جفاف شبيه بـ«العواصف الترابية» يهدد نصف كوكب الأرض بفقدان الإنتاجية النباتية
موجات الجفاف الطويلة تفوق في أضرارها كل التقديرات السابقة.. يقلل إنتاجية النباتات إلى النصف ويقوّض دورة الكربون العالمية
كشفت دراسة علمية كبرى قادها باحثون من جامعة ولاية كولورادو بالولايات المتحدة عن نتائج مثيرة تُظهر أن موجات الجفاف الطويلة والممتدة، إذا استمرت لسنوات متتالية، قد تُسبب خسائر في الإنتاجية النباتية تفوق ضعف الأضرار الناتجة عن الجفاف المعتدل، مما يهدد استقرار النظم البيئية التي تغطي قرابة 50% من سطح الأرض.
الدراسة التي نُشرت في دورية Science اعتمدت على تجربة عالمية غير مسبوقة عُرفت باسم “تجربة الجفاف الدولية ” (International Drought Experiment)، وشارك فيها أكثر من 170 عالمًا من ست قارات، لبناء قاعدة بيانات عالمية حول كيفية استجابة النظم البيئية في المراعي والأراضي الشجرية للجفاف المتكرر والشديد.
جفاف يتجاوز التوقعات: نتائج تُنذر بالخطر
أوضحت النتائج أن استمرار الجفاف الشديد لمدة أربع سنوات متتالية يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية النباتية بأكثر من الضعف مقارنة بفترات الجفاف المعتدل أو القصير، وهو ما يعكس ضعف قدرة النباتات على استعادة نموها في ظل نقص المياه لفترات طويلة.
وتشير الدراسة إلى أن هذا النوع من الجفاف المتكرر والممتد يُضعف النظم البيئية تدريجيًا، بحيث تفقد قدرتها الطبيعية على التكيف والتجدد.
ويحدث ذلك نتيجة تراجع عملية التمثيل الضوئي، التي تمثل البوابة الرئيسية لدخول ثاني أكسيد الكربون إلى الدورة الحيوية، مما يؤثر بدوره على توازن الكربون العالمي ويزيد من وتيرة الاحتباس الحراري.
وقالت البروفيسور ميليندا سميث، قائدة الفريق البحثي وأستاذة علم الأحياء بجامعة كولورادو: «الجفاف الممتد لا يترك للنظم البيئية فرصة للتعافي، بل يضاعف الأثر السلبي عامًا بعد عام. ما نراه اليوم يشبه إلى حد بعيد الظروف التي أدت إلى العواصف الترابية في ثلاثينيات القرن الماضي، ولكن مع تغير المناخ، يبدو أن مثل هذه الظواهر قد تصبح أكثر شيوعًا».

التجربة العالمية: محاكاة للجفاف في كل القارات
في إطار التجربة، أنشأ العلماء هياكل ميدانية للتحكم في كمية الأمطار، حيث جرى تقليل الهطول بنسب محددة على مدار أربع سنوات في عشرات المواقع تغطي أنواعًا مختلفة من التربة والنباتات.
وقد صُمِّمَت هذه الهياكل لمحاكاة ظروف جفاف تحدث مرة كل مئة عام، مما أتاح فرصة فريدة لدراسة التأثيرات طويلة المدى للجفاف المتطرف على الإنتاجية النباتية وتخزين الكربون في التربة.
وشملت الدراسة مواقع في أمريكا الشمالية والجنوبية، وأوروبا، وآسيا، وأستراليا، وأفريقيا، مما أتاح مقارنة واسعة بين النظم البيئية المختلفة.
وأشار الباحث آلان ناب، أحد المشاركين الرئيسيين في الدراسة، إلى أن هذا الاتساع الجغرافي منح العلماء رؤية شاملة حول مدى هشاشة النظم البيئية أمام التغيرات المناخية.
وقال ناب: «تغطي المراعي والأراضي الشجرية نحو نصف الكوكب، وتخزّن ما يزيد على 30% من الكربون العالمي، لذلك، فإن تدهور إنتاجيتها تحت تأثير الجفاف الممتد لا يهدد فقط التنوع الحيوي، بل يزعزع استقرار النظام المناخي بأكمله».

دروس من التاريخ: عندما تحوّل الجفاف إلى كارثة بيئية
تستدعي الدراسة المقارنة بين الوضع الحالي وظاهرة «العواصف الترابية» (Dust Bowl) التي اجتاحت مناطق واسعة من أمريكا الشمالية في ثلاثينيات القرن العشرين.
ففي ذلك الوقت، أدت سنوات متتالية من الجفاف الشديد إلى انهيار التربة الزراعية، وتكوّن عواصف غبارية هائلة دمّرت المحاصيل وتسببت في هجرة مئات الآلاف من المزارعين.
وترى سميث أن السيناريو نفسه قد يتكرر اليوم في أماكن أخرى من العالم، خاصة في ظل تزايد الاحترار العالمي، واتساع رقعة المناطق الجافة، وتراجع معدلات الأمطار في مناطق حيوية مثل السهول الإفريقية والمراعي الأسترالية، مما يجعل هذه الأنظمة البيئية على حافة التحول إلى أراضٍ قاحلة.

تأثيرات عميقة على دورة الكربون العالمية
أكد الباحثون أن انخفاض الإنتاجية النباتية تحت تأثير الجفاف الطويل يُقوِّض قدرة الكوكب على امتصاص الكربون من الغلاف الجوي، إذ تمثل النباتات المصدر الرئيس لتثبيت الكربون عبر التمثيل الضوئي.
ومع تراجع هذه العملية، ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون، مما يعزز ظاهرة الاحتباس الحراري ويزيد من احتمالية المزيد من الجفاف في دورة حلقة مفرغة.
وأوضحت الدراسة أن التأثير لا يقتصر على النباتات فحسب، بل يمتد إلى الميكروبات والتربة، حيث يؤدي الجفاف الممتد إلى تراجع نشاط الكائنات الدقيقة المسؤولة عن تحليل المواد العضوية، وهو ما يقلل من خصوبة التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه.
نحو فهم أدق لاستدامة النظم البيئية
تمثل هذه النتائج خطوة محورية في أبحاث التغير المناخي، إذ تبرز أهمية دراسة التفاعل بين شدة الجفاف ومدته، وهو عامل غالبًا ما كان يُغفل في الدراسات السابقة.
كما يوفّر المشروع قاعدة بيانات عالمية لدعم جهود التنبؤ بالمستقبل البيئي للأراضي العشبية، ويساعد الحكومات والمنظمات البيئية على صياغة سياسات أكثر دقة في إدارة الموارد المائية والزراعية.
وأكدت سميث أن «تجربة الجفاف الدولية» لا تزال مستمرة لتوسيع نطاق القياسات لتشمل أنواعًا جديدة من النظم البيئية، بما في ذلك الغابات الجافة والأراضي شبه القاحلة، بهدف فهم أعمق لكيفية تكيّف الحياة النباتية مع الإجهاد المائي المستمر.
دلالات عالمية
من جانبه، أشار الباحث يوجين كيلي، أستاذ علوم التربة بجامعة كولورادو، إلى أن هذه النتائج يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار في خطط الأمن الغذائي العالمي، إذ تعتمد قطاعات الإنتاج الحيواني والزراعي بشكل مباشر على إنتاجية المراعي والنباتات العلفية.
وأضاف أن أي تراجع طويل الأمد في إنتاج الكتلة الحيوية النباتية سيؤدي إلى نقص في الأعلاف، وانخفاض خصوبة الأراضي، وبالتالي إلى أزمات غذائية متتابعة في المناطق الهشة مناخيًا.
خلاصة
تؤكد الدراسة أن العالم يقف على أعتاب مرحلة مناخية جديدة، يصبح فيها الجفاف الممتد والمتكرر أحد أبرز التهديدات للنظم البيئية والزراعية، تمامًا كما كانت «العواصف الترابية» علامة فارقة في تاريخ القرن العشرين.
ويدعو الباحثون إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال رصد الجفاف والتكيف معه عبر الإدارة الذكية للمياه، والحفاظ على الغطاء النباتي، وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة قبل أن يفقد الكوكب قدرته على التعافي الذاتي.






Thank you for covering this so thoroughly. It helped me a lot.