أهم الموضوعاتأخبارالتنوع البيولوجي

الطحالب ليست زينة.. بل “بنوك” كربون تغذي الغابات .. جنود خفية تحارب الكربون

تزيح الأشجار عن الصدارة في معركة المناخ.. تخزن ربع مغذيات الغابات وتقلل الانبعاثات

عندما يدخل معظمنا إلى الغابة، تتجه الأنظار مباشرة نحو الأشجار العملاقة التي تمتد جذوعها إلى السماء وتفتح تيجانها لتلتقط أشعة الشمس وتخزن الكربون في أوراقها.
غير أن أرض الغابة تخبرنا قصة أخرى لا تقل أهمية. هناك، حيث تمتد السجاد الأخضر الناعم من الطحالب (Mosses)، تعمل هذه الكائنات الصغيرة في صمت لتصبح حليفًا رئيسيًا غير متوقع في مواجهة تغيّر المناخ.

دراسة صينية تكشف الأرقام الخفية

فريق بحثي يقوده العالمان تشه وانغ وويكاي باو أجرى أكبر مسح علمي من نوعه للطحالب في الغابات شبه المدارية بمقاطعة سيتشوان الصينية.
شمل المسح 413 غابة، حيث تم قياس الكتلة الحيوية للطحالب والنباتات السفلية الأخرى.
النتائج، التي نُشرت في دورية Carbon Research، جاءت مفاجئة حتى للخبراء.
فقد تبين أن الطحالب تشكل ربع إجمالي الكتلة الحيوية للنباتات السفلية، ونحو 1% من الكتلة الحيوية للأشجار فوق سطح الأرض.
قد يبدو الرقم ضئيلاً للوهلة الأولى، لكنه عند حسابه على ملايين الهكتارات، يمثل مخزونًا هائلًا من الكربون.
وقال الدكتور وانج: “لطالما تعامل العلماء مع الطحالب كخلفية صامتة للمشهد الطبيعي، لكن بياناتنا تكشف أنها ليست مجرد ديكور، بل لاعب أساسي في دورة الكربون.”

الطحالب كـ”بنوك للمغذيات”

لم يقتصر البحث على قياس الكتلة، بل حلل الباحثون نسب الكربون والنيتروجين والفوسفور المخزن داخل الطحالب.
النتائج أوضحت أن الطحالب تسهم بحوالي 25% من تخزين المغذيات في الطبقة السفلية للغابات.
بفضل بطء تحللها وكفاءتها في إعادة تدوير العناصر الغذائية، تعمل الطحالب كـ”بنوك طويلة الأمد”، تحافظ على المغذيات وتقلل من انبعاث الكربون مرة أخرى إلى الجو.
وهذا يعني أن الغابات تصبح أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط المناخية بفضل هذا المخزون المستقر.

الطحالب ليست زينة.. بل "بنوك
الطحالب ليست زينة.. بل “بنوك

الغابات الصنوبرية.. معاقل الطحالب

كشفت الدراسة أن الغابات المخروطية الباردة تمثل الملاذ الأقوى للطحالب، حيث توفر الظلال والرطوبة واستقرار التربة بيئة مثالية للنمو.
كما أن بقايا الإبر الصنوبرية أقل ضررًا من أوراق الأشجار عريضة الأوراق التي كثيرًا ما تخنق نمو الطحالب.
اللافت أن النتائج بينت عدم وجود فروق كبيرة بين الغابات الطبيعية وتلك المزروعة، ما يثبت قدرة الطحالب على التكيف مع بيئات متنوعة.

مقارنة عالمية

في غابات سيتشوان، بلغ متوسط الكتلة الحيوية للطحالب نحو 65 جرامًا لكل متر مربع، فيما وصلت بعض المواقع إلى أكثر من 1,300 جرام.
لكن المقارنة مع النظم البيئية الأخرى تكشف اختلافات هائلة: ففي غابات ألاسكا الشمالية، تصل كتلة الطحالب إلى 12 ألف جرام لكل متر مربع، بينما تهيمن على أرضيات الغابات الصنوبرية الأوروبية، وتنتشر كذلك في الغابات الاستوائية حيث تتسلق جذوع الأشجار وأغصانها.
هذه الأرقام تبرز أن دور الطحالب في دورة الكربون ليس محليًا فقط، بل يمتد عبر النظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

فجوة في النماذج المناخية

رغم هذه الحقائق، تتجاهل معظم النماذج العالمية لتغير المناخ الطحالب كليًا. هذا الإغفال، وفق الباحثين، يؤدي إلى ثغرات في فهمنا لمخزون الكربون الطبيعي.
يقول الدكتور باو: “الحفاظ على الطحالب لا يتعلق فقط بالتنوع البيولوجي، بل هو حل طبيعي منخفض التكلفة وفعال في مواجهة تغير المناخ، يمكن اعتبارها بمثابة أرصدة كربونية مجانية تنمو فوق أرضية الغابات.”

نحو شبكة بحثية عالمية

ورغم أن الدراسة ركزت على الصين، إلا أن الدروس المستفادة منها ذات بعد عالمي.
فالطحالب تنتشر في الغابات الشمالية المعتدلة والاستوائية أيضًا، وقد تشكل مجاميع هائلة من الكربون المخزن غير المُحتسب بعد.
يشير الدكتور وانج إلى أن هذا البحث هو مجرد البداية، قائلاً: “من خلال التعاون الدولي، مثل شراكة مختبر الحزام والطريق الصيني–الكرواتي، نبني شبكة عالمية لدراسة النظم البيئية المُهملة وخدماتها الحيوية.”

أكثر من أشجار شاهقة

عند التجول القادم في الغابة، من المفيد أن يوجه المرء نظره إلى الأسفل، حيث يعمل السجاد الأخضر الصغير بهدوء على تثبيت التربة، تخزين الكربون، وحماية المغذيات.
إن فهمنا للغابات يجب أن يتجاوز الأشجار الشاهقة ليشمل مكوناتها الخفية. فالطريق نحو الحياد الكربوني لا يعتمد فقط على التيجان العالية، بل على الكائنات الصغيرة التي تغطي أرض الغابة وتثبت أن الحجم ليس معيار الأهمية دائمًا.
وقد تحقق هذا الإنجاز العلمي بفضل تعاون مؤسسات بحثية بارزة، منها الأكاديمية الصينية للعلوم وجامعة شنغهاي نورمال ومحطة مراقبة النظم البيئية للأراضي الرطبة في دلتا نهر اليانجتسي، مما يعكس أهمية الجهد الجماعي لفهم أدوار الكائنات الدقيقة في حماية كوكب الأرض.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading