تكشف تطورات سوق الغاز الطبيعي خلال النصف الأول من عام 2026 عن تحول حاد في موازين القوة بين المشترين العالميين، حيث تواجه أوروبا ضغوطًا متزايدة نتيجة تأخرها في تأمين احتياجاتها من الغاز، في وقت تتحرك فيه الأسواق الآسيوية بسرعة لاقتناص الشحنات، حتى في ظل ارتفاع الأسعار.
وتأتي هذه التحولات في سياق جيوسياسي معقد، فرضته الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا قبل اندلاع الصراع.
وقد أدى تعطل هذا الشريان الحيوي إلى زيادة حساسية الأسواق لأي اضطراب، ورفع مستوى المخاطر المرتبطة بالإمدادات.
رهان أوروبي على التهدئة.. لكن بتكلفة مرتفعة
اعتمدت الحكومات الأوروبية وشركات الطاقة خلال الأشهر الماضية استراتيجية تقوم على تأجيل شراء الغاز، على أمل أن تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء الصراع، واستعادة تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، بما يسمح بانخفاض الأسعار.
غير أن هذا الرهان تزامن مع تراجع مستويات التخزين إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022، ما جعل أوروبا أكثر عرضة لتقلبات السوق. ومع تصاعد حدة القتال واستمرار الاضطرابات، ارتفعت أسعار الغاز بشكل حاد، لتفقد هذه الاستراتيجية جزءًا كبيرًا من جدواها.
وقد سجلت أسعار الغاز في أوروبا ارتفاعًا بنحو 50% خلال شهر واحد، مدفوعة بعوامل متداخلة، أبرزها موجات الحر التي زادت الطلب على الطاقة، والمخاوف المتزايدة بشأن تأمين الإمدادات لفصل الشتاء. كما تجاوزت الأسعار 62 يورو لكل ميغاواط/ساعة، في مؤشر على شدة الضغوط التي تواجه السوق.

آسيا تتحرك سريعًا وتعيد توجيه السوق
في المقابل، تبنت الدول الآسيوية نهجًا مختلفًا، قائمًا على التحرك السريع لتأمين احتياجاتها من الطاقة، حتى وإن كان ذلك بأسعار مرتفعة. وقد قادت دول مثل الهند وباكستان وبنغلاديش موجة من المشتريات الفورية للغاز الطبيعي المسال، لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء خلال فصل الصيف، ودعم النشاط الصناعي.
كما عززت الصين، أكبر مستورد عالمي للغاز الطبيعي المسال، وارداتها بنسبة 8.3% خلال يونيو مقارنة بالعام السابق، مستفيدة من قوة الطلب المحلي وحرصها على تأمين الإمدادات مبكرًا.
ولم يقتصر الأمر على زيادة الطلب، بل امتد إلى إعادة توجيه الشحنات، حيث تم تحويل مسارات عدد من ناقلات الغاز من أوروبا إلى آسيا، نتيجة استعداد المشترين الآسيويين لدفع أسعار أعلى، ما زاد الضغوط على السوق الأوروبية.
مخزونات منخفضة وضغط متزايد قبل الشتاء
تشير البيانات إلى أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي تبلغ نحو 54% فقط من طاقتها الاستيعابية، مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ 70%، كما أنها أقل بكثير من الهدف المحدد عند 80% قبل بداية نوفمبر.
ويضع هذا الوضع أوروبا أمام معادلة صعبة: فإما الإسراع في شراء الغاز بأسعار مرتفعة، أو المخاطرة بنقص الإمدادات خلال فصل الشتاء. ويعكس ذلك تحولًا من سياسة الانتظار إلى ضرورة التحرك السريع تحت ضغط السوق.

تأثيرات اقتصادية أوسع
لا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الغاز على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى الاقتصاد ككل، حيث تؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي، وارتفاع أسعار الكهرباء، وزيادة الأعباء على الأسر.
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات قليلة فقط من أزمة الطاقة التي شهدتها أوروبا عقب الحرب في أوكرانيا، ما يعني أن القارة لم تتعافَ بالكامل من صدمة سابقة قبل أن تواجه تحديًا جديدًا.
معضلة التخلي عن الغاز الروسي
تزداد تعقيدات المشهد مع استمرار مساعي الاتحاد الأوروبي للتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي بحلول عام 2027. ورغم تراجع هذه الواردات، فإنها لا تزال تمثل نحو 17% من إجمالي الإمدادات خلال النصف الأول من العام، ما يجعل الاستغناء الكامل عنها تحديًا كبيرًا في ظل المنافسة العالمية الحالية.
خلاصة المشهد: سوق أكثر تنافسية وأعلى تكلفة
تشير التطورات الحالية إلى أن سوق الغاز الطبيعي المسال دخل مرحلة جديدة تتسم بارتفاع حدة المنافسة بين المشترين، وتزايد تأثير العوامل الجيوسياسية على الأسعار والتدفقات.
وفي هذا السياق، تبدو أوروبا أمام اختبار صعب لقدرتها على تحقيق التوازن بين أمن الإمدادات وتكلفة الطاقة، في وقت تفرض فيه الأسواق الآسيوية واقعًا جديدًا يقوم على السرعة في اتخاذ القرار والاستعداد لدفع أسعار أعلى.
وبذلك، لم تعد أزمة الغاز مجرد مسألة إمدادات، بل تحولت إلى معركة استراتيجية على الموارد، تعكس تحولات أعمق في موازين القوة الاقتصادية عالميًا.





