بعد عقد من الوعود.. التمويل الأخضر لم ينجح في إنقاذ الكوكب
الفجوة التمويلية للمناخ تتجاوز 7 تريليونات دولار سنويًا رغم تضاعف الاستثمارات الخضراء
قبل عشر سنوات، أطلق مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا آنذاك، إنذارًا ماليًا غير مسبوق، حين حذر من أن تغير المناخ يمثل تهديدًا جوهريًا لاستقرار النظام المالي العالمي.
دعا كارني إلى إدماج المخاطر المناخية في هيكل القطاع المالي، محذرًا من “مأساة الأفق”؛ وهي تلك اللحظة التي تصبح فيها تداعيات المناخ كارثية، ولكن بعد فوات الأوان على معالجتها ضمن الأفق الزمني التقليدي لصناع القرار والمستثمرين.
ورغم أن ذلك الخطاب مثّل نقطة تحوّل في التفكير المالي العالمي، وأدى إلى انطلاق موجة من المبادرات والسياسات التي تبنتها الحكومات والمؤسسات المالية الكبرى، فإن حصيلة عقدٍ كامل من “التمويل الأخضر” تكشف مفارقة صارخة: النظام المالي تغيّر في الشكل لا في الجوهر، والمال لا يزال يتدفق أكثر نحو الأنشطة التي تدمّر البيئة، لا التي تنقذها.
بين الخطاب والواقع
أعقبت كلمة كارني تحركات واسعة النطاق: الاتحاد الأوروبي أطلق “الصفقة الخضراء”، والمملكة المتحدة وضعت أطرًا تنظيمية لإدماج المخاطر المناخية في الأسواق، وأستراليا تبنت إستراتيجية التمويل المستدام عام 2023. وبدت الآمال كبيرة في أن يصبح التمويل الأخضر أداة رئيسية لإعادة توجيه رؤوس الأموال نحو اقتصاد منخفض الكربون.
إلا أن الوقائع تكشف عن فجوة هائلة بين الطموح والتنفيذ، فبحسب “شبكة النظام المالي من أجل التحول الأخضر” (NGFS) التي تضم أكثر من 90 بنكًا مركزيًا وهيئة تنظيمية حول العالم، لم تعد الأزمة المناخية “مأساة أفق” مؤجلة، بل خطرًا داهمًا يهدد اقتصادات العالم في هذا العقد.
وتُقدّر الشبكة أن الخسائر المناخية قد تُكلف الاتحاد الأوروبي نحو 5% من ناتجه المحلي بحلول عام 2030، أي بما يعادل صدمة الأزمة المالية العالمية عام 2008.

الفجوة التمويلية: مليارات لا تكفي
صحيح أن سوق السندات الخضراء ازدهرت بشكل لافت، متجاوزة التريليونات من الدولارات في أقل من عقد، إلا أن الصورة الإجمالية قاتمة.
فقد بلغ إجمالي التمويل المناخي العالمي في عام 2023 نحو 1.9 تريليون دولار فقط، بينما يحتاج العالم إلى 7 تريليونات دولار سنويًا للوصول إلى أهداف اتفاق باريس للمناخ.
أي أن الفجوة التمويلية تتجاوز خمسة تريليونات دولار سنويًا — فجوة تهدد بتحويل الوعود المناخية إلى مجرد شعارات سياسية.
وفي المقابل، ما زالت الأموال تتدفق نحو قطاعات الوقود الأحفوري، التي تواصل الاستفادة من الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر.
وتشير تقارير دولية إلى أن الدعم العالمي للوقود الأحفوري تجاوز 1.3 تريليون دولار في العام نفسه، وهو ما يعادل تقريبًا حجم التمويل الأخضر الموجه إلى المناخ.

التمويل الأخضر يواجه تناقضاته
تكمن المفارقة في أن النظام المالي العالمي لا يزال يقيس النجاح بمعايير الربحية قصيرة المدى، لا بالاستدامة
طويلة الأجل. فالمستثمرون يبحثون عن عوائد ربع سنوية، بينما يتطلب التحول الأخضر رؤوس أموال صبورة ومشروعات تمتد آثارها لعقود.
كما أن أدوات تقييم المخاطر والفرص ما زالت غير قادرة على احتساب “التكلفة الحقيقية للكربون” أو الخسائر الناتجة عن تدهور الطبيعة.
فالمستثمر الذي يمول مشروعًا لتوسيع حقول النفط، لا يتحمل التكاليف البيئية المترتبة على الانبعاثات التي يولدها، بينما تعود هذه الأعباء على المجتمعات والأنظمة البيئية.
ويرى خبراء جامعة ملبورن أن التمويل المستدام لا يمكن أن ينجح إلا إذا تغيّر جوهر أدواته ومقاييسه.
فالتحول الأخضر لا يقتصر على تحسين الشفافية أو إصدار تقارير مناخية، بل يتطلب إعادة تعريف القيمة ذاتها داخل النظام المالي.

الطبيعة والاقتصاد.. الحلقة المفقودة
لا يقتصر التحدي على المناخ وحده، إذ تبرز أزمة فقدان التنوع البيولوجي كتهديد موازٍ للنظام الاقتصادي. فوفقًا لتقديرات البنك الدولي، يعتمد نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي على خدمات الطبيعة مثل pollination، والمياه، والتربة الخصبة.
ومع ذلك، لا يتجاوز الإنفاق العالمي على حماية الطبيعة 100 مليار دولار سنويًا، في حين أن التكلفة الفعلية لحماية النظم البيئية تقدر بنحو 700 مليار دولار سنويًا على الأقل.
هذا العجز يعني أن الأسواق المالية ما زالت تتجاهل أحد أكبر المخاطر التي تهدد مستقبل الأعمال والوظائف.
فكل دولار لا يُستثمر في حماية النظم البيئية، يعني مزيدًا من الخسائر في الأمن الغذائي والمائي، وتراجع الإنتاجية الزراعية، وتفاقم الأزمات الصحية والمناخية.

الطريق إلى إصلاح جوهري
يقترح “مركز التمويل المستدام” بجامعة ملبورن ثلاثة مسارات أساسية لإعادة بناء الثقة بين المال والمناخ:
-
تطوير أدوات التمويل والتقييم لتشمل الأثر البيئي والاجتماعي بشكل جوهري، وليس كملحق دعائي أو بند ثانوي في تقارير الحوكمة.
-
تبني نهج “النظام الكامل” في مواجهة التحديات البيئية، فمكاسب شركة واحدة لا ينبغي أن تأتي على حساب استقرار الاقتصاد العالمي أو البيئة.
-
إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات غير الممولة بالقدر الكافي، مثل حماية الطبيعة، والتكيف المناخي، والرعاية الصحية، والمشروعات المجتمعية بقيادة السكان الأصليين في الدول النامية.
كما يدعو الخبراء إلى توسيع نطاق الشفافية ليشمل الشركات غير المدرجة في البورصات، مثل المؤسسات المملوكة للدولة والشركات الخاصة الكبرى، لأنها مسؤولة عن نسبة كبيرة من الانبعاثات دون خضوعها للرقابة المالية أو المناخية.
بين مأساة الأفق ومأساة الواقع
لقد كان مارك كارني على حق عندما قال إن “مخاطر المناخ ستتجاوز الأفق الزمني للسياسات الاقتصادية”، لكن المأساة اليوم لم تعد أفقًا بعيدًا، بل واقعًا ملموسًا.
فمع كل عام من التقاعس المالي، تتضاعف تكلفة التكيف، وتتراجع قدرة الكوكب على التعافي.
إن إصلاح النظام المالي العالمي لم يعد خيارًا بيئيًا فحسب، بل شرطًا لبقاء الاقتصاد العالمي نفسه.
والتمويل الأخضر، الذي وُلد كأداة للإنقاذ، يحتاج الآن إلى ثورة فكرية تعيد تعريفه كأداة لإعادة التوازن بين الإنسان والطبيعة، وبين الربح والمسؤولية.






I have been surfing online more than 3 hours today yet I never found any interesting article like yours It is pretty worth enough for me In my opinion if all web owners and bloggers made good content as you did the web will be much more useful than ever before