البصمة الكربونية لتعدين المعادن قد تكون أعلى 10 مرات من التقديرات الحالية
دراسة: انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من المناجم تستمر لآلاف السنين بعد توقف التعدين
كشفت دراسة علمية حديثة أن البصمة الكربونية لتعدين المعادن قد تكون أعلى بأكثر من عشرة أضعاف التقديرات الحالية، بسبب مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون ظل خارج حسابات الصناعة لعقود، يتمثل في مياه الصرف الحمضية التي تستمر في التدفق من مواقع التعدين حتى بعد إغلاقها بآلاف السنين.
ويحذر الباحثون من أن هذه النتائج قد تعيد تقييم الأثر البيئي للمعادن الأساسية المستخدمة في التحول نحو الطاقة النظيفة، مثل النحاس والزنك، اللذين يمثلان عنصرين رئيسيين في تصنيع توربينات الرياح، والبطاريات، وشبكات الكهرباء الحديثة.
كيف تتكون مياه المناجم الحمضية؟
تحتوي كثير من خامات المعادن على معادن كبريتيدية، أبرزها البيريت، الذي يربط المعادن بالكبريت داخل الصخور.
وعندما تكشف عمليات التعدين هذه الصخور للهواء ومياه الأمطار لأول مرة منذ ملايين السنين، تبدأ تفاعلات كيميائية تؤدي إلى تكوين حمض الكبريتيك المخفف، الذي يحمل معه الحديد والألومنيوم والمعادن الذائبة إلى الأنهار.
ورغم أن التأثير البيئي لهذه المياه في تلويث المجاري المائية معروف منذ سنوات، فإن الدراسة تشير إلى أن تفاعلها مع الصخور الجيرية أو مياه البحر يؤدي أيضًا إلى إطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وهو مصدر لم يكن يدخل ضمن حسابات الانبعاثات الكربونية لقطاع التعدين.

دراسة ميدانية في إسبانيا
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Environmental Science & Technology، وقاد الدراسة الدكتور لوك بريدجستوك، المتخصص في الجيوكيمياء بجامعة سانت أندروز البريطانية، حيث أجرى فريقه أبحاثًا ميدانية في حزام البيريت الإيبيري جنوب غرب إسبانيا، الذي يعد من أغنى مناطق العالم بخامات الكبريتيدات المعدنية.
وتضم المنطقة أكثر من 82 منجمًا عاملًا ومهجورًا، وتحتوي على ما يزيد على 1.6 مليار طن من خامات الكبريتيد، بينما استُخرج منها نحو 245 مليون طن من الخام بين عامي 1873 و2001.
وركز الباحثون على نهري تينتو وأودييل، اللذين يصنفان ضمن أكثر الأنهار حموضة في العالم نتيجة قرون من تصريف مياه المناجم، حيث يتراوح الرقم الهيدروجيني لنهر تينتو بين 2 و4، ما يمنحه لونه الأحمر المميز.

نصف الحمض يصل إلى البحر
أظهرت القياسات الميدانية أن نحو نصف الحموضة الناتجة عن المناجم يُعادل قبل وصولها إلى البحر عبر تفاعلها مع الصخور، بينما ينتقل النصف الآخر إلى مصب النهر، حيث تتفاعل مياه البحر مع الحمض، مطلقة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
وأكدت التجارب المعملية صحة هذه النتائج، إذ تطابقت القياسات المخبرية مع البيانات الميدانية بدرجة كبيرة.

انبعاثات تستمر لآلاف السنين
قدر الباحثون أن مياه الصرف الحمضية من النهرين تطلق حاليًا نحو 32 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
وعند مقارنة هذه الانبعاثات بإنتاج النحاس في المنطقة، تبين أنها تعادل ما بين 0.3 و4.2 طن من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من النحاس المنتج، وهو مستوى يقترب من الانبعاثات التقليدية المعروفة لإنتاج النحاس، والتي تتراوح بين طن واحد و9 أطنان لكل طن من المعدن.
لكن المفاجأة الكبرى تكمن في أن الصخور الكبريتيدية المتبقية في مخلفات التعدين ستواصل التفاعل مع الهواء والمياه لمئات أو حتى آلاف السنين، ما يعني استمرار إطلاق المزيد من ثاني أكسيد الكربون.
وتشير تقديرات الدراسة إلى أن إجمالي الانبعاثات المستقبلية قد يصل إلى 7 إلى 165 طنًا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من النحاس المستخرج، وهو ما يزيد على عشرة أضعاف التقديرات التقليدية للبصمة الكربونية.
ووصف الدكتور لوك بريدجستوك هذه النتائج بأنها “صادمة”، مؤكدًا أن الأثر الكربوني للمناجم يمتد لفترات زمنية طويلة بعد انتهاء عمليات التعدين.
تحدٍ أمام التعدين الأخضر
يرى الباحثون أن هذه النتائج تفرض تحديًا جديدًا أمام خطط إزالة الكربون من قطاع التعدين، إذ إن الاعتماد على الكهرباء النظيفة أو المعدات الكهربائية لن يقضي على الانبعاثات الناتجة عن مياه المناجم الحمضية.
كما أن بعض طرق معالجة هذه المياه، مثل استخدام الحجر الجيري لمعادلة الحموضة، تؤدي بدورها إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون، ما يجعل الحد من هذه الانبعاثات أكثر تعقيدًا.
وأشار الفريق إلى أن المنهجية المستخدمة في الدراسة يمكن تطبيقها في أي منطقة تعدين حول العالم تضم أنهارًا تستقبل مياه الصرف الحمضية، ما قد يساعد الحكومات والشركات على إدراج هذا المصدر ضمن حساباتها الرسمية لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وأكد الباحثون أن الوصول إلى أهداف الحياد الكربوني يتطلب احتساب جميع مصادر الانبعاثات، بما في ذلك تلك التي تستمر لقرون أو آلاف السنين بعد إغلاق المناجم.





