القارة القطبية الجنوبية تقدم خدمات اقتصادية للعالم بأكثر من 276 مليار دولار سنويًا
بالأرقام.. القطب الجنوبي يقدم خدمات النظام البيئي بالمليارات.. أسماك وكريل والأدوية والمكملات الغذائية نموذجا
تستفيد البشرية جمعاء من القارة القطبية الجنوبية والمحيط الجنوبي المحيط بها، بالنسبة للبعض، قد تبدو هذه الفوائد لا تقدر بثمن.
ولكن في عالمنا الذي تحكمه لغة الأرقام والسوق، فإن حساب القيمة الاقتصادية للبيئة من الممكن أن يشكل أداة مفيدة في حشد الدعم لحمايتها.
وكان هذا هو القصد من بحث جديد، قامتا به كل من راشيل بيرد، وناتالي ستويكل بجامعة تسمانيا الأسترالية، الباحثتان قامتا بتحليل الأرقام المتعلقة بقيمة الخدمات التي تقدمها القارة القطبية الجنوبية والمحيط الجنوبي من حيث مصايد الأسماك، والسياحة، والعمليات الطبيعية المختلفة التي تدعم عمل الأرض.
والنتيجة؟ فالقيمة الاقتصادية حسب البحث تقدر بمبلغ ضخم يصل إلى 180 مليار دولار أمريكي كل عام، وتأمل الباحثتان أن تساعد النتائج التي توصلوا إليها في تحديد أولويات إجراءات الحفظ في القارة القطبية الجنوبية، وحشد الدعم الدولي لحماية المنطقة من ويلات تغير المناخ.
فوائد مرئية وغير مرئية
تُعرف الفوائد العديدة التي توفرها الطبيعة للإنسان باسم “خدمات النظام البيئي“،
بعض الخدمات التي تقدمها القارة القطبية الجنوبية والمحيط الجنوبي غير مرئية لمعظم الناس، على سبيل المثال، يمتص المحيط الجنوبي ثاني أكسيد الكربون (CO₂) من الغلاف الجوي، ويعكس الجليد الموجود في المنطقة الحرارة، تساعد هذه العمليات في تنظيم مناخ الأرض، ويساعد المحيط الجنوبي أيضًا على نقل المياه حول العالم، مما يساعد على توزيع الحرارة والمياه العذبة والكربون والمواد المغذية. وتعرف هذه بالخدمات “التنظيمية”.
وكما تقول ناتالي ستويكل، وهي عضو فريق الخبراء العلميين لاستراتيجية مصايد الأسماك المستدامة في كوينزلاند، وكانت عضوًا في لجنة خبراء Reef 2050، والمجلس الاستشاري العلمي للمناطق الاستوائية الرطبة، يمكن للعالم أن يفكر في قيمة هذه الخدمات من حيث التكلفة التي قد تتراكم إذا لم يتم تقديمها، على سبيل المثال، تحتوي الطبقة الجليدية في القطب الجنوبي على 30 مليون كيلومتر مكعب من الجليد، وإذا ذاب هذا الجليد نتيجة للاحتباس الحراري، فإن التأثيرات على المجتمعات الساحلية في جميع أنحاء العالم ستكون كارثية.
الفوائد الأخرى التي توفرها منطقة القطب الجنوبي أكثر وضوحا، على سبيل المثال، يعتمد البشر على الأسماك، والكريل في الغذاء، والأدوية، والمكملات الغذائية، ومن شأن المحيط الجنوبي الأكثر دفئا، والأكثر حمضية أن يؤثر على الأرصدة السمكية – سواء في المنطقة أو في أماكن أخرى- وقد تنقرض بعض الأنواع.
خدمات ثقافية
كما توفر منطقة القطب الجنوبي خدمات ثقافية مثل استضافة الأبحاث العلمية الحيوية، وفي السنوات الأخيرة، شهدت القارة القطبية الجنوبية ارتفاعًا كبيرًا في أعداد السياح.
إذن، ما هي القيمة الفعلية لهذه الخدمات بالنسبة للإنسانية؟
بحثت راشيل بيرد، وهي أستاذ اقتصاد في جامعة تسمانيا، الإجابة عن هذا السؤال، باستخدام طرقًا مختلفة لتقدير قيمة كل خدمة، وبعضها، مثل توفير الغذاء، يمكن حسابه بسهولة من خلال النظر إلى ما يرغب السوق في دفعه.
البعض الآخر، مثل تجنب الضرر الناتج عن امتصاص ثاني أكسيد الكربون، يكون أكثر تعقيدًا في إسناد قيمة إليه.
أول هذه القطاعات الهامة ” السياحة”، زادت أعداد الزوار إلى القارة القطبية الجنوبية – معظمهم عن طريق السفن – بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، من حوالي 8000 سنويًا في الفترة 1993-1994 إلى 105000 في الفترة 2022-2023، وقدر الباحثون القيمة السنوية لصناعة السياحة في القطب الجنوبي بحوالي 820 مليون دولار.
والقطاع الثاني في الخدمات “مصايد الأسماك”، فبالنظر إلى أطنان الأسماك المسننة والكريل التي يتم اصطيادها في المنطقة، فالتقديرات حسب الورقة البحثية قيمتها تصل إلى نحو 370 مليون دولار سنويا.
الخدمات التنظيمية والتكلفة الاجتماعية للكربون
أما تقدير القيمة الاقتصادية لـ “الخدمات التنظيمية”، حسب البحث الجديد، مثل تخزين الكربون وتنظيم مستوى سطح البحر وانعكاس الضوء، وقد تم تفعيل ذلك عن طريق ضرب تقديرات قيمة الكربون المخزن في المحيط الجنوبي بتقديرات التكلفة الاجتماعية للكربون.
وكانت هذه عملية حسابية معقدة، شرحها الباحثين بمزيد من التفصيل في ورقتهم البحثية، وبشكل عام، فتقدير قيمة الخدمات التنظيمية في المنطقة قد يصل إلى نحو 179.3 مليار دولار سنوياً.
وبذلك يصل إجمالي قيمة خدمات النظام البيئي في القارة القطبية الجنوبية والمحيط الجنوبي إلى حوالي 180 مليار دولار سنويًا، وهذا تقدير متحفظ يستبعد بعض خدمات النظام البيئي.
تعزيز قيمة مصايد الأسماك العالمية
على سبيل المثال، يُعتقد أن التيار المحيط بالقطب الجنوبي ودوامات المحيط المجاورة ــ التي توزع المغذيات في القطب الجنوبي حول العالم ــ تساعد في تعزيز قيمة مصايد الأسماك العالمية بنحو 2.8 مليار دولار، لم ندرج ذلك في الحساب أعلاه لتجنب الحساب المزدوج مع الخدمات التنظيمية الأخرى.
وبسبب نقص البيانات، لم يتمكن الباحثون من تقدير قيمة العمل العلمي في القارة القطبية الجنوبية بشكل تقريبي، لذلك تم استبعاد ذلك أيضًا.
لكن الأبحاث في القطب الجنوبي ربما حالت دون إلحاق أضرار كبيرة بسبل العيش والبنية التحتية في جميع أنحاء العالم- على سبيل المثال، من خلال مراقبة التغيرات في مستويات الجليد والبحر- ويمكن توقع زيادة هذه المساهمة في المستقبل، وتوفر المنطقة خدمات مهمة أخرى ليس لدى أحد من الباحثين أو الجهات والهيئات المسئولة معلومات كافية لتقديرها، مثل المكونات الطبية التي لم يتم اكتشافها بعد.
ما هو دور معاهدة أنتاركتيكا؟
وبينما يصبح المحيط الجنوبي أكثر دفئا وأكثر حمضية، فإن أنظمته الطبيعية سوف تخضع لتغيرات هائلة، وهذا من شأنه أن يقلل من الفوائد العديدة التي توفرها منطقة القطب الجنوبي، بتكلفة كبيرة يتحملها العالم، إذن، كيف ينبغي للمجتمع العالمي أن يستجيب؟
تخضع منطقة القطب الجنوبي والمحيط الجنوبي لمعاهدة القطب الجنوبي، التي تم اعتمادها في عام 1959، ولم تكن التهديدات التي حددناها متوقعة في ذلك الوقت، ولم تعالجها المعاهدة.
تتمتع الأطراف في المعاهدة بسلطة حماية بعض خدمات النظام البيئي، مثل السياحة وصيد الأسماك والعلوم، ولكنها غير قادرة على حماية الآخرين بشكل فعال، مثل تنظيم الخدمات عندما يأتي التهديد من خارج منطقة القطب الجنوبي.
لقد تطورت المعاهدة على مر السنين، والآن يتعين عليها أن تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، من أجل حماية الفوائد الضخمة ــ الاقتصادية وغيرها ــ التي توفرها المنطقة للعالم.








