أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

أكثر من 80% من سواحل البحر المتوسط معرضة لخطر فيضانات متزايد بسبب ارتفاع البحار

ارتفاع مستوى البحر يضاعف مخاطر الفيضانات على سواحل المتوسط أكثر من العواصف نفسها

سواحل البحر المتوسط
سواحل البحر المتوسط

بعد الفيضانات المدمرة التي ضربت منطقة فالنسيا الإسبانية في أكتوبر 2024، اعتقد كثيرون على طول ساحل البحر المتوسط أن السبب الرئيسي يكمن في تزايد شدة العواصف الناتجة عن تغير المناخ. كما عززت العاصفة «جلوريا» التي اجتاحت المنطقة عام 2020 هذا التصور، إلا أن دراسة علمية جديدة تشير إلى أن العامل الأهم والأكثر تأثيرًا قد يكون مختلفًا تمامًا.

فقد توصل باحثون إلى أن الخطر المتزايد للفيضانات الساحلية خلال العقود المقبلة لا يرتبط أساسًا بازدياد قوة العواصف، بل بارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن الاحترار العالمي، وهو عامل بطيء لكنه يحمل آثارًا أعمق وأوسع نطاقًا.

فيضانات مركبة تهدد السواحل

تعاني المدن الساحلية من مصدرين متزامنين للفيضانات؛ فمن جهة تتدفق مياه الأمطار من المرتفعات عبر الأودية والجداول المتضخمة، ومن جهة أخرى تدفع مياه البحر المرتفعة نحو الشاطئ، ما يعيق تصريف المياه عبر شبكات الصرف الطبيعية والاصطناعية.

ويطلق العلماء على هذه الظاهرة اسم «الفيضانات المركبة»، وهي تحدث عندما تتزامن الأمطار الغزيرة مع ارتفاع مستوى المياه الساحلية، الأمر الذي يؤدي إلى خسائر وأضرار تفوق بكثير ما يمكن أن تسببه أي من الظاهرتين منفردة.

سواحل البحر المتوسط
سواحل البحر المتوسط

دراسة تمتد حتى نهاية القرن

قاد الدراسة العالم خوسيه أ. خيمينيز من الجامعة التقنية في كتالونيا بإسبانيا، حيث سعى فريقه إلى تقييم كيفية تغير مخاطر الفيضانات المركبة مع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض.

واعتمد الباحثون على 17 نموذجًا مناخيًا لمحاكاة سيناريو مرتفع الانبعاثات الكربونية، وقارنوا بين أوضاع أواخر القرن العشرين والتوقعات الخاصة بالعقود الأخيرة من القرن الحادي والعشرين عبر أكثر من 200 منطقة معرضة للفيضانات على امتداد الساحل المتوسطي الإسباني الذي يبلغ طوله نحو 1610 كيلومترات.

العواصف لا تتغير كثيرًا

أظهرت النتائج أن التغير المتوقع في شدة العواصف وحدها محدود للغاية. فقرابة 80% من المناطق الساحلية المدروسة لم تُظهر أي تغير جوهري في احتمالات الفيضانات المرتبطة بالعواصف بحلول عام 2100.

كما بينت النماذج المناخية أن معدلات هطول الأمطار في معظم المناطق لن تشهد زيادات كبيرة، بل إن تأثير العواصف على ارتفاع المياه الساحلية قد يتراجع قليلًا في بعض المواقع.

وتشير هذه النتائج إلى أن عواصف نهاية القرن قد لا تختلف كثيرًا عن العواصف الحالية من حيث قدرتها المباشرة على التسبب في الفيضانات.

ارتفاع مستوى البحر يقلب المعادلة

لكن الصورة تغيرت جذريًا عندما أضاف الباحثون تأثير الارتفاع المتوقع في مستوى سطح البحر إلى الحسابات.

فبعد إدخال هذا العامل، ارتفعت احتمالات الفيضانات المركبة بشكل واضح على معظم السواحل الإسبانية، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من المناطق الساحلية ستواجه مخاطر أكبر للفيضانات المركبة بحلول عام 2100 مقارنة بالمستويات الحالية.

كما أظهرت الدراسة أن إدراج عامل ارتفاع البحر ضاعف أكثر من مرتين نسبة المناطق المتجهة نحو زيادة مخاطر الفيضانات والأضرار الاقتصادية المرتبطة بها.

سواحل البحر المتوسط
سواحل البحر المتوسط

لماذا يلعب البحر الدور الأكبر؟

تكمن الإجابة في طبيعة البحر المتوسط نفسه. فمعظم مناطقه تُصنف ضمن البيئات «ضعيفة المد والجزر»، حيث لا يتجاوز الفرق بين أعلى وأدنى مستوى للمياه نحو 30 سنتيمترًا تقريبًا، مقارنة بالفروق الكبيرة المسجلة في المحيط الأطلسي.

وفي مثل هذه البيئات، يصبح أي ارتفاع دائم في مستوى سطح البحر أكثر تأثيرًا من تغيرات المد والجزر الطبيعية. فعندما تضرب العواصف الساحل، تضاف موجات العاصفة إلى مستوى البحر الأساسي. وكلما ارتفع هذا المستوى، ازدادت قدرة العواصف على إغراق المناطق الساحلية.

وتتوقع النماذج المناخية ارتفاع مستوى البحر المتوسط بنحو 0.6 إلى 0.9 متر بحلول نهاية القرن، وهي زيادة تفوق بكثير نطاق التغيرات الطبيعية للمد والجزر في المنطقة.

الواقع والذاكرة الجماعية

تتعارض هذه النتائج مع الانطباع السائد لدى سكان المناطق الساحلية الذين ما زالوا يتذكرون العاصفة «جلوريا» عام 2020 والفيضانات الكارثية في فالنسيا عام 2024.

ورغم أن هذه الأحداث عززت الاعتقاد بأن العواصف أصبحت أكثر عنفًا، فإن النماذج المناخية لا تدعم فكرة حدوث زيادة عامة وكبيرة في الفيضانات الناتجة عن العواصف وحدها على طول الساحل المتوسطي الإسباني.

ومع ذلك، يحذر الباحثون من أن النماذج الحالية لا تستطيع دائمًا محاكاة العواصف المحلية القصيرة والعنيفة التي تتسبب في بعض الفيضانات المفاجئة، ما يعني أن هناك جوانب لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

العواصف أصبحت أكثر شدة

تداعيات تتجاوز إسبانيا

لا تقتصر أهمية النتائج على إسبانيا فقط، إذ إن الظروف ذاتها توجد في أجزاء واسعة من البحر المتوسط، وكذلك في العديد من البحار شبه المغلقة حول العالم.

وبالتالي، فإن المناطق الساحلية التي تشهد مدًا وجزرًا محدودين مع استمرار ارتفاع مستوى البحر قد تواجه المخاطر نفسها خلال العقود المقبلة.

المجتمعات الساحلية وارتفاع مستوى سطح البحر

ضرورة إعادة التفكير في الحماية الساحلية

تؤكد الدراسة أن الاستراتيجيات المستقبلية لحماية المدن الساحلية يجب ألا تركز فقط على مواجهة العواصف الأكثر شدة، بل ينبغي أن تأخذ في الاعتبار الارتفاع المستمر في مستوى سطح البحر باعتباره المحرك الأساسي لتفاقم مخاطر الفيضانات.

ويعني ذلك أن تصميم السدود البحرية وشبكات الصرف وأنظمة الحماية الساحلية يجب أن يعتمد على واقع جديد يتمثل في ارتفاع خط الأساس لمستوى البحر عامًا بعد عام، حتى لو لم تصبح العواصف نفسها أكثر قوة.

وقد نُشرت نتائج الدراسة في دورية Communications Earth & Environment، مؤكدة أن التهديد الأكبر لسواحل البحر المتوسط خلال القرن الحالي قد لا يأتي من العواصف القادمة، بل من المياه التي ترتفع تدريجيًا تحتها.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading