزاء من المحيط الهادئ والخليج العربي، ما يجعلها محور اهتمام متزايد في الأبحاث العلمية الحالية.

الشعاب المرجانية.. نظام بيئي حيوي مهدد
تعد الشعاب المرجانية من أكثر النظم البيئية تنوعًا على كوكب الأرض، إذ تضم نحو 6 آلاف نوع من المرجان، وتوفر موائل لأكثر من 4 آلاف نوع من الكائنات البحرية، أي ما يعادل 25% من الحياة البحرية عالميًا.
كما تلعب دورًا مهمًا في دعم سلاسل الغذاء، وحماية السواحل من الفيضانات والعواصف، إضافة إلى مساهمتها في الاقتصاد عبر السياحة وصيد الأسماك.
لكن هذا النظام الحيوي يواجه تهديدات متزايدة نتيجة موجات الحر البحرية، والتلوث، وتحُمّض المحيطات، والتوسع الساحلي، والصيد الجائر.

“التطور المساعد”.. تدخل علمي لتسريع البقاء
يرى خبراء أن أحد الحلول الواعدة هو ما يعرف بـ”التطور المساعد”، وهو تدخل بشري يهدف إلى تسريع عمليات التكيف الطبيعية للمرجان مع الظروف البيئية القاسية.
ويؤكد الباحثون أن اختيار وتربية أنواع أكثر قدرة على تحمل الحرارة يمكن أن يعزز فرص بقاء الشعاب، لكن ذلك يتطلب انتقاءً دقيقًا للغاية لضمان الفعالية.
ويشير العلماء إلى أن التحدي يكمن في التنوع الكبير داخل الشعاب نفسها، إذ تختلف مستويات التحمل حتى داخل النوع الواحد وفي نفس البيئة.

البكتيريا والطحالب.. شراكات طبيعية لإنقاذ المرجان
تتجه الأبحاث أيضًا إلى استغلال العلاقة التكافلية بين المرجان والطحالب الدقيقة، حيث يمكن لبعض أنواع الطحالب أن تعزز قدرة المرجان على تحمل الحرارة.
كما يدرس العلماء إمكانية إدخال بكتيريا نافعة إلى أنسجة المرجان لتعزيز مقاومته، إلى جانب تجارب على التهجين بين المستعمرات الطبيعية.
لكن الباحثين يؤكدون أن نجاح هذه الحلول لا يمكن تقييمه إلا عبر اختبارات ميدانية طويلة المدى في البيئات الطبيعية، وليس فقط داخل المختبرات.

مستقبل الشعاب.. بين العلم والمناخ
تشير التقديرات العلمية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية بأكثر من 1.5 درجة مئوية قد يؤدي إلى فقدان ما بين 70 و90% من الشعاب المرجانية المدارية.
ورغم أن الحلول العلمية تقدم أملًا في إبطاء هذا التدهور، فإن الخبراء يؤكدون أن الحل الجذري يبقى في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة والحد من الاحترار العالمي.
ويختتم الباحثون بالتأكيد على أن مستقبل الشعاب المرجانية لن يتحدد في المختبرات فقط، بل في قدرة العالم على مواجهة أزمة المناخ قبل فوات الأوان.





