52 وسيلة لحماية الطيور والخفافيش.. مزارع الرياح تواجه تحديًا بيئيًا متصاعدًا
دراسة تحدد طريقًا جديدًا لحماية الطيور والخفافيش من توربينات الرياح
تتوسع مشروعات طاقة الرياح حول العالم باعتبارها أحد الحلول الرئيسية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات، لكن هذا التوسع يواجه تحديًا بيئيًا مستمرًا يتمثل في اصطدام الطيور والخفافيش بشفرات توربينات الرياح.
وكشفت مراجعة علمية شاملة أن التعامل مع هذه المشكلة لا يمكن أن يعتمد على تقنية واحدة، إذ لا توجد حتى الآن وسيلة مثالية قادرة بمفردها على منع الاصطدامات بصورة فعالة في جميع المواقع والظروف.
وخلصت الدراسة، التي قادها باحثون من معهد هاري بتلر بجامعة مردوخ الأسترالية، إلى أن حماية الحياة البرية من توربينات الرياح تتطلب الجمع بين مجموعة من الأدوات والتقنيات، مع تصميم استراتيجيات خاصة بكل موقع وفقًا لأنواع الطيور والخفافيش الموجودة وطبيعة البيئة المحلية.

52 استراتيجية لحماية الطيور والخفافيش
راجع الباحثون 52 استراتيجية وتقنية مطبقة أو مقترحة للحد من اصطدام الطيور والخفافيش بتوربينات الرياح، وشملت هذه الوسائل أنظمة الرادار، والكاميرات، وأجهزة الاستشعار الصوتية، ووسائل الردع المختلفة، إلى جانب تعديل تشغيل التوربينات خلال الفترات التي يرتفع فيها خطر الاصطدام.
لكن المفاجأة كانت أن أقل من نصف هذه الأساليب خضع لاختبارات مستقلة، ما يعني أن قطاع طاقة الرياح لا يزال يتخذ بعض قرارات حماية الحياة البرية في ظل نقص واضح في الأدلة العلمية التي تثبت فعالية عدد كبير من التقنيات المتاحة.
وقال الباحثون إن المراجعة جمعت بين تخصصات الهندسة والتكنولوجيا والبيئة، بهدف تقديم تقييم شامل لمدى فعالية وسائل الحد من اصطدامات الطيور والخفافيش بتوربينات الرياح.
وقالت البروفيسورة تريش فليمينج، إحدى الباحثات المشاركات في الدراسة، إن التقنيات المصممة لمنع اصطدام الطيور والخفافيش بالتوربينات لا تزال تعاني من نقص الاختبارات، مؤكدة أنه لا توجد حاليًا «حلول سحرية» يمكن الاعتماد عليها بمفردها.
وأوضحت أن مشروعات مزارع الرياح المستقبلية ستحتاج إلى استراتيجيات تجمع بين عدة وسائل، على أن تكون مصممة خصيصًا لحماية الحياة البرية المحلية في كل موقع.

لكل تقنية نقاط ضعف
تشمل الأدوات المتاحة حاليًا مجموعة واسعة من التقنيات التي تهدف إلى اكتشاف الطيور والخفافيش أو إبعادها عن مسار شفرات التوربينات.
وتستخدم بعض المشروعات أنظمة الرادار لرصد حركة الطيور، بينما تعتمد تقنيات أخرى على الكاميرات أو أجهزة الاستشعار الصوتية للكشف عن وجود الحيوانات في المناطق القريبة من التوربينات.
كما توجد وسائل ردع تهدف إلى منع الطيور أو الخفافيش من الاقتراب من التوربينات، في حين يعتمد أحد أكثر الإجراءات مباشرة على تقليل سرعة التوربينات أو إيقافها مؤقتًا خلال الفترات التي ترتفع فيها احتمالات الاصطدام.
وتشير الدراسة إلى أن كل واحدة من هذه الوسائل تمتلك نقاط قوة، لكنها في الوقت نفسه تعاني من قيود تحد من قدرتها على العمل كحل مستقل.
فعلى سبيل المثال، يمكن لأنظمة الكشف أن تكون فعالة في رصد بعض الطيور الكبيرة، لكن قدرتها على اكتشاف الطيور الأصغر في الوقت المناسب قد تكون محدودة. كما تختلف كفاءة أجهزة الاستشعار باختلاف الأنواع والظروف البيئية والتضاريس.

إيقاف التوربينات.. أحد الحلول الأكثر إثباتًا
يبرز تقليص تشغيل التوربينات، أو ما يعرف بـ«Curtailment»، باعتباره من الوسائل التي تمتلك أدلة أكثر قوة فيما يتعلق بخفض نفوق الخفافيش.
ويعني هذا الإجراء إبطاء التوربينات أو إيقافها خلال فترات معينة ترتفع فيها حركة الخفافيش واحتمالات اصطدامها بالشفرات.
وتشير إرشادات متخصصة إلى أن إيقاف تشغيل التوربينات خلال أوقات أو مواسم محددة يمكن أن يقلل نفوق الخفافيش، مع إمكانية تحسين هذه الإجراءات من خلال المراقبة المستمرة للأنشطة الحيوانية في الموقع.
لكن حتى هذا الحل لا يمثل إجابة شاملة لجميع المشكلات، إذ إن فاعليته تعتمد على معرفة أوقات ارتفاع النشاط الحيواني والأنواع الموجودة في المنطقة.
ومن هنا، يرى الباحثون أن إيقاف التوربينات يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية أكبر بدلًا من اعتباره حلًا منفردًا.
الموقع يحدد التقنية المناسبة
تعد طبيعة الموقع من أهم العوامل التي تحدد مدى نجاح أي تقنية لحماية الحياة البرية.
فالنظام الذي يستطيع اكتشاف نوع معين من الطيور في منطقة مفتوحة قد لا يحقق النتيجة نفسها في منطقة ذات تضاريس مختلفة أو مع نوع آخر من الطيور.
كما أن اختلاف سلوك الطيور والخفافيش من منطقة إلى أخرى يجعل من الصعب تطوير حل موحد يمكن تطبيقه على جميع مزارع الرياح.
وقالت فليمينج إن أستراليا لا تزال بحاجة إلى مزيد من البيانات لفهم الاستراتيجيات الأكثر ملاءمة لكل نوع من أنواع الحياة البرية ولكل بيئة محلية.
وهذا يعني أن حماية التنوع البيولوجي تبدأ قبل تركيب التوربينات، من خلال دراسة الموقع واختيار المناطق الأقل حساسية بالنسبة للطيور والخفافيش.
وتوصي الممارسات البيئية بإجراء مسوحات مسبقة للنشاط الحيواني، وتحديد مناطق التغذية والتكاثر وممرات الهجرة وأماكن تجمع الخفافيش، قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن إنشاء مزارع الرياح.

الرادار والكاميرات وأجهزة الاستشعار
يمكن أن تلعب تقنيات المراقبة دورًا مهمًا في بناء أنظمة حماية أكثر دقة.
فالرادار يمكنه تتبع حركة الطيور، بينما تساعد الكاميرات الحرارية في مراقبة الحيوانات، خصوصًا خلال فترات الظلام التي يصعب فيها الاعتماد على الرؤية البشرية.
أما أجهزة الاستشعار الصوتية، فيمكنها توفير معلومات مهمة حول وجود الخفافيش وأنماط نشاطها.
لكن هذه التقنيات لا تقدم جميعها النوع نفسه من المعلومات؛ فأجهزة الاستشعار الصوتية، على سبيل المثال، يمكن أن تساعد في تحديد أنواع الخفافيش ومستويات نشاطها، لكنها لا تظهر بالضرورة سلوك الحيوان أو مساره في المنطقة.
وفي المقابل، تستطيع الكاميرات الحرارية إظهار حركة الطيور والخفافيش في نطاق أوسع، لكنها لا تستطيع دائمًا تحديد النوع بدقة.
ولهذا فإن الجمع بين المراقبة الصوتية والتصوير الحراري وغيرها من تقنيات الكشف قد يوفر صورة أكثر اكتمالًا عن المخاطر المحيطة بالتوربينات.

هل يمكن إبعاد الحيوانات عن التوربينات؟
تتضمن مجموعة الحلول المطروحة أيضًا تقنيات ردع تهدف إلى جعل المنطقة المحيطة بالتوربينات أقل جذبًا للطيور والخفافيش.
وبالنسبة إلى الخفافيش، يجري بحث استخدام أجهزة تصدر موجات فوق صوتية بهدف إزعاجها أو إبعادها عن مناطق الخطر، نظرًا لاعتماد هذه الحيوانات على تحديد الموقع بالصدى.
لكن الأدلة المتعلقة ببعض وسائل الردع الصوتي لا تزال غير حاسمة، وهو ما يعيد التأكيد على المشكلة الرئيسية التي خلصت إليها المراجعة: العديد من التقنيات تبدو واعدة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الاختبارات المستقلة قبل إمكانية اعتبارها حلولًا موثوقة على نطاق واسع.
حماية الحياة البرية تبدأ من التخطيط
لا تقتصر القضية على التكنولوجيا المستخدمة بعد تشغيل مزرعة الرياح، بل تبدأ من مرحلة اختيار الموقع.
فأفضل طريقة لتجنب الاصطدامات في كثير من الحالات هي عدم إنشاء التوربينات في المناطق التي تشهد مستويات مرتفعة من نشاط الطيور والخفافيش.
ولهذا يمكن أن تتضمن مرحلة التخطيط دراسات ميدانية لرصد حركة الطيور والخفافيش، وتحديد مناطق التعشيش والتغذية وممرات الهجرة ومواقع تجمع الحيوانات.
كما يمكن استخدام بيانات المراقبة لتحديد الفترات الموسمية أو اليومية التي يرتفع فيها خطر الاصطدام، ثم تعديل تشغيل التوربينات وفقًا لهذه البيانات.
وتوضح وزارة الطاقة الأمريكية أن مطوري مشروعات طاقة الرياح يستخدمون بالفعل مجموعة من الأدوات، بينها الرادار والكاميرات الحرارية والمراقبة الصوتية، إلى جانب إيقاف التوربينات مؤقتًا أو استخدام وسائل ردع لتقليل التأثير على الطيور والخفافيش.

فجوة كبيرة في الأدلة العلمية
أحد أبرز ما كشفته الدراسة هو عدم التوازن في قاعدة الأدلة العلمية الخاصة بتقنيات حماية الحياة البرية.
فبينما خضعت بعض الوسائل لاختبارات مستقلة، لا تزال تقنيات أخرى تفتقر إلى بيانات كافية تسمح بتقييم فعاليتها بدقة.
ويرى الباحثون أن هذه الفجوة تجعل من الضروري إجراء مزيد من الدراسات التي تقارن بين التقنيات المختلفة في ظروف واقعية، مع وضع معايير واضحة لقياس النتائج.
ولا يتعلق الأمر فقط بعدد الطيور والخفافيش التي يمكن إنقاذها، بل يجب أيضًا قياس عوامل مثل مدى قدرة نظام الكشف على رصد الحيوانات، والوقت اللازم للاستجابة، وتأثير إجراءات الحماية على إنتاج الكهرباء وتكلفة تشغيل مزرعة الرياح.
وبهذه الطريقة يمكن الوصول إلى استراتيجيات تحقق توازنًا بين إنتاج الطاقة المتجددة والحفاظ على التنوع البيولوجي.
تعاون العلماء والصناعة مفتاح الحل
يرى الباحثون أن معالجة هذه المشكلة تحتاج إلى تعاون وثيق بين الجامعات وشركات الطاقة والجهات الحكومية والمنظمين وخبراء البيئة.
وقال البروفيسور لازارو روكي-ألبيلو، رئيس قسم التعدين المسؤول والإشراف على التنوع البيولوجي في معهد هاري بتلر، إن الأبحاث المدعومة من الصناعة يمكن أن توفر الأدلة العلمية اللازمة لتطوير السياسات والتشريعات والإرشادات وتحسين النتائج البيئية.
وأضاف أن هذا التعاون يمكن أن يؤدي إلى نهج أكثر اعتمادًا على العلم في عمليات الموافقات البيئية والالتزام بالمعايير، بما ينعكس على تقييمات المشروعات وقرارات الشركات والجهات التنظيمية والاستشاريين.

مستقبل طاقة الرياح يحتاج إلى استراتيجية متعددة الطبقات
لا تعني نتائج الدراسة أن طاقة الرياح غير صديقة للبيئة، بل تكشف أن التحول إلى الطاقة النظيفة يحتاج بدوره إلى إدارة دقيقة للآثار البيئية للمشروعات.
فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في الاختيار بين الطاقة المتجددة وحماية الحياة البرية، وإنما في تطوير مزارع رياح قادرة على إنتاج الكهرباء مع تقليل المخاطر التي تواجه الأنواع المحلية.
وتشير نتائج المراجعة إلى أن الطريق الأكثر واقعية يتمثل في بناء استراتيجية متعددة الطبقات تبدأ باختيار الموقع المناسب، ثم مراقبة النشاط الحيواني باستخدام مجموعة من الأدوات، والاستعانة بأنظمة الكشف والردع عند الحاجة، مع إيقاف التوربينات أو تقليل تشغيلها خلال فترات الخطر المرتفع.
وبدلًا من البحث عن تقنية واحدة مثالية، يرى الباحثون أن مستقبل حماية الطيور والخفافيش يعتمد على معرفة خصائص كل موقع واختيار مجموعة الأدوات التي تتناسب مع الأنواع الموجودة فيه.
ونُشرت المراجعة العلمية بعنوان «Mitigating wildlife collisions with wind turbines: A review of techniques, evidence, knowledge gaps and avenues for future research» في دورية Renewable and Sustainable Energy Reviews، وتقدم تقييمًا واسعًا للتقنيات المستخدمة في الحد من اصطدامات الحياة البرية بتوربينات الرياح، إلى جانب تحديد فجوات المعرفة التي تحتاج إلى مزيد من البحث





