بكتيريا في أعماق البحر تصنع المعادن بصمت.. اكتشاف يكشف دورًا خفيًا للحياة في قاع المحيط
ذهب كاذب وكبريت أصفر تحت البحر.. بكتيريا تتحكم في المعادن حول الفتحات الحرارية
في أعماق المحيط، حيث تلتقي المياه الساخنة الخارجة من باطن الأرض بالمياه البحرية الباردة، تتشكل بيئات جيولوجية شديدة التعقيد تنتج مجموعة متنوعة من المعادن.
ولسنوات طويلة، اعتُبرت هذه الرواسب المعدنية في الأساس نتيجة لتفاعلات كيميائية بين المياه الساخنة والصخور والعناصر الذائبة، مع دور محدود أو غير واضح للحياة.
لكن دراسة جديدة أجراها باحثون حول الفتحات الحرارية المائية قرب جزيرة ميلوس اليونانية تقدم صورة مختلفة؛ إذ تشير النتائج إلى أن المجتمعات البكتيرية الموجودة في الرواسب يمكن أن تسهم في تحديد نوع المعادن التي تتشكل في قاع المحيط.
الدراسة، المنشورة في Journal of Geophysical Research: Biogeosciences، تكشف اختلافًا واضحًا بين المواقع التي تتسرب منها السوائل الحرارية ببطء وتلك التي تقذف المياه الساخنة بقوة، حيث ارتبط كل نمط بمجتمعات ميكروبية مختلفة وبصمة معدنية مميزة.
فتحات حرارية بدرجات حرارة هائلة
تتكون الفتحات الحرارية المائية عندما تتسرب مياه البحر إلى الصخور الساخنة الموجودة أسفل قاع المحيط، فتسخن وتتفاعل مع الصخور والمعادن قبل أن تعود إلى السطح محملة بمركبات وعناصر مختلفة.
وتوجد منطقة الدراسة بالقرب من جزيرة ميلوس، وهي جزء من قوس بركاني نشط في بحر إيجه.
وخلال بعثة للسفينة البحثية الألمانية METEOR عام 2023، بحث العلماء عن أنظمة حرارية مائية لم تكن قد رُسمت خرائطها بشكل كامل في المنطقة.
وتمكن الفريق من اكتشاف نشاط حراري مائي على أعماق تصل إلى نحو 210 أمتار، بينما بلغت حرارة بعض السوائل الخارجة من الفتحات نحو 180 درجة مئوية.
وكانت هذه الأنظمة قد وُصفت للمرة الأولى في دراسة سابقة عام 2025، لكن البحث الجديد يمثل محاولة لدراسة الرواسب والبيئة الميكروبية المرتبطة بها بصورة أكثر تفصيلًا.
ثلاثة أعمدة من الرواسب تكشف القصة
جمع الباحثون ثلاثة أعمدة من الرواسب البحرية للمقارنة بين البيئات المختلفة.
أحدها جاء من قاع بحر بعيد نسبيًا عن النشاط الحراري، والثاني من منطقة تتسرب فيها السوائل الدافئة ببطء، بينما جُمع الثالث بالقرب من فتحة حرارية نشطة.
واستخدم الفريق مركبة غاطسة تابعة لمركز MARUM لدفع أنبوب أخذ العينات داخل الرواسب بالقرب من الفتحة النشطة.
وأظهرت القياسات أن الحرارة ارتفعت بصورة هائلة مع التعمق داخل الرواسب؛ إذ بلغت نحو 45 درجة مئوية على عمق 5 سنتيمترات فقط، ثم ارتفعت إلى نحو 160 درجة مئوية على عمق 30 سنتيمترًا.
وهذا يعني أن الفاصل بين الرواسب الباردة نسبيًا والبيئة شديدة الحرارة كان قصيرًا للغاية.
كيف تعرف العلماء إلى نشاط البكتيريا؟
لم يعتمد الباحثون فقط على العثور على خلايا بكتيرية، بل بحثوا عن بصمات كيميائية تركتها الميكروبات في البيئة.
واستخلص العلماء الدهون التي تستخدمها الكائنات الدقيقة في بناء أغشية خلاياها.
وتحمل هذه المركبات معلومات عن عمليات الأيض التي كانت تقوم بها الميكروبات، لأن الأنواع المختلفة من البكتيريا تتعامل بصورة مختلفة مع نظائر الكربون، وهي ذرات للعنصر نفسه تختلف في الكتلة.
كما درس الفريق نظائر الكبريت داخل المعادن، وهي تقدم بدورها مؤشرات يمكن أن تساعد في التمييز بين الكبريت الناتج عن العمليات الكيميائية البحتة والكبريت الذي تأثر بالنشاط الميكروبي.
عندما تصنع البكتيريا «الذهب الكاذب»
كان أوضح دليل على دور الحياة موجودًا في منطقة التسرب الحراري البطيء.
ففي هذه البيئة، ترتفع السوائل الدافئة ببطء عبر الرواسب، ما يسمح لمياه البحر بالتغلغل بضعة سنتيمترات داخلها.
وتحمل مياه البحر الكبريتات، وهي مركبات كبريتية مذابة يمكن لبعض أنواع البكتيريا استخدامها في عملياتها الحيوية بطريقة تشبه استخدام الأكسجين في التنفس.
وخلال هذه العملية تنتج البكتيريا مركبات الكبريتيد.
وعندما يلتقي الكبريتيد بالحديد الموجود في الرواسب، تتشكل بلورات البيريت، المعروف شعبيًا باسم «الذهب الكاذب».
ووجد الباحثون بلورات بيريت مكعبة في مختلف الأعماق التي فحصوها، مع زيادة حجم البلورات في الأجزاء الأعمق.
ووصلت معادن الكبريتيد إلى نحو 28% من الرواسب البلورية في بعض العينات.
لكن المؤشر الأكثر أهمية كان في نظائر الكبريت داخل البيريت، إذ حملت بصمة أخف مما يمكن تفسيره بالكيمياء الحرارية وحدها، ما يدعم مساهمة النشاط البكتيري في تكوين هذه المعادن.
لماذا يتغير المشهد عند الفتحات الساخنة؟
في الفتحات الحرارية الأكثر نشاطًا، كانت الظروف مختلفة تمامًا.
فالمياه الساخنة تندفع بقوة إلى الخارج، ولا تسمح لمياه البحر المحتوية على الكبريتات إلا بالتغلغل لمسافة صغيرة جدًا داخل الرواسب.
ونتيجة لذلك، لا تتوافر الكمية نفسها من الكبريتات التي تحتاجها البكتيريا المستخدمة لها في عملياتها الحيوية.
وبدلًا من ذلك، تشير البصمات الكيميائية إلى وجود بكتيريا يمكنها الحصول على الطاقة من الكبريتيد الموجود في السوائل الحرارية نفسها، وربما تعيش عند المنطقة التي تلتقي فيها هذه السوائل بالمياه البحرية الغنية بالأكسجين.
وفي هذه المنطقة تشكل الكبريتات والكبريت الحر طبقة مختلفة من الرواسب.
وعثر الفريق على حبيبات من الكبريت الأصفر النقي في الجزء العلوي من أحد الأعمدة، وبلغت نحو 6% من وزن الرواسب هناك.
لكن الباحثين كانوا أكثر حذرًا في تفسير هذه النتيجة.
فالدليل على أن البكتيريا هي التي أنتجت معظم هذا الكبريت أضعف من الدليل الموجود على دورها في تكوين البيريت، كما أن تركيب نظائر الكبريت يمكن تفسيره أيضًا بعمليات كيميائية طبيعية.
ولهذا وصف الفريق الدور الميكروبي في تكوين الكبريت بأنه مرجح وليس مثبتًا بصورة قاطعة.
البكتيريا تختفي مع ارتفاع الحرارة
كشفت الرواسب أيضًا عن قدرة الميكروبات على التكيف مع الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة.
فكلما أصبحت البيئة أكثر سخونة، بدأت البكتيريا في إنتاج جزيئات دهنية أطول داخل أغشية خلاياها، وهي آلية تساعد الأغشية على الحفاظ على خصائصها في درجات الحرارة المرتفعة.
واستمرت هذه البصمات الميكروبية حتى درجة حرارة تقارب 61 درجة مئوية، ثم بدأت تختفي.
ويشير ذلك إلى أن درجة الحرارة تقترب عند هذه النقطة من الحد الذي تستطيع البكتيريا تحمله في هذه البيئة.
لكن المفاجأة أن درجة الحرارة لم تكن العامل الأقوى في تحديد نوع المجتمعات البكتيرية.
فالحالة الكيميائية للأكسدة والاختزال، أي مدى غنى البيئة بالأكسجين أو افتقارها إليه، بدت أكثر تأثيرًا في تحديد الميكروبات الموجودة في كل طبقة.
قاع المحيط ليس عالمًا كيميائيًا فقط
تضيف هذه النتائج بعدًا جديدًا لفهم الفتحات الحرارية المائية.
فالبكتيريا لا تتكيف فقط مع الظروف القاسية الموجودة حول هذه الأنظمة، وإنما يمكن لعملياتها الحيوية نفسها أن تغير البيئة الكيميائية المحيطة بها، وهو ما قد ينعكس على نوع المعادن التي تتشكل.
وبعبارة أخرى، فإن الحياة والجيولوجيا قد تعملان معًا في تشكيل الرواسب المعدنية في قاع المحيط.
ويقول الباحثون إن الدراسة تمثل أساسًا لأبحاث لاحقة يمكن أن تحدد بدقة أكبر الأنواع البكتيرية المسؤولة عن هذه العمليات، ونسبة المعادن التي تتكون بمساعدة الحياة مقارنة بتلك التي تتشكل نتيجة التفاعلات الكيميائية وحدها.
ولا تزال هذه الأسئلة مفتوحة، خصوصًا في حالة الكبريت الحر، حيث الأدلة على الدور الميكروبي أقل قوة.
عينات من بعثة انتهت.. لكنها ما زالت تكشف أسرارها
رغم أن السفينة البحثية METEOR أنهت مسيرتها بعد ما يقرب من أربعة عقود في البحر، فإن العينات التي جمعتها تواصل إنتاج نتائج علمية جديدة.
ويرى الباحثون أن فهم التفاعل بين الميكروبات والعمليات الحرارية والكيميائية في قاع المحيط قد يساعد مستقبلًا في تفسير كيفية تشكل بعض الرواسب المعدنية، وكيف تعمل النظم البيئية الميكروبية في واحدة من أكثر البيئات قسوة على كوكب الأرض.
وتؤكد الدراسة في النهاية أن قاع المحيط ليس مجرد مسرح لتفاعلات جيولوجية وكيميائية صامتة؛ فحتى في الظلام وتحت ضغط وحرارة هائلين، يمكن للحياة المجهرية أن تترك بصمة ملموسة في المعادن التي تبني قاع البحر نفسه.





