حقول الأرز تتحول إلى مصدر ضخم للغازات الدفيئة.. الحقول المغمورة بالمياه تسرّع انبعاثات الميثان
هل يمكن إنتاج الأرز دون الإضرار بالمناخ؟ دراسة تكشف الحلول
كشفت دراسة حديثة أن زراعة الأرز، التي توفر الغذاء لأكثر من نصف سكان العالم، أصبحت تمثل مصدرًا متزايدًا لانبعاثات الغازات الدفيئة المسببة لتغير المناخ، بعدما تضاعفت انبعاثاتها العالمية تقريبًا منذ ستينيات القرن الماضي.
وأوضح الباحثون، أن حقول الأرز المغمورة بالمياه، والتي تُعد ضرورية لنمو المحصول، تخلق بيئة مثالية لنشاط الميكروبات التي تطلق غازات دفيئة قوية، وعلى رأسها غاز الميثان.
انبعاثات تعادل 239 مليون سيارة
وأظهرت الدراسة، أن متوسط الانبعاثات الناتجة عن زراعة الأرز بلغ نحو 1.1 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا خلال العقد الماضي، وهو ما يعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لنحو 239 مليون سيارة.
وأشار الباحثون إلى أن زراعة الأرز أصبحت أكبر مصدر للانبعاثات في القطاع الزراعي بعد تربية الماشية، في وقت يتوقع فيه استمرار ارتفاع الطلب العالمي على الأرز خلال العقود المقبلة.

لماذا ارتفعت انبعاثات الأرز؟
وأكدت الدراسة أن ارتفاع الانبعاثات يعود إلى عاملين رئيسيين، هما التوسع في المساحات المزروعة بالأرز، وتكثيف الممارسات الزراعية.
وأوضح الباحثون أن أكثر من نصف الزيادة العالمية في الانبعاثات نتجت عن توسع زراعة الأرز، خاصة في إفريقيا، حيث تضاعفت المساحات المزروعة تقريبًا منذ ستينيات القرن الماضي، ما أدى إلى ارتفاع كبير في انبعاثات الميثان.
وفي الوقت نفسه، لجأ المزارعون إلى استخدام كميات أكبر من الأسمدة والمخلفات العضوية مثل القش والسماد الطبيعي، إلى جانب زراعة أصناف أكثر إنتاجية وزيادة كثافة النباتات داخل الحقول، ورغم أن هذه الممارسات ساعدت على زيادة الإنتاج، فإنها أدت أيضًا إلى تصاعد الانبعاثات المناخية.

قش الأرز أحد أبرز الأسباب
وكشفت الدراسة، أن ترك بقايا سيقان الأرز داخل الحقول بعد الحصاد ثم حرثها في التربة لتحسين خصوبة الأرض كان مسؤولًا عن نحو 18% من الزيادة الإجمالية في الانبعاثات منذ ستينيات القرن الماضي.
ويرجع ذلك إلى أن زيادة المادة العضوية داخل التربة تعزز نشاط الميكروبات التي تقوم بتحليلها، ما يؤدي إلى إطلاق كميات أكبر من غاز الميثان، كما تسهم درجات الحرارة العالمية المرتفعة في تسريع نشاط هذه الميكروبات، وبالتالي زيادة الانبعاثات بصورة أكبر.
الأسمدة النيتروجينية تزيد الأزمة
وأوضحت الدراسة، أن الاستخدام المكثف للأسمدة النيتروجينية الصناعية يمثل عاملًا رئيسيًا آخر في ارتفاع الانبعاثات.
فقد ارتفع استخدام النيتروجين الصناعي بنسبة تقارب 76% بعد عام 2000، ما أدى إلى زيادة انبعاثات أكسيد النيتروز، وهو أحد أقوى الغازات الدفيئة تأثيرًا على المناخ، وأشار الباحثون إلى أن هذا الغاز ساهم بنحو 9% من إجمالي الزيادة في الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية عالميًا.
أنظمة الري تؤثر على الانبعاثات
وبيّن العلماء، أن طرق الري تلعب دورًا مهمًا في حجم الانبعاثات الناتجة عن حقول الأرز.
ففي الماضي، كانت الحقول تُغمر بالمياه باستمرار طوال موسم الزراعة، ما يوفر بيئة مناسبة لإنتاج الميثان بشكل متواصل، لكن خلال العقدين الماضيين، بدأ كثير من المزارعين في استخدام نظام الري المتقطع، الذي يعتمد على تجفيف الحقول بصورة دورية بين فترات الغمر.
وأدى هذا الأسلوب إلى خفض انبعاثات الميثان، لكنه تسبب في زيادة طفيفة في انبعاثات أكسيد النيتروز نتيجة تعاقب فترات الجفاف والرطوبة داخل التربة.
الذكاء الاصطناعي لتحليل الانبعاثات
واعتمد الباحثون على ثلاثة أساليب رئيسية لتقدير الانبعاثات بدقة، شملت نموذجًا حاسوبيًا لمحاكاة نمو المحاصيل وظروف التربة والمياه، إضافة إلى نموذج ذكاء اصطناعي لتحسين البيانات في المناطق التي تفتقر للقياسات المباشرة.
كما أجرى الفريق تحليلًا شاملًا لأكثر من 1200 موقع تجريبي حول العالم لدراسة تأثير أنظمة الري والأسمدة وإدارة المخلفات الزراعية على الانبعاثات، وسمح ذلك للعلماء بتقدير الانبعاثات العالمية لزراعة الأرز بين عامي 1961 و2020، وفهم العوامل المسؤولة عنها واختبار الحلول المحتملة مستقبلًا.
هل يمكن تقليل الانبعاثات؟
وأكدت الدراسة وجود حلول قادرة على تقليل الانبعاثات دون التأثير على إنتاجية الأرز.
وتشمل هذه الحلول تقليل استخدام الأسمدة والمخلفات الزراعية، وتحسين إدارة الري عبر فترات التجفيف المتقطع، وتقليل حرث التربة.
ووفقًا للباحثين، فإن تطبيق أفضل الممارسات الزراعية المتاحة حاليًا يمكن أن يخفض الانبعاثات العالمية الناتجة عن زراعة الأرز بنحو 10% بحلول منتصف القرن الحالي.
الفحم الحيوي قد يكون جزءًا من الحل
واقترح العلماء تحويل جزء من المخلفات الزراعية إلى «فحم حيوي» عبر حرقها في ظروف منخفضة الأكسجين قبل إضافتها إلى التربة المغمورة بالمياه، وأوضحوا أن هذه التقنية تساعد على تثبيت الكربون داخل التربة وتقليل انبعاثات الميثان.
لا يوجد حل واحد يناسب الجميع
وشدد الباحثون على أن الحلول المناسبة تختلف من منطقة لأخرى، إذ تعتمد فعالية الممارسات الزراعية على المناخ المحلي ونوع التربة وأنظمة الري المستخدمة.
وأكدت الدراسة، أن خفض الانبعاثات بصورة أكبر سيتطلب تطوير استراتيجيات وتقنيات جديدة تسمح بالحد من التأثير المناخي لزراعة الأرز دون تهديد الأمن الغذائي العالمي.





