حرائق دول البحر المتوسط لم تعد طبيعية.. كيف يحوّل تغيّر المناخ والرأسمالية الغابات إلى وقود
ليست مصادفة.. كيف يصنع الإهمال المؤسسي والاحتكار الزراعي كوارث الحرائق في المتوسط
هذا الصيف، لم تكن حرائق المتوسط مجرد موجات موسمية عابرة، بل جرس إنذار عن تغيّر مناخي متسارع ونظام اقتصادي يضع الربح فوق الحياة.
من تركيا إلى اليونان، ومن فرنسا إلى إسبانيا، تشتعل غابات المتوسط بما يُعرف بـ “حرائق الجيل السادس”، حيث تتداخل أزمة المناخ مع الإهمال المؤسسي وسياسات استغلال الأراضي.
الأرقام مرعبة: بحلول 26 أغسطس، التهمت النيران أكثر من مليون هكتار عبر الاتحاد الأوروبي – أي أربعة أضعاف المتوسط التاريخي للعقدين الماضيين.
في إسبانيا وحدها قفزت المساحات المحترقة من 40 ألفًا إلى أكثر من 416 ألف هكتار خلال أسابيع قليلة، مسجلة أكبر كارثة حرائق هذا القرن.

الانبعاثات في أعلى معدل لها
كما بلغت الانبعاثات الناتجة عن الحرائق أعلى معدل لها منذ بدء التسجيل عام 2003.
النيران أجبرت عشرات الآلاف على النزوح، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ثمانية أشخاص، بينهم رجال إطفاء ومتطوعون، فيما تعطلت بنية تحتية حيوية مثل خط السكة الحديد بين مدريد وغاليسيا.
وإلى جانب النيران، فإن موجات الحر كانت أكثر فتكًا: إذ تشير تقديرات المجلس الوطني الإسباني للأبحاث إلى وفاة نحو 16 ألف شخص من شدة الحر هذا الصيف.
هذه الحرائق ليست أحداثًا “طبيعية”، بل انعكاس لمنظومة مشتعلة، يسرّعها تغيّر المناخ وسياسات أرضية تخضع لمنطق الربح على حساب الوقاية والرعاية.
فخلال السنوات الـ13 الماضية، انخفضت الاستثمارات في الوقاية ومكافحة الحرائق إلى النصف، بينما تُركت المناطق الريفية للإهمال.
كما ساهمت المضاربات الزراعية والسياحية في تحويل مساحات شاسعة إلى بيئات أحادية الهشاشة، بعيدة عن التوازن البيئي.

“قنابل زمنية”
في هذا السياق، تصبح الحرائق أكثر سرعة ولا يمكن التنبؤ بها. الغابات، التي لم يعد لديها مجال للتكيف، تتحول إلى “قنابل زمنية” مع تراكم الكتلة الحيوية، وتوسع الزراعة الأحادية، وتراجع الزراعة المحلية.
ورغم خطورة الموقف، تذهب بعض الخطابات الرسمية إلى إنكار الواقع، كما صرّح رئيس كتالونيا بأن “الغابات كثيرة للغاية”.
لكن الحقيقة أن الغابات، حتى وإن كانت متدهورة، تبقى خط الدفاع الأهم ضد الكارثة المناخية، فهي تخزن الكربون، وتلطّف المناخ، وتدعم التنوع البيولوجي.
الطريق إلى الأمام يبدأ بترميم العلاقة بين المجتمعات وبيئتها: إدارة الغابات على نحو يوازن بين تقليل الكتلة القابلة للاحتراق وحماية التربة والتنوع، وإعادة الاستثمار في الريف، وإطلاق خطط إيكولوجية-اجتماعية تعيد توزيع المسؤولية وتضع الحياة قبل الأرباح.
ورغم قتامة المشهد، ينهض صوت المقاومةـ من ممارسات الزراعة الإيكولوجية، إلى الحركات المناهضة لنهب الأراضي والاحتلال، إلى حركات العدالة المناخية، تتشكل بدائل تُذكّر بأن النظام الذي أشعل الغابات يحترق معها.
فطالما استمر منطق التراكم والاستغلال، ستزداد الحرائق تواترًا وضراوة. وما لم نضع الحياة والعدالة البيئية والاجتماعية في صميم أولوياتنا، سيبقى الصيف موسمًا للجحيم.





