تغير المناخ يفتح جبهة جديدة ضد أمن الطاقة.. الجفاف والحرارة وقناديل البحر تعطل الكهرباء

ليس النفط والحروب وحدها.. الطقس المتطرف يتحول إلى تهديد متصاعد لأمن الطاقة العالمي

لم تعد المخاطر التي تهدد أمن الطاقة العالمي مرتبطة بالحروب والصراعات الجيوسياسية أو الهجمات السيبرانية فقط، إذ يفرض تغير المناخ والطقس المتطرف جبهة جديدة أكثر اتساعًا وتعقيدًا، تمتد من ممرات التجارة العالمية إلى شبكات الكهرباء ومحطات الطاقة النووية.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الجفاف والحرائق وارتفاع حرارة المحيطات، بدأت تداعيات المناخ تظهر بصورة مباشرة على البنية التحتية للطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، لتكشف أن أمن الطاقة في المستقبل لن يكون ممكنًا من دون التعامل مع أزمة المناخ باعتبارها تهديدًا مباشرًا وفوريًا.

وتتراوح هذه المخاطر بين انخفاض مستويات المياه في قناة بنما والأنهار الأوروبية، وارتفاع درجات حرارة مياه التبريد المستخدمة في محطات الطاقة النووية، وصولًا إلى ظواهر غير متوقعة مثل أسراب قناديل البحر التي أجبرت مفاعلات نووية على التوقف مؤقتًا.

«إل نينيو الخارق» يضغط على قناة بنما

تقدم قناة بنما واحدة من أوضح صور تأثير الطقس المتطرف على الاقتصاد والطاقة والتجارة العالمية.

فالقناة، التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ وتنقل أكثر من 3% من التجارة البحرية العالمية، تعتمد على المياه العذبة لتشغيل أهوسة السفن.

لكن انخفاض معدلات هطول الأمطار وتراجع مستويات المياه دفعا هيئة قناة بنما إلى تقليص عدد السفن المسموح لها بالعبور يوميًا اعتبارًا من 15 سبتمبر.

وبموجب القيود الجديدة، ستسمح القناة بمرور 32 سفينة يوميًا، مقارنة بنحو 36 سفينة حاليًا، وذلك بعد أن فرضت في وقت سابق قيودًا إضافية أجبرت السفن على تقليل حمولاتها بسبب انخفاض مستويات المياه.

وتزامنت هذه التطورات مع تحذيرات من نمط مناخي شديد القوة أطلق عليه بعض علماء المناخ وصف «إل نينيو الخارق»، في إشارة إلى شدته غير المسبوقة.

تكلفة عبور قناة بنما تقفز إلى مستويات قياسية

لم تتوقف تداعيات الجفاف عند تقليص عدد السفن، بل امتدت إلى تكلفة التجارة العالمية.

فقد قفز متوسط أسعار المزادات اليومية للحصول على فتحة عبور في القناة خلال أوائل أغسطس إلى نحو 1.1 مليون دولار، أي أكثر من 16 ضعف متوسط السعر خلال الفترة نفسها من العام السابق.

وفي واقعة لافتة، دفعت ناقلة غاز عملاقة فارغة نحو 4.6 مليون دولار للعبور من القناة خلال الأسبوع الماضي.

ومع ارتفاع تكلفة النقل، تنتقل الزيادة في النهاية إلى المستهلكين، بعدما تضيف شركات الشحن رسومًا إضافية إلى عملائها.

وأعلنت شركة الشحن MSC، في وقت سابق من الشهر، أنها سترفع الرسوم الإضافية الخاصة بالعبور من قناة بنما إلى 376 دولارًا للحاويات بطول 45 قدمًا اعتبارًا من سبتمبر.

وهكذا يتحول تغير نمط الأمطار من ظاهرة مناخية إلى عامل اقتصادي مباشر يؤثر في أسعار النقل وسلاسل الإمداد وأسعار السلع والطاقة حول العالم.

سفينة حاويات ضخمة تعبر قناة بنما وسط انخفاض مستويات المياه، في مشهد يجسد تأثير الجفاف المرتبط بظاهرة «إل نينيو»

أزمة المياه تضرب نهر الراين

ولا تقتصر المشكلة على قناة بنما.

ففي أوروبا، أدت فترات الجفاف وانخفاض مستويات المياه إلى تهديد حركة النقل النهري عبر نهر الراين، الذي يمثل شريانًا حيويًا للصناعة الثقيلة في ألمانيا.

وتراجعت مستويات المياه في أجزاء من النهر إلى مستويات شديدة الانخفاض، ما أثر على حركة نقل البضائع ورفع أسعار الشحن عبر الصنادل المتجهة إلى مدن صناعية وتجارية رئيسية، من بينها كولونيا ودوسلدورف وفرانكفورت وكارلسروه.

وتكشف هذه التطورات مدى ارتباط أمن الطاقة والصناعة بالنظم المائية، إذ لا تحتاج محطات الطاقة والمصانع إلى الكهرباء والوقود فقط، وإنما تعتمد قطاعات واسعة من الاقتصاد أيضًا على توفر المياه والنقل النهري.

ارتفاع حرارة البحار يهدد محطات الطاقة النووية

في الوقت نفسه، تمثل زيادة درجات حرارة المياه تهديدًا متزايدًا لمحطات الطاقة النووية، التي تعتمد العديد منها على كميات ضخمة من المياه العذبة أو مياه البحر لتبريد المفاعلات.

ومع ارتفاع درجات حرارة الأنهار والبحار، قد تصل المياه المستخدمة في أنظمة التبريد إلى مستويات تتجاوز الحدود التنظيمية المسموح بها، ما يدفع مشغلي المحطات إلى خفض الإنتاج أو إيقاف بعض المفاعلات مؤقتًا كإجراء احترازي.

وفي فرنسا، اضطرت شركة EDF إلى إيقاف عدد من المفاعلات مؤقتًا خلال الصيف، بسبب ارتفاع درجات حرارة المياه إلى مستويات تجاوزت الحدود المقررة لحماية النظم البيئية والحياة النباتية والحيوانية.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: الطاقة النووية تُطرح باعتبارها مصدرًا منخفض الانبعاثات ويمكن أن تلعب دورًا في التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى إدارة متزايدة للمخاطر المناخية والمائية مع ارتفاع درجات الحرارة.

قناديل البحر تدخل معركة أمن الطاقة

ولعل واحدة من أغرب صور التأثيرات المناخية على الطاقة ظهرت في فرنسا، حيث اضطرت ثلاثة مفاعلات نووية في محطة جرافلين إلى التوقف في بداية أغسطس كإجراء احترازي بعدما أدت أسراب ضخمة من قناديل البحر إلى انسداد أنظمة الضخ المستخدمة لتبريد المفاعلات.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تواجه فيها المحطة المشكلة نفسها، إذ تعرضت المحطة قبل عام أيضًا للتوقف بسبب تجمع قناديل البحر، ما دفع السلطات إلى الاستعانة بسفن صيد وكاميرات لمحاولة منع تكرار الحادث.

ويرتبط ارتفاع درجات حرارة البحار بتغير الظروف البيئية التي يمكن أن تساعد على تكاثر وانتشار بعض الكائنات البحرية، بما في ذلك قناديل البحر، وهو ما يضيف تحديًا غير تقليدي للبنية التحتية الساحلية.

قناديل البحر

حرارة المحيطات تسجل رقمًا قياسيًا

تأتي هذه التطورات في وقت سجل فيه متوسط درجة حرارة سطح البحر عالميًا مستوى قياسيًا بلغ 21.1 درجة مئوية، وفق بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ.

ولا يمثل ارتفاع حرارة المحيطات تهديدًا للنظم البيئية وحدها، وإنما يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على قطاعات اقتصادية وبنى تحتية تعتمد على مياه البحر.

ومع ارتفاع درجات الحرارة البحرية، تتزايد المخاطر التي تواجه محطات الطاقة الساحلية، خصوصًا عندما تتزامن حرارة المياه المرتفعة مع موجات الحر الشديدة.

المحيطات تسجل أعلى حرارة في التاريخ.. 21.1 درجة مئوية تنذر بتفاقم أزمة المناخ

حرائق الغابات تضرب شبكات الكهرباء

وفي مناطق أخرى، لعب ارتفاع درجات الحرارة والطقس الجاف دورًا في زيادة مخاطر حرائق الغابات، التي يمكن أن تمتد آثارها إلى شبكات الكهرباء ومرافق الطاقة.

وقد أدت حرائق قياسية خلال الصيف إلى انقطاع إمدادات الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأشخاص في بعض المناطق، ما يوضح أن تغير المناخ يمكن أن يضرب أمن الطاقة من اتجاه آخر، عبر تدمير أو تعطيل البنية التحتية لنقل وتوزيع الكهرباء.

وبذلك أصبحت شبكات الطاقة مطالبة بالاستعداد ليس فقط للطلب المتزايد على الكهرباء، ولكن أيضًا لمخاطر حرائق الغابات والفيضانات والعواصف وموجات الحر والجفاف.

حرائق الغابات تضرب شبكات الكهرباء

822 مليار يورو خسائر مناخية في أوروبا

وتظهر فاتورة الطقس المتطرف بوضوح في الاقتصاد الأوروبي.

فوفقًا للوكالة الأوروبية للبيئة، بلغت الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في الاتحاد الأوروبي نحو 822 مليار يورو خلال الفترة من 1980 إلى 2024.

والأكثر إثارة للقلق أن نحو ربع هذه الخسائر وقع خلال السنوات الأربع الأخيرة من الفترة نفسها، في مؤشر على تسارع حجم الأضرار الاقتصادية المرتبطة بالطقس المتطرف.

وتعني هذه الأرقام أن تكلفة تغير المناخ لم تعد قضية مستقبلية، وإنما أصبحت عبئًا اقتصاديًا متزايدًا على الحكومات والشركات والمجتمعات.

822 مليار يورو خسائر مناخية في أوروبا

أمن الطاقة لا يمكن أن يعتمد على الوقود الأحفوري وحده

يرى خبراء أن صناع السياسات والشركات ووسائل الإعلام بحاجة إلى إعطاء اهتمام أكبر لتأثير تغير المناخ على أمن الطاقة، خصوصًا أن التركيز غالبًا ما ينصب على التهديدات الجيوسياسية والحروب والهجمات الإلكترونية.

ويشير خبراء المناخ إلى أن الحروب التي تؤثر في إمدادات النفط والغاز تكشف في حد ذاتها هشاشة اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري.

وفي المقابل، فإن زيادة الاعتماد على الفحم والنفط والغاز لا تعالج مشكلة أمن الطاقة على المدى الطويل، لأنها تسهم في زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وبالتالي تعزيز موجات الحر والجفاف والظواهر المناخية المتطرفة التي تهدد البنية التحتية للطاقة نفسها.

ويقول مايكل مان، أستاذ علوم الأرض والبيئة في جامعة بنسلفانيا، إن الأزمات الآنية مثل الحروب تحظى عادة باهتمام إعلامي أكبر من التهديد الأطول أمدًا والأوسع نطاقًا الذي يمثله تغير المناخ، رغم أن تغير المناخ يمثل بالفعل خطرًا مباشرًا وحادًا.

التحول إلى الطاقة النظيفة يصبح جزءًا من أمن الطاقة

في أوروبا، بدأت بعض الحكومات تنظر إلى أزمة الطاقة من منظور مختلف، يقوم على تسريع التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة والمحلية.

وفي أبريل، أطلقت المفوضية الأوروبية خطة AccelerateEU، التي تتضمن أكثر من 40 إجراءً لتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة والمحلية.

كما التقى مسؤولون من أوروبا وجنوب شرق آسيا في الفلبين، وأعلنوا التزامهم بالتعاون بشأن التحول الأخضر.

ويرى خبراء أن أحداث الصيف الأخير أكدت أن أمن الطاقة الأوروبي لا يمكن تحقيقه ببساطة عبر زيادة إنتاج الوقود الأحفوري أو تأمين الوصول إليه، بل يتطلب تنويع مصادر الطاقة وتسريع الاعتماد على الطاقة النظيفة ورفع كفاءة الأنظمة.

الذكاء الاصطناعي يعقد المعادلة

وتزداد صعوبة المعادلة مع الارتفاع الكبير في الطلب على الكهرباء نتيجة التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

فمع زيادة الطلب على الكهرباء، تواجه بعض الشركات والحكومات ضغوطًا للعودة إلى استخدام مزيد من الوقود الأحفوري لتلبية احتياجات الطاقة بسرعة.

لكن خبراء البيئة يحذرون من أن زيادة الاعتماد على النفط والغاز والفحم ليست طريقًا مستدامًا لتحقيق أمن الطاقة، لأن استمرار هذا النهج سيزيد الانبعاثات ويعمق أزمة المناخ التي تهدد الطاقة نفسها.

وتشير هذه التطورات إلى ضرورة الجمع بين التوسع في الطاقة المتجددة، وتطوير شبكات الكهرباء، وتحسين التخزين، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، إلى جانب تعزيز قدرة البنية التحتية على تحمل الظروف المناخية القاسية.

حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز يدفعان أوروبا وآسيا لتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة

العالم أمام معادلة جديدة لأمن الطاقة

تكشف التطورات المتلاحقة أن تغير المناخ أصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلة أمن الطاقة العالمي.

فالجفاف يمكن أن يخفض قدرة قناة بنما على استقبال السفن، وحرارة المياه يمكن أن تجبر محطات الطاقة النووية على خفض الإنتاج، وقناديل البحر يمكن أن توقف أنظمة التبريد، وحرائق الغابات يمكن أن تعطل شبكات الكهرباء، بينما يؤدي ارتفاع الطلب على التبريد خلال موجات الحر إلى الضغط على شبكات الطاقة.

وفي المقابل، فإن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري لتلبية هذا الطلب يساهم في زيادة الانبعاثات التي تؤدي إلى تفاقم المشكلة.

ولهذا لم يعد السؤال المطروح هو كيفية حماية أنظمة الطاقة من الحروب والصراعات فقط، وإنما كيف يمكن بناء نظام طاقة قادر على الصمود أمام عالم أكثر حرارة وجفافًا وتقلبًا؟

ويبدو أن الإجابة تتجه نحو منظومة أكثر تنوعًا ومرونة، تعتمد على الطاقة النظيفة، وتخزين الكهرباء، وكفاءة الطاقة، والبنية التحتية المقاومة للمناخ، والإدارة المستدامة للمياه، والتخطيط الحضري والاقتصادي الذي يأخذ المخاطر المناخية في الاعتبار.

فأمن الطاقة في عصر تغير المناخ لن يقاس فقط بامتلاك النفط والغاز أو القدرة على تأمين خطوط الإمداد، وإنما أيضًا بقدرة الدول على إنتاج الطاقة ونقلها واستخدامها في مواجهة مناخ يتغير بسرعة.

Exit mobile version