أخبارالاقتصاد الأخضر

منظومة الخبز الجديدة في مصر.. صراع بين الجودة والتكلفة وآليات التسعير

تحرير منظومة الخبز في مصر.. هل يستفيد المواطن أم ترتفع الأعباء؟

قال وزير التموين شريف فاروق، إن الدولة تتجه إلى “تطبيق منظومة دعم أكثر كفاءة تستهدف الفئات المستحقة بصورة مباشرة”، موضحاً أن “رغيف الخبز سيظل متاحاً بسعر محدد وموحد من خلال الجهات التموينية، بينما سيحصل المستحقون للدعم على مبالغ مالية يتم إيداعها في محافظهم الإلكترونية أو بطاقات الدعم الخاصة بهم”.

وأضاف فاروق، في تصريحات تليفزيونية، أن المواطن الذي يحصل حالياً على دعم للخبز أو السلع “سيتم تحويل قيمة هذا الدعم إلى مبالغ نقدية تمكنه من شراء احتياجاته وفق الأسعار المتداولة”، مؤكداً أن الهدف من هذا التوجه هو “منح المستفيدين مرونة أكبر في الاستفادة من الدعم”.

وأشار إلى أن “قيمة الدعم النقدي التي يجري العمل على دراستها ستراعي معدلات التضخم وارتفاع الأسعار”، موضحاً أن الدولة “تأخذ في الاعتبار تكلفة سلة الغذاء الأساسية واحتياجات المواطنين عند تحديد قيمة الدعم”، موضحا أن “الدولة مستمرة في زيادة مخصصات الدعم بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية”، لافتاً إلى أن “أي آلية جديدة للدعم ستضع في اعتبارها تطورات الأسعار ومعدلات التضخم لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة فعالة”.

وفيما يتعلق بالمستفيدين من المنظومة الجديدة، أوضح  وزير التموين أن “عملية إضافة أو حذف المستفيدين ستكون مستمرة وفق معايير الاستحقاق، بما يضمن استبعاد غير المستحقين وإدراج الأسر الأكثر احتياجاً”، بالإضافة إلى أن نسبة المستفيدين من منظومة الدعم في مصر تبلغ حالياً نحو 65% من السكان، مقارنة بنسب تتراوح بين 20 و30% في العديد من الدول، مشيراً إلى أن “عمليات تنقية البطاقات التموينية تستهدف ضمان وصول الدعم إلى المستحقين الفعليين دون المساس بحقوق الفئات الأولى بالرعاية”.

حذر عضو مجلس النواب، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي، الدكتور فريدي البياضي من “المساس بمنظومة دعم الخبز قبل توافر ضمانات واضحة تكفل حماية الفئات المستفيدة”، موضحاً أن “الخبز يعد من السلع الأساسية المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي للمواطنين”.

قال عبد الله غراب رئيس الشعبة العامة للمخابز إن الخبز المدعم سيظل متاحًا للمواطنين المستحقين للدعم من خلال بطاقة التموين ضمن منظومة الدعم النقدي التي تعتزم الدولة تطبيقها خلال الفترة المقبلة.

قيمة دعم الخبز ستضاف إلى بطاقة التموين بحيث يحصل المواطن على مقابل نقدي يعادل قيمة حصته اليومية من الخبز المدعم مع استمرار صرف الخبز من المخابز المدعمة المجهزة بماكينات صرف الخبز.

وأوضح “غراب” أن الفرد المستحق للدعم سيحصل على قيمة تعادل 5 أرغفة يوميًا بما يوازي نحو 7 جنيهات ونصف في اليوم بينما تحصل الأسرة المكونة من 4 أفراد على ما يقرب من 30 جنيهًا يوميًا بما يعادل نحو 900 جنيه شهريًا تضاف إلى البطاقة التموينية.

وأشار إلى أن المواطن لن يكون ملزمًا بشراء الخبز فقط بهذه القيمة بل يمكنه استخدام المبلغ المضاف على البطاقة في شراء السلع التموينية الأخرى وفق احتياجاته مؤكدًا أن المستفيد سيكون له حرية الاختيار بين الحصول على الخبز أو شراء سلع أخرى.

كشف شريف فاروق، وزير التموين، أن وزارة التموين تحدد سعر العيش البلدي والحر مثلا الرغيف 70 جرامًا بـ 150 قرشًا، وعلى المخابز الالتزام به.

مخاوف بشأن الجودة والتكلفة

يثير توجه الحكومة المصرية نحو التحول إلى منظومة الدعم النقدي للخبز نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية والمجتمعية، باعتباره أحد أكثر ملفات الدعم حساسية وتأثيرًا على الحياة اليومية للمواطنين.

وبينما تسعى الدولة إلى إعادة هيكلة الدعم لضمان كفاءة التوزيع وتقليل الهدر، تتصاعد مخاوف المستهلكين وأصحاب المخابز على حد سواء من التداعيات المحتملة لهذا التحول، خاصة فيما يتعلق بجودة الخبز، وتكلفة الإنتاج، وآليات التسعير والمنافسة.

 توحيد سعر بيع الخبز

ويعكس هذا الجدل تعقيد المنظومة الحالية، التي تعتمد على دعم عيني طويل الأمد، في مقابل نموذج نقدي يمنح المستهلك حرية الاختيار، لكنه يفتح الباب أمام تحديات تتعلق بضبط الأسواق وضمان استقرار الأسعار في ظل تقلبات تكلفة الإنتاج.

وتبرز واحدة من أهم الإشكاليات في مسألة توحيد سعر بيع الخبز، رغم اختلاف جودة الدقيق المستخدم، إذ يُنتج الخبز الحر من دقيق استخراج 72%، بينما يُصنع الخبز المدعم من دقيق استخراج 87.5%، ما يثير تساؤلات حول عدالة المنافسة بين المنتجين في حال بيع المنتجين بالسعر ذاته.

وزن رغيف الخبز

وفي قلب هذا التحول، يبرز ملف وزن رغيف الخبز كأحد أبرز نقاط الجدل، حيث تتجه الحكومة إلى خفضه إلى نحو 70 جرامًا، مقارنة بـ90 درامًا حاليًا، في امتداد لمسار تدريجي من التخفيضات بدأ منذ سنوات.

هذا التوجه يثير مخاوف تتعلق بتراجع جودة الرغيف وقيمته الغذائية، في وقت يقترح فيه بعض العاملين بالقطاع بدائل أخرى، مثل تقليل عدد الأرغفة المخصصة للفرد بدلًا من تقليص وزن الرغيف، بما يحافظ على جودة المنتج النهائي.

هيكل سوق الدقيق

ولا تقتصر التحديات على الجوانب الفنية، بل تمتد إلى هيكل سوق الدقيق نفسه، حيث تطالب المخابز بتحريره بالتوازي مع تحرير منظومة الخبز، بما يسمح لها بالحصول على أنواع دقيق مختلفة وفقًا لمعايير الجودة والسعر.

ويرى منتجون أن إلزام المخابز حاليًا بمصادر محددة للدقيق يحد من قدرتها على تحسين الجودة أو خفض التكاليف، خاصة أن جودة القمح المستخدم تمثل عاملًا حاسمًا في تحديد جودة الخبز، حتى مع توحيد المواصفات الفنية للدقيق.

وفي سياق متصل، تمثل تكلفة الإنتاج أحد أكبر التحديات التي تواجه تطبيق المنظومة الجديدة، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار مدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الطاقة.

فمع الاتجاه إلى تحرير أسعار الغاز المستخدم في المخابز، وارتفاع أسعار الخميرة وباقي المستلزمات، تصبح الحاجة ملحة لوضع آليات تسعير مرنة تعكس التكلفة الحقيقية، وتضمن في الوقت نفسه استدامة عمل المخابز دون الإضرار بالمستهلك.

تكلفة إنتاج الرغيف

وتشير التقديرات إلى أن تكلفة إنتاج الرغيف قد تقترب من الحد الذي حددته وزارة التموين للبيع في المنظومة الجديدة، ما يضع ضغوطًا إضافية على هوامش الربح. ورغم الاتفاق على زيادة هامش ربح المخابز مقارنة بالنظام الحالي، فإن تحقيق التوازن بين الربحية وجودة المنتج سيظل مرهونًا بمدى دقة تسعير المدخلات واستقرارها.

كما تظل تقلبات أسعار القمح العالمية عاملًا مؤثرًا في معادلة التسعير، خاصة في ظل اعتماد مصر على استيراد نحو نصف احتياجاتها السنوية التي تقدر بنحو 10 ملايين طن.

وقد أظهرت أزمات سابقة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، مدى حساسية السوق المحلية لتقلبات الأسعار العالمية، ما يعزز أهمية بناء منظومة تسعير مرنة وقادرة على التكيف مع المتغيرات.

30 ألف مخبز

ومن المتوقع أن يبدأ تطبيق المنظومة الجديدة تدريجيًا مع مطلع العام المالي المقبل، عبر التعاون مع نحو 30 ألف مخبز، على أن يتم التوسع على مراحل تبدأ بالمحافظات الأقل كثافة سكانية. ويعكس هذا النهج حرص الحكومة على اختبار كفاءة النظام الجديد قبل تعميمه، مع إدخال تعديلات بناءً على التحديات التي قد تظهر خلال التطبيق.

في الوقت نفسه، تتضمن المنظومة حوافز لكل من المستهلكين والمخابز، حيث سيحصل المواطن على دعم نقدي يمكنه من شراء الخبز بالسعر المعلن، بينما تستفيد المخابز من تحرير جزئي في آليات التشغيل، بما في ذلك التوجه نحو فك الارتباط الإجباري مع مطاحن بعينها، وهو ما قد يعزز المنافسة ويرفع جودة المنتج على المدى الطويل.

وفي المحصلة، يمثل التحول إلى الدعم النقدي للخبز خطوة هيكلية كبرى في مسار إصلاح منظومة الدعم في مصر، تحمل في طياتها فرصًا لتحسين الكفاءة وتقليل الهدر، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات معقدة تتطلب إدارة دقيقة وتوازنًا بين اعتبارات العدالة الاجتماعية ومتطلبات السوق، لضمان عدم تأثر الفئات الأكثر احتياجًا، والحفاظ على أحد أهم مكونات الأمن الغذائي في البلاد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading