أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

الملح والبلاستيك والحرارة المرتفعة.. ثلاثية خفية تدمّر صحة تربة المدن

قبل أن نلاحظها بالعين .. تدهور صامت يضرب تربة المدن بسبب الملح والبلاستيك

يؤثر الملح وغبار البلاستيك وارتفاع درجات الحرارة على صحة تربة المدن، لكن الضرر يظل خفيًا حتى تبدأ وظائف التربة في الفشل.

عندما تتوقف التربة عن التنفس وامتصاص المياه، تغمر السيول الشوارع بسرعة أكبر، وتفقد النباتات الحضرية الدعم الذي يجعل الأحياء صالحة للعيش.

نادرًا ما تواجه الشوارع والحدائق ضغطًا واحدًا فقط، إذ غالبًا ما تتقاطع الضغوط البيئية، ما يؤدي إلى انقلاب مفاجئ في صحة التربة.

في غرفة مناخية بجامعة برلين الحرة، قادت عالمة الأحياء وطالبة الدكتوراه ريبيكا رونجستوك هذا البحث ضمن مجموعة ريليج البحثية، التي ركزت على كيفية تغير صحة التربة الحضرية تحت تأثير الضغوط المتزامنة، سواء على مستوى الميكروبات أو بنية الركيزة.

ونُشرت الدراسة في دورية Nature، حيث تشير النتائج إلى أن عاملًا قد يبدو مفيدًا في البداية يمكن أن يتحول إلى عبء إضافي عند اجتماع عدة ضغوط في الوقت نفسه.

صحة التربة أساس تماسك المدن

تعاملت التجربة مع تربة المدن باعتبارها نظامًا تتراكم فيه الضغوط طبقة فوق أخرى، لا كنقطة انطلاق نقية.

استخدم الباحثون 140 عينة ودرسوا ستة ضغوط بيئية شائعة في المدن، ومن خلال تصميم تجريبي قائم على إزالة عامل واحد من مزيج الضغوط، قارنوا كل حالة ناقصة بالمزيج الكامل.

ونظرًا لاستمرار التجربة ستة أسابيع دون وجود نباتات، فإن النتائج تنطبق بدرجة أكبر على التربة الخاضعة للسيطرة المعملية، وليس على الحدائق الحية بالكامل.

تعتمد صحة التربة بدرجة كبيرة على بنيتها، إذ تتحكم هذه البنية في حركة الماء والأكسجين. وتحافظ التكتلات الترابية المستقرة على المسام مفتوحة لمرور الهواء والمياه.

تساعد الميكروبات وجذور النباتات على تماسك هذه التكتلات، لكن حركة المرور والجفاف يمكن أن تؤدي إلى تفككها بسرعة أكبر من المتوقع، وعندما تنهار المسام، يزداد الجريان السطحي، وتعاني الأشجار الحضرية، حتى لو بدا السطح مجرد تربة عارية.

الميكروبات وصحة التربة

تلعب الميكروبات الخفية دورًا أساسيًا في تدوير المغذيات وتحلل المادة العضوية، ما يدعم نمو النباتات وتخزين الكربون على المدى الطويل.

اعتمدت الدراسة على نشاط الإنزيمات، أي سرعة التفاعلات الكيميائية التي تنفذها الميكروبات، بوصفه إشارة إنذار مبكر.

وأشارت دراسة أخرى مرتبطة بالبحث إلى أن تراكم الضغوط العالمية يمكن أن يعيد تشكيل المجتمعات الميكروبية والعمليات التي تقودها، وعندما تباطأت هذه العمليات، فقدت التربة جزءًا من قدرتها على إعادة بناء بنيتها بعد التعرض للإجهاد، ما أدى إلى أضرار طويلة الأمد.

الحرارة تتحول إلى مشكلة

قد تبدو درجات الحرارة المرتفعة عاملًا محفزًا لصحة التربة، لأن الدفء يسرّع عادة من نشاط الميكروبات في الظروف المسيطر عليها.

وتقول رونجستوك: «تُظهر التجارب مرارًا أن المعالجات الفردية لعوامل التغير العالمي، مثل ارتفاع الحرارة، قد يكون لها تأثير إيجابي على التربة».

لكن في ظل اجتماع الضغوط، أدت الحرارة إلى تسريع التبخر، ما قلل من المياه المتاحة وركّز الملوثات، الأمر الذي أضر بالميكروبات وأضعف التكتلات الترابية، ويعني هذا التحول أن الحرارة ليست مجرد ضغط إضافي، بل عامل يغيّر طريقة وصول المواد الكيميائية إلى الخلايا الحية.

الملح يخلّ بتوازن التربة

يتراكم ملح إذابة الجليد في التربة الحضرية، ويمكن لقنوات التصريف المزروعة التي تجمع مياه الأمطار أن تنقل الكلوريد إلى عمق التربة بعد انتهاء الشتاء.

تسحب المياه المالحة الرطوبة من الخلايا الميكروبية، ما يبطئ نموها ويقلل من نشاط الإنزيمات التي تعزز بنية التربة.

وفي تجربة جامعة برلين الحرة، أدى استبعاد الملح من مزيج الضغوط إلى تحسن معظم وظائف التربة التي تم قياسها.

الجفاف يغيّر دخول المياه

يؤثر جفاف التربة على كيفية امتصاصها للمياه لاحقًا، وهو عامل بالغ الأهمية في المدن التي تعتمد على التربة لامتصاص مياه العواصف، وعند التعرض للجفاف وحده، تكوّنت تكتلات أصغر، وازدادت مقاومة التربة للماء، ما جعلها أقل قابلية للبلل بعد الجفاف.

وأدى طول زمن امتصاص قطرات الماء إلى بقاء الأمطار على السطح، ما يزيد من مخاطر الجريان السطحي خلال العواصف المفاجئة.

البلاستيك والمواد الخافضة للتوتر السطحي

تخلّف حركة المرور شظايا دقيقة تتحرك مع الغبار والجريان السطحي، ما يضيف عبئًا تلوثيًا يصعب تتبعه.
وأشار استعراض حديث إلى أن جزيئات تآكل الإطارات تُعد مصدرًا متزايدًا للميكروبلاستيك في البيئات الحضرية.

وأظهرت الاختبارات أن الميكروبلاستيك وبقايا المنظفات لم يكن لهما تأثير ضار كبير عند وجودهما منفردين، بل دعما بعض الميكروبات.

لكن هذا التأثير الإيجابي اختفى عندما أدت الضغوط الأخرى إلى خفض النشاط الميكروبي.

إصلاح صحة التربة

غالبًا ما تبدأ خطط استعادة التربة بمعالجة المشكلة الأكثر وضوحًا، إلا أن الدراسة حذّرت من أن هذا النهج قد يغفل المحرك الحقيقي للتدهور.

فعند إزالة عامل ضغط واحد فقط من المزيج الكامل، تحسنت خصائص التربة والعمليات الميكروبية في معظم الحالات، ويشير ذلك إلى فرصة عملية، إذ إن تقليل عامل واحد مثل الملح أو الحرارة يمكن أن يسرّع تعافي التربة.

وتقول رونجستوك: «أحد الأسباب الرئيسية هو أننا لا نعرف بعد كيف تتفاعل الضغوط عندما تحدث معًا».

وتخلص الدراسة إلى أن تدهور التربة لا ينتج عن ضغط واحد بقدر ما ينتج عن تراكم الضغوط، مؤكدة أن الحماية الفعالة تتطلب سياسات تقلل من هذه الضغوط المتداخلة في آن واحد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading