مؤسس مركز المنصورة للحفريات: التغيرات المناخية يمكن أن تؤدي لانقراض الإنسان.. مصر غنية بتنوع بيولوجي يعود لملايين السنوات
د.هشام سلّام: رسمنا خريطة مصر من 98 مليون سنة والواحات أرض الديناصورات ومصر شهدت احتباسًا حراريًا من 56 مليون عام
حوار: أسماء بدر
– لا يمكن تزوير أو تحريف التاريخ الطبيعي.. والتطور حقيقة علمية وأي كائن انقرض لم يستطع مواكبة التغيرات المناخية
فتح اكتشاف منصوراسورس أول ديناصور في مصر وإفريقيا الباب لتوثيق لحقبة زمنية يعود تاريخها إلى قرابة 30 مليون عام، في الفترة ما بين (94- 66 مليون سنة) بنهاية العصر الطباشيري، في عام 2018 الضوء على مصر وغناها البيولوجي الكبير، وقاد فريق الاكتشاف عالم الحفريات الفقارية المصري الدكتور هشام سلّام، وتوالت اكتشافات ونجاحات فريقه الذي كوّنه تحت اسم سلّام لاب، كان آخرها اكتشاف نوع جديد من الديناصورات آكلة اللحوم يُسجّل لأول مرة في مصر وهو الديناصور هابيل.
وفي حوار خاص لـ “المستقبل الأخضر”، تحدث عالم الحفريات الفقارية ومؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الدكتور هشام سلّام، عن تلك الاكتشاف والاحتباس الحراري القديم الذي تعرضت له مصر والذي ضرب كوكب الأرض من 56 مليون عامًا، وأشار إلى تنوع البيولوجي الكبير الذي تمتلكه البلاد، وكيف يمكن للاكتشافات العلمية أن تساعدنا على التصدي للتغيرات المناخية والحد من السلوك التي قد تؤدي إلى هلاك البشرية.
وإلى نص الحوار..
–بما تخبرنا الحفريات عن التراث الطبيعي والتنوع البيولوجي في مصر؟
تحظى مصر بتنوع بيولوجي كبير جدًا، حيث تمتلك حيوانات ومملكة مختلفة من الشعاب المرجانية وتنوع هائل في النباتات الصحراوية والتي تنمو في حوض النيل، وهو ما لا يتكرر كثيرًا نظرًا لطبيعة مصر الجغرافية وتنوع مواردها بين نهر النيل والبحرين الأحمر والمتوسط وجبال مرتفعة، وهو لا يقل قدرًا عن التراث الطبيعي الذي يتم اكتشافه، إذ لدينا حفريات يرجع عمرها إلى 320 مليون عامًا مُكتشَفة في وادي عربة بالصحراء الشرقية تسجل أشكال الحياة والتنوع البيولوجي في زمن لم يشهده البشر، وتُعرّفنا الحفر والثقوب الموجودة في القشرة الأرضية والتي يُطلق عليها المنخفضات مثل منخفض القطارة ومنخفض الفيوم ومنخفض الواحات البحرية ومنخفض الوادي الجديد، والتي تمثل كل حفرة منها حقبة زمنية تروي لنا عن أسرار التنوع البيولوجي المختلف.
–هل كانت مصر مملكة للديناصورات منذ ملايين السنوات؟
نعم، مصر كانت مملكة للديناصورات قديمًا، إذ وفقًا لما تم توثيقه في الكتب العلمية، تسمى الواحات البحرية في مصر بأرض الديناصورات، وبأحدث اكتشافاتنا نُسجل جنسًا جديدًا منها لم يكن معروف بوجوده في الواحات البحرية وهو الديناصور هابيل آكل اللحوم، كما سجلت الواحات البحرية حفريات لحيوانات ونباتات كثيرة مما يؤكد غناها، وتمكّن العلماء من رسم خريطة مصر من 98 مليون سنة وكيف كانت، حيث الديناصورات العملاقة الشرسة وآكلات العشب، ونباتات مختلفة وتماسيح وأسماك وسلاحف، وجميعها موثق بالأدلة العلمية.
–كيف تسهم الاكتشافات العلمية من الحفريات في فهم أعمق لما يواجهه كوكب الأرض من تحديات وكوارث طبيعية؟
يعتبر أحد أدوار الاكتشافات العلمية والتراث الطبيعي هو تقديم فهم أعمق لما واجهه بالفعل كوكب الأرض منذ ملايين الأعوام، إذ يمثّل الإنسان أحدث الكائنات على وجه الأرض، وقد يواجه التاريخ البشري تزويرًا أو تحريفًا أو اقتطاع نتيجة الحروب أو سيطرة طرف على العالم أو غيرها، إنما التاريخ الطبيعي لا يمكن تزوير التاريخ الطبيعي لأنه مسجل ومحفوظ في الأرض وله أدلة على كل حقبة وزمن.
ولا بد أن يعرف البشر أنه كوكب الأرض شهد تغيرًا مناخيًا منذ ملايين السنوات، وكان السبب الرئيسي في انقراض الكائنات الحية التي لم تقدر على التكيف والتطوير، وقد تعرضت مصر لتلك الظاهرة، ونحن لسنا بمنأى عنه حاليًا، والفارق بين ما حدث قديمًا وما نمر به في الآونة الأخيرة أن الإنسان هو الفاعل في الاحتباس الحراري الذي نعيشه اليوم، أما عن العوامل الطبيعية التي أدت إلى زوال الديناصورات على وجه التحديد فكانت من فعل الطبيعة، إذ ضرب نيزك كوكب الأرض ما نتج عنه حممًا بركانيًا انبعثت منها غازات ثاني أكسيد الكربون وهو أحد الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
وأحذر من أنه إذا حالة استمرت البشرية في وتيرتها المتسارعة واستهلاكها غير المستدام للموارد ومعدلات التلوث البيئي وانبعاثات الكربون دون اكتراث أو وعي حتمًا سيكون فناء البشرية هو المصير المنتظر.
–حدثنا عن الاحتباس الحراري وتغير المناخ الذي تعرضت له مصر؟
منذ 56 مليون سنة، تعرضت مصر لاحتباس حراري شديد القرب بما نعيشه اليوم، وذلك بين عصري البليوسين والأيوسين، وهو ما أثبتتها الدراسات العلمية التي نُشرت العام الماضي، وهناك بعض الكائنات الحية التي استطاعت تطوير نفسها والتكيف مع تغير المناخ والاحتباس الحراري وما تزال موجودة حتى اليوم، ومنها على سبيل المثال سمكة القمر، والاحتباس الحراري حدث موثق عالميًا، وتعد مصر أول دولة تسجل حفريات من ذلك الاحتباس الحراري القديم، كواحدة من القارات الجنوبية وتشمل إفريقيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا.
–ما دور وزارة البيئة في اكتشافات مركز الحفريات بالمنصورة، ومساهمتها في البحث العلمي خاصة بالمحميات؟
وزارة البيئة هي شريك فاعل في الاكتشافات العلمية والأبحاث واستخراج الحفريات، من خلال الدكتور محمد سامح، مدير إدارة الجيولوجيا والحفريات بقطاع حماية الطبيعة ومدير محميات المنطقة المركزية، والدكتور وائل ثابت، مدير عام محمية الواحات البحرية، ومن أبرز الاكتشافات التي ساهموا فيها حوت الفيوميسيتس المُكتشَف العام الماضي، وهو أحد الحيتان البرمائية الشرسة التي عاشت في الفيوم قبل 43 مليون سنة، وهي اكتشاف الدكتور محمد سالم لكنه أعطى الفرصة للطلاب المصريين، واكتشاف حفرية الديناصور هابيل بالواحات البحرية من قبَل مدير عام المحمية وقاد فريق البحث الباحث عبد الله سالم المعيد بجامعة بنها.
كما تساهم الوزارة من خلال الدكتور محمد سامح في دعم الطلاب المصريين في توفير فرص للتدريب والمشاركة في المعسكرات الصيفية التي تكون تكلفتها مرتفعة تفوق قدراتهم، وفي النهاية هو نتاج اتفاقية تعاون بين وزارتي البيئة والتعليم العالي والبحث العلمي.
–وماذا عن قدرة بعض الكائنات على التطور والتأقلم مع الظروف المناخية المختلفة؟
التطور هو حقيقة علمية لا يمكن لأحد إنكارها، وأي كائن انقرض نتيجة عدم قدرته على مواكبة التغيرات المناخية، واللغط المثار لدى الأشخاص هو اعتقادهم بحدوث التطور مباغتةً، وعلى العكس تمامًا فإنه يأخذ ملايين السنوات بداية من التغيرات الطفيفة غير الملحوظة إلى أن يصبح كائن جديد أو مختلف، وأكبر مثال على هذا هو الحيتان والتي تنتمي إلى الثدييات مثل الأفيال، وكان في الأصل كائن يعيش على اليابسة واستطاع أن يتطور ويواكب التغيرات إلى أن أضحى كائن بحري يعيش في الماء، وهو ما تأكده الحفريات ولدينا سجل من التاريخ الطبيعي موجود في الفيوم يوثّق 10 ملايين عامًا من تطور الكائنات المختلفة بالتفاصيل. ويمكن أن يكون مصير الإنسان هو الانقراض إذا لم يستطع مواكبة التغيرات المناخية ولا أحد كبير على التغيرات المناخية.
–ما هو دور الشباب في الاكتشافات العلمية، وكيف يدعم هشام سلّام الأطفال؟
نختار في سلّام لاب الشباب المصري المتميز لديه حب القراءة خاصة العلمية، والقدرة على التفكير العلمي والممنهج وشغف كبير، ونقبل أيضًا متطوعين حتى إذا لم تكن ميولهم علميه، ونفتح له الباب لخوض التجربة. ولا نفاضل بين النساء والذكور والفيصل الوحيد بينهم هو الشغف وحب العلم.
–هل يمكن أن تساهم الأبحاث العلمية والاكتشافات الحفرية في التصدي لأضرار التغير المناخي؟
نساهم من خلال الأبحاث العلمية التي أجريناها عن التغيرات المناخية التي حدثت قديمًا، بالتوعية بخطورة التغيرات المناخية، وجزء أيضًا من استراتيجية الدولة لمواجتها، ونحن فريق بحثي يدعم الوقوف جانبًا ضد تلك التغيرات المناخية أو السلوكيات التي تؤدي إلى سرعة وتيرة الاحتباس الحراري الذي نشهده والحد منه.
–ما هي أبرز الاكتشافات العلمية التي سلّطت الضوء على مصر في السنوات الأخيرة؟
يعد اكتشاف الديناصور منصوراسورس من أهم الاكتشافات التي ضعت مصر على الخريطة العلمية في هذا المجال، ولدينا اكتشافات قبله منها حفرية قرموطس البالغ طولها نحو مترين وطول جمجمته 60 سم، ويرجع عمره إلى 40 مليون سنة في صحراء الفيوم، وسمكة التنيدا وغيرها، ثم تلاها اكتشافات حوت الفيوم الذي أُطلق عليه فيوميسيتس والفأر سفروت، وسمكة القمر، وأقدم أسلاف الكوبرا المصرية عن عمر 37 مليون سنة، وتمساح واحة سوكس بمنطقة الواحات الداخلة، والذي يوثّق للحقبة التي شهدت موجة انقراض هائلة، قضت على أكثر من ثلاثة أرباع أشكال الحياة على الأرض.





