الطاقة الشمسية تفتح الطريق أمام طفرة السيارات الكهربائية في أفريقيا
من الديزل إلى الكهرباء.. السيارات الكهربائية في أفريقيا أقرب وأرخص مما كان متوقعًا
أفريقيا ليست سوقًا واحدة موحدة.. التحول ممكن بشرط بني سياسات ذكية تربط بين الطاقة والنقل والمالية العامة بواقعية
تشهد حركة التنقل في أفريقيا تسارعًا لافتًا. فالطرق تزدحم، والمدن تتمدد أفقيًا، ويزداد اعتماد الملايين على وسائل نقل موثوقة للوصول إلى العمل والمدارس وتلبية متطلبات الحياة اليومية. ولم تعد وتيرة التنقل في القارة تسير ببطء، بل أصبحت تتسارع بوتيرة غير مسبوقة.
وبحلول عام 2050، من المتوقع أن يتضاعف عدد المركبات في أفريقيا، وهو المعدل الأسرع على مستوى العالم، ويطرح هذا النمو المتسارع سؤالًا محوريًا لا يتعلق بزيادة الطلب على النقل، بل بنوعية وسائل النقل التي ستلبي هذا الطلب المتنامي.
هل ستسلك الدول الأفريقية المسار نفسه القائم على الوقود الأحفوري، كما فعلت مناطق أكثر ثراءً، أم أن نموذجًا مختلفًا وأكثر استدامة يمكن أن يفرض نفسه؟ تشير أبحاث حديثة إلى أن البديل قد يكون أقرب مما يتصور كثيرون.

السيارات الكهربائية تصبح خيارًا ممكنًا
لسنوات طويلة، اعتقد خبراء كثر أن السيارات العاملة بالبنزين والديزل ستظل مهيمنة على طرق أفريقيا حتى منتصف القرن الحالي. واستند هذا الاعتقاد إلى تصورات مفادها أن السيارات الكهربائية مرتفعة التكلفة، وتعتمد على شبكات كهرباء هشة، وغير عملية في كثير من السياقات الأفريقية.
إلا أن هذه الفرضيات بدأت تتغير. فقد انخفضت تكاليف الطاقة الشمسية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وسارت أسعار البطاريات في الاتجاه نفسه، ما أعاد رسم معادلة الجدوى الاقتصادية.
التحول نحو القدرة على تحمّل التكاليف
باتت المركبات الكهربائية الميسورة التكلفة أكثر انتشارًا في أفريقيا، خصوصًا الدراجات الكهربائية ذات العجلتين، التي تشكل العمود الفقري للتنقل في العديد من المدن والمناطق الريفية، ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في قارة تعتمد فيها مجتمعات كثيرة على حلول طاقة لا تتطلب الاتصال بالشبكة الكهربائية المركزية.
ويعمل باحثون من المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيورخ (ETH Zurich) ومعهد بول شيرر (PSI)، بالتعاون مع شركاء دوليين، على تقييم مدى سرعة هذا التحول المحتمل.
تقول بيسي نول، الباحثة الرئيسية في الدراسة وكبيرة الباحثين في ETH Zurich: “افترضت نماذج عديدة أن مركبات محركات الاحتراق ستظل مهيمنة في أفريقيا حتى منتصف القرن، لكن نتائجنا تُظهر أن التنقل الكهربائي يمكن أن يصبح ممكنًا في وقت أقرب بكثير، إذا توافرت شروط معينة”.

الطاقة الشمسية تغيّر قواعد اللعبة
ظل شحن السيارات الكهربائية أحد أكبر التحديات في أفريقيا، خاصة في المناطق التي تعاني ضعف الشبكات الكهربائية أو غيابها الكامل. غير أن الباحثين تعاملوا مع هذه العقبة بوصفها فرصة لا عائقًا.
ودرست الفرق البحثية 52 دولة أفريقية وأكثر من 2000 موقع، واختبرت نموذجًا يعتمد على محطات شحن شمسية مستقلة مزودة ببطاريات ثابتة، تعمل بمعزل كامل عن الشبكة الكهربائية.
ينسجم هذا النهج مع الواقع الميداني، حيث تُستخدم الألواح الشمسية بالفعل لتشغيل المنازل والعيادات والمشروعات الصغيرة في المناطق النائية.
ويقول كريستيان مورِتّي، الباحث المشارك في الدراسة من معهد بول شيرر: “أردنا معرفة ما سيحدث إذا صُمم نظام الشحن خصيصًا لتلبية الطلب اليومي، وكانت النتائج مفاجئة حتى لنا، إذ تبين أن هذه الأنظمة أقل تكلفة مما كان يُعتقد، وأكثر موثوقية من الشبكات الكهربائية القائمة في كثير من الحالات”.
وتشير الأرقام إلى أن نظامًا شمسيًا مدمجًا يمكنه دعم سيارة صغيرة تقطع نحو 30 ميلًا يوميًا، مع مساهمة تكاليف الشحن بجزء ضئيل فقط من إجمالي تكلفة المركبة. أما بالنسبة للدراجات الكهربائية، فإن الجدوى الاقتصادية متحققة بالفعل في العديد من المناطق.

تفاوت وتيرة التقدم بين الدول الأفريقية
تحذر الدراسة من التعامل مع أفريقيا بوصفها سوقًا واحدة متجانسة. فالظروف الاقتصادية والتمويلية تختلف على نطاق واسع بين الدول.
ففي دول مثل بوتسوانا وجنوب أفريقيا، حيث تتوافر القروض بشروط أفضل وتكون أسعار الفائدة أقل، يمكن للسيارات الكهربائية أن تنافس نظيراتها العاملة بالوقود التقليدي في وقت أقرب، أما في دول أخرى مثل غينيا، حيث ترتفع تكاليف الاقتراض، فقد يستغرق التحول وقتًا أطول.
وتؤكد نول: “أفريقيا ليست سوقًا واحدة موحدة. فالإطار المؤسسي والاقتصادي يختلف بشكل كبير، وكذلك النقطة التي يصبح عندها التنقل الكهربائي مجديًا من الناحية المالية”.
الكهرباء تتفوق على الوقود الاصطناعي
تناولت الدراسة أيضًا خيار الوقود الاصطناعي، المصنّع باستخدام الطاقة المتجددة والقابل للاستخدام في محركات الاحتراق التقليدية. ورغم جاذبية الفكرة نظريًا، فإن النتائج العملية جاءت مخيبة للآمال.
حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، بما في ذلك الإنتاج الشمسي منخفض التكلفة في دول مثل تشيلي، ظل الوقود الاصطناعي أعلى تكلفة بكثير من الكهرباء عند استخدامه في سيارات الركاب.
ويقول مورِتّي: “الوقود الاصطناعي ضروري في قطاعات مثل الطيران والصناعة، لكنه لا يمثل أولوية منطقية للنقل الفردي في أفريقيا”.

التمويل العقبة الكبرى
لم تعد التكنولوجيا هي التحدي الرئيسي، بل التمويل. فعلى الرغم من أن السيارات الكهربائية أقل تكلفة على المدى الطويل، فإن سعرها الأولي المرتفع يشكل عائقًا كبيرًا.
وتؤدي تكاليف القروض المرتفعة، الناتجة عن تصنيف الاستثمارات على أنها عالية المخاطر، إلى إبطاء التحول، خاصة في الدول منخفضة الدخل.
وتضيف نول: “إذا أمكن خفض تكاليف التمويل، فسيتسارع الانتقال إلى السيارات الكهربائية بشكل كبير”.
وتشمل الحلول المحتملة الضمانات الحكومية، ونماذج الإقراض المبتكرة، والدعم الدولي، إلى جانب فرص جديدة لإنشاء مصانع تجميع محلية وخدمات صيانة وسلاسل توريد.
السياسات العامة لا تزال حاسمة
ركزت الدراسة على الجوانب التقنية والاقتصادية الأساسية، دون إدراج عوامل مثل الضرائب الجمركية، وضريبة القيمة المضافة، والدعم الحكومي، أو البنية التحتية الحالية للشبكات الكهربائية.
كما لم تتناول القوانين المنظمة لاستيراد السيارات المستعملة أو إنشاء محطات الشحن العامة، وتقول نول: “أردنا أولًا معرفة ما إذا كان التنقل الكهربائي ممكنًا وميسور التكلفة من حيث المبدأ. أما كيفية إدارة كل دولة لعملية التحول، فتعتمد بشكل كبير على ظروفها وسياساتها المحلية”.

تهديد محتمل لإيرادات ضرائب الوقود
تشير دراسة أخرى شاركت فيها نول إلى تحدٍ أقل وضوحًا، يتمثل في تراجع عائدات ضرائب الوقود، التي تبلغ عالميًا نحو 900 مليار دولار سنويًا، وتُستخدم في تمويل البنية التحتية للطرق والنقل.
ومع انتشار السيارات الكهربائية، تتقلص هذه الإيرادات، وهو ما يشكل تحديًا أكبر للدول منخفضة الدخل، حيث تمثل ضرائب الوقود أكثر من 9% من إجمالي الإيرادات الحكومية، مقارنة بنسبة أقل بكثير في الدول الغنية.
وتختتم نول قائلة: “التحول إلى السيارات الكهربائية ضروري من منظور مناخي، لكنه يفرض أسئلة مالية صعبة على كثير من الدول”.

وتخلص الدراسة، المنشورة في دورية Nature Energy، إلى أن مستقبل السيارات الكهربائية في أفريقيا ليس ممكنًا فحسب، بل عملي أيضًا، شريطة تبني سياسات ذكية تربط بين الطاقة والنقل والمالية العامة بواقعية.





