الصين تنتج أكثر من ثلث خضرواتها من 1.4% فقط من الأراضي الزراعية البيوت المحمية سر التفوق
الزراعة المحمية في الصين.. كيف تطعم ملايين البشر بمساحة محدودة؟ 170 مليار دولار سنويًا..
كشفت دراسة علمية حديثة أن الصين تنتج أكثر من ثلث خضرواتها من خلال البيوت المحمية التي تشغل نحو 1.4% فقط من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة، ما يجعل هذا القطاع أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد.
وقاد الدراسة جينلونغ دونغ، عالم التربة في Chinese Academy of Sciences، الذي أشرف على أول مسح ميداني وطني شامل للزراعة المحمية في الصين بهدف تقييم مساهمتها الفعلية في الإنتاج الزراعي.
وأظهرت النتائج أن البيوت المحمية الصينية تحقق عائدات سنوية تقترب من 170 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز القيمة الاقتصادية لمحصولي الذرة والقمح مجتمعين في البلاد.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Communications Earth & Environment العلمية.

وتُعد الصين أكبر دولة في العالم في مجال الزراعة المحمية، إذ تشير دراسات الأقمار الصناعية إلى أنها تستحوذ على أكثر من 80% من إجمالي مساحة البيوت المحمية عالميًا، بما يعادل نحو 1.8 مليون هكتار، بينما تصل إنتاجية بعض المحاصيل داخل هذه المنشآت إلى ستة أضعاف إنتاج الحقول المفتوحة.
واعتمد الباحثون في دراستهم على مقابلات ميدانية مع مزارعين في 246 مزرعة صغيرة موزعة على 16 مقاطعة صينية، إضافة إلى تحليل أكثر من 1200 عينة تربة من البيوت المحمية والحقول المجاورة لها.
وكشفت البيانات وجود 17 نظامًا زراعيًا مختلفًا يعتمد على مجموعة من الاستراتيجيات المشتركة، تشمل تصميم البيوت المحمية وفق الظروف المناخية المحلية، واختيار المحاصيل ذات القيمة التسويقية المرتفعة، وزيادة عدد دورات الإنتاج السنوية، واستغلال الأراضي الهامشية، وإدارة ملوحة التربة للحفاظ على خصوبتها.

وفي مقاطعة لياونينج شمال شرقي الصين، حيث تنخفض درجات الحرارة شتاءً إلى نحو 20 درجة مئوية تحت الصفر، نجح المزارعون في إنتاج الطماطم والفلفل طوال فصل الشتاء باستخدام بيوت محمية شمسية لا تحتاج إلى أنظمة تدفئة.
وتعتمد هذه المنشآت على جدران سميكة من التربة المضغوطة تخزن حرارة الشمس خلال النهار وتطلقها ليلًا، ما يحافظ على درجات حرارة داخلية أعلى من الخارج بنحو 10 إلى 25 درجة مئوية.
كما ساعد المناخ الجاف في المناطق الشمالية على الحد من انتشار الأمراض الفطرية والآفات الزراعية، الأمر الذي خفض استخدام المبيدات إلى نحو نصف المتوسط الوطني.
أما في جنوب الصين، حيث تتجاوز معدلات الأمطار السنوية ألف مليمتر، فقد جرى تطوير بيوت محمية مفتوحة الجوانب لحماية المحاصيل من الأمطار الغزيرة التي تتسبب في تلف الثمار وانتشار الأمراض.
وأوضحت الدراسة أن نجاح الزراعة المحمية لا يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وحدها، بل يرتكز على قدرة المزارعين على التكيف مع الظروف البيئية المحلية واستغلال الموارد المتاحة بكفاءة.

كما تلعب البيوت المحمية دورًا مهمًا في استثمار الأراضي التي يصعب استخدامها في الزراعة التقليدية، مثل الأراضي المالحة والمنحدرات الجبلية والترب الرملية الفقيرة.
ويستفيد المزارعون من المساحات المحدودة عبر تطبيق نظم الزراعة البينية، مثل زراعة الفراولة إلى جانب الطماطم أو البطيخ مع الفاصوليا الطويلة في المساحة نفسها، إضافة إلى تدوير المحاصيل على مدار العام لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الأرض.
وفي بعض مناطق مقاطعة يوننان المرتفعة، يتمكن المزارعون من حصاد الخضروات الورقية من ست إلى ثماني مرات سنويًا، مقارنة بمتوسط وطني يبلغ نحو دورتين ونصف فقط.
وتتميز معظم المزارع المحمية في الصين بصغر مساحتها، إذ لا تتجاوز مساحة المزرعة النموذجية 0.8 هكتار، إلا أن هذه المزارع تحقق إنتاجية مرتفعة بفضل المتابعة اليومية الدقيقة للمحاصيل ومكافحة الآفات وإدارة الموارد بصورة مكثفة.
كما يوفر القطاع فرص عمل واسعة في المناطق الريفية، خاصة لكبار السن والعائدين من المدن بعد تراجع فرص العمل الحضرية، ما يجعله أداة اقتصادية واجتماعية مهمة لدعم المجتمعات الريفية.
ورغم النجاحات الكبيرة، تواجه الزراعة المحمية تحديات متزايدة، أبرزها تقلبات الأسعار التي تعرض لها جميع المزارعين المشاركين في الدراسة خلال السنوات الخمس الأخيرة، فضلًا عن مخاطر الفيضانات والتقلبات المناخية الحادة.
كما سجلت الدراسة ارتفاع مستويات الملوحة والحموضة وتراكم النترات في التربة داخل البيوت المحمية مقارنة بالحقول المفتوحة، نتيجة الاستخدام المكثف للأسمدة.

ولمواجهة هذه المشكلات، يعتمد المزارعون على إضافة كميات كبيرة من السماد العضوي وإزالة الأغطية البلاستيكية خلال فصل الصيف للسماح للأمطار بغسل الأملاح المتراكمة في التربة.
وتوقعت النماذج المستقبلية التي أعدها الباحثون أن يؤدي نقل جزء من الإنتاج إلى المناطق الغربية الأكثر برودة وإشراقًا، مع التوسع في أكثر النظم الزراعية كفاءة، إلى خفض الحاجة إلى الأراضي الزراعية المخصصة للبيوت المحمية بنسبة تصل إلى 50% بحلول عام 2050، مع الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية.
كما تشير التقديرات إلى إمكانية زيادة فرص العمل في القطاع بنسبة تصل إلى 20% في السيناريو الأساسي، وقد ترتفع إلى أكثر من 150% إذا جرى توزيع العوائد بصورة تدعم العمالة الريفية الأكبر سنًا.
وخلصت الدراسة إلى أن نجاح الصين في إنتاج أكثر من ثلث خضرواتها من مساحة محدودة للغاية لا يعود إلى تقنية واحدة بعينها، بل إلى آلاف المزارع الصغيرة التي طورت حلولًا محلية تتناسب مع المناخ والتربة والظروف الاقتصادية لكل منطقة.





