تربة الجبال تخزن ضعف الكربون المتوقع.. وتصحيح جذري لنماذج المناخ
مفاجأة علمية: الانهيارات الأرضية تعزز تخزين الكربون في التربة الجبلية
في اكتشاف علمي قد يعيد رسم خريطة الكربون العالمية، كشفت دراسة حديثة أن التربة في المناطق الجبلية والهضبية تخزن كميات من الكربون تعادل نحو ضعف ما كانت تشير إليه النماذج المناخية السابقة، ما يغير فهمًا طويل الأمد لدور هذه النظم البيئية في دورة الكربون.
وتتحدى هذه النتائج الافتراض التقليدي الذي اعتبر أن التضاريس شديدة الانحدار، بسبب تعرضها المستمر للتعرية، لا تحتفظ بكميات كبيرة من الكربون.
إلا أن البيانات الجديدة تشير إلى عكس ذلك تمامًا: فالجبال قد تمثل خزانات كربونية ضخمة وغير مستغلة في الحسابات المناخية.
إعادة النظر في فرضية علمية راسخة
لطالما استندت النماذج المناخية إلى فكرة أن التربة تحتاج إلى الاستقرار والزمن لتراكم الكربون العضوي، وهو ما يجعل السهول الزراعية أكثر قابلية للدراسة والقياس. لكن هذه الفرضية أغفلت العمليات الجيومورفولوجية المعقدة التي تحدث في البيئات الجبلية.
ففي أعقاب الانهيارات الأرضية، تتشكل رواسب عميقة ومستقرة من التربة الدقيقة، قادرة على الاحتفاظ بالكربون لآلاف، بل مئات آلاف السنين. ومع مرور الزمن، تخضع هذه التربة لعمليات تجوية متواصلة تزيد من سماكتها وتعزز قدرتها على تثبيت الكربون العضوي.
منهجية أعمق تكشف الصورة الكاملة
اعتمدت الدراسة، التي قادتها الباحثة بروك هانتر، على تحليل ما يقرب من 10 آلاف انهيار أرضي في سلسلة جبال ساحل أوريغون، تمتد أعمارها من بضعة آلاف إلى مئات آلاف السنين.
ولم تقتصر المقاربة على التقديرات السطحية المعتادة، بل شملت حفر عينات عميقة من التربة وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من خمسة أمتار، مقارنة بمتوسط 30 سنتيمترًا الذي تعتمد عليه معظم النماذج العالمية.
وأظهرت النتائج أن التربة العميقة لا تحتوي فقط على كميات أكبر من الكربون بحكم حجمها، بل تتميز أيضًا بتركيزات أعلى لكل وحدة حجم، نتيجة تراكم جسيمات دقيقة عالية القدرة على ربط الكربون العضوي ومنع تحلله.
انهيار أرضي.. وبداية دورة تخزين طويلة
تُبرز الدراسة دور الانهيارات الأرضية كآلية غير متوقعة لتعزيز تخزين الكربون. فعندما ينهار منحدر جبلي، تتراكم المواد في مواقع منخفضة، مكونة بيئات مستقرة نسبيًا تسمح بتراكم التربة وتطورها على مدى زمني طويل.
ومع تعمق التربة وزيادة عمرها، تتحول إلى مخازن فعالة للكربون، ما يعني أن المناطق التي تُعد ديناميكية جيولوجيًا قد تكون في الواقع أكثر أهمية في موازنة الكربون مما كان يُعتقد.
انعكاسات على ميزانيات الكربون والحلول الطبيعية
تحمل هذه النتائج تداعيات مباشرة على تقديرات ميزانيات الكربون العالمية، التي تُستخدم لتحديد مدى التقدم في مواجهة تغير المناخ. فالتقليل من تقدير الكربون المخزن في التربة يعني وجود فجوة في فهمنا لحجم الكربون المحتجز طبيعيًا.
كما تعزز الدراسة أهمية ما يُعرف بـ”الحلول المناخية القائمة على الطبيعة”، مثل إدارة التربة وتعزيز عمليات التجوية الطبيعية، التي يمكن أن تسهم في سحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
لكن فعالية هذه الحلول تعتمد بشكل كبير على دقة البيانات المتاحة حول توزيع الكربون في النظم البيئية المختلفة، وهو ما يجعل إدماج التربة الجبلية في النماذج المستقبلية أمرًا ضروريًا.
نحو خرائط كربونية أكثر دقة
يشير الباحثون إلى أن تحسين خرائط توزيع الكربون في التربة سيمكن صناع القرار من تحديد المناطق ذات الأولوية للحماية أو الإدارة المستدامة.
فالجبال، التي كانت تُعد سابقًا مناطق هامشية في سياسات المناخ، قد تتحول إلى عناصر محورية في استراتيجيات الحد من الانبعاثات، إذا ما تم استغلال إمكاناتها بشكل صحيح.
وفي هذا السياق، تؤكد الدراسة أنه لا يوجد حل واحد شامل لأزمة المناخ، بل مجموعة من التدخلات المتكاملة التي تتطلب فهمًا دقيقًا للأنظمة البيئية المختلفة، وفي مقدمتها التربة التي تختزن كميات من الكربون تفوق ما هو موجود في الغلاف الجوي والنباتات مجتمعة.
Tags)
لينك الدراسة + صور





