رئيس المناخ بالأمم المتحدة: «حروب المناخ الثقافية» قد تقود العالم إلى كارثة اقتصادية
180 مليار يورو في صيف واحد.. الأمم المتحدة: تغير المناخ أصبح حالة طوارئ للأمن الاقتصادي
حذر سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، من أن تحويل أزمة المناخ إلى قضية استقطاب سياسي أو جزء من «حروب ثقافية» قد يدفع العالم إلى نتائج اقتصادية كارثية، مؤكدًا أن تغير المناخ أصبح بالفعل حالة طوارئ للأمن الاقتصادي على مستوى القارة الأوروبية.
وجاء تحذير المسؤول الأممي في وقت أظهرت فيه بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ أن أغسطس 2026 تعادل مع يوليو 2023 باعتباره أكثر الشهور حرارة على الإطلاق وفق السجل المستخدم في التقرير، بعدما بلغ متوسط الحرارة العالمية 1.65 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بالتزامن مع تسجيل درجات حرارة قياسية لسطح البحار خلال الشهر نفسه.
وقال ستيل، أمام لجنة البيئة في البرلمان الأوروبي في بروكسل، إن صيف هذا العام تسبب في موجات حر شديدة أودت بحياة عشرات الآلاف في أوروبا، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية والأعمال والاقتصادات، فضلًا عن عمليات إجلاء جماعي وإغلاق محطات كهرباء واضطراب طرق التجارة وتراجع إنتاج المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء.
ووفق تقدير أورده ستيل، بلغت التكلفة الاقتصادية لظواهر الطقس المتطرفة التي شهدتها أوروبا هذا الصيف نحو 180 مليار يورو من خسائر الإنتاجية والاضطرابات التي طالت الغذاء والطاقة والنقل، بما يعادل فقدان نحو نقطة مئوية كاملة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي تقريبًا النسبة التي يتوقع أن ينمو بها اقتصاد الاتحاد الأوروبي هذا العام.
المناخ ليس حربًا ثقافية
رفض ستيل التعامل مع تغير المناخ باعتباره قضية حزبية أو أداة للاستقطاب السياسي، مؤكدًا أن آثار الأزمة المناخية تتجاوز الانتماءات السياسية وتمس القضايا التي تؤثر مباشرة في حياة الناخبين.
وقال إن المناخ يرتبط بصحة الأسر، وسلامة المجتمعات، والاستقرار الاقتصادي، وتوافر الغذاء والمياه بأسعار مناسبة، فضلًا عن الوظائف وتكاليف الأعمال وفواتير الأسر.
وأضاف أن تراجع التحرك المناخي لا يعني فقط تأخير خفض الانبعاثات، وإنما يعني أيضًا زيادة المخاطر المرتبطة بالتضخم وتكاليف المعيشة والأمن والسيادة والنمو الاقتصادي والوظائف.
وأشار إلى أن أزمة الوقود الأحفوري يمكن أن تزيد تكاليف الاقتراض الحكومي، بما يقلص المساحة المالية المتاحة أمام الحكومات لتوفير الخدمات الأساسية التي تحتاج إليها المجتمعات.
وأكد ستيل أن التعامل مع المناخ باعتباره ملفًا ثانويًا أو قضية خلافية سياسية يتجاهل حقيقة أن آثار الاحترار أصبحت ملموسة بالفعل في الاقتصاد والمجتمع.

180 مليار يورو فاتورة صيف واحد
لم تكن آثار موجات الحر مقتصرة على ارتفاع درجات الحرارة، وأوضح ستيل أن الصيف شهد عمليات إجلاء جماعية، وإغلاق محطات كهرباء، واختناق طرق التجارة، وفقدان محاصيل، وتراجعًا في الإنتاجية، وارتفاعًا في أسعار الغذاء.
كما أشار إلى فيضانات مدمرة في منطقة الهيمالايا، وانقطاعات في الكهرباء ونقص المياه المرتبط بالحرارة في شمال أفريقيا، محذرًا من أن آثار تغير المناخ أصبحت تدفع بصورة متزايدة إلى الهجرة القسرية داخل الدول وعبر الحدود.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال آثار الطقس المتطرف من كونها خسائر محلية أو موسمية إلى ضغوط مستمرة على اقتصادات الدول، عبر تعطيل الإنتاج وسلاسل الإمداد والطاقة والزراعة والنقل.
أغسطس يعيد العالم فوق حاجز 1.5 درجة
تزامنت تصريحات ستيل مع إعلان بيانات كوبرنيكوس أن أغسطس 2026 كان شهرًا استثنائيًا في السجل المناخي العالمي.
وبلغت درجات الحرارة العالمية خلال الشهر 1.65 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، كما وصلت درجات حرارة سطح البحر إلى أعلى مستويات مسجلة لشهر أغسطس.
وبذلك تعادل أغسطس 2026 مع يوليو 2023 باعتباره أكثر شهر حرارة في السجل المشار إليه في البيانات، بينما شهدت مناطق واسعة من العالم ظروفًا أكثر جفافًا من المعتاد خلال الصيف.
وأظهرت بيانات كوبرنيكوس أن مناطق في غرب ووسط أوروبا، إلى جانب أجزاء من إسكندنافيا وجنوب شرق أوروبا، شهدت ظروفًا أكثر جفافًا من المعتاد، كما سجلت مناطق واسعة في جنوب الولايات المتحدة وشمال المكسيك وأجزاء من كندا والمغرب العربي والقرن الأفريقي وسيبيريا وآسيا الوسطى والصين وأمريكا الجنوبية وجنوب أفريقيا وشمال أستراليا ظروفًا أكثر جفافًا من المتوسط.
تجاوز 1.5 درجة في شهر لا يعني خرق اتفاق باريس
ورغم تسجيل 1.65 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية خلال أغسطس، فإن ذلك لا يعني وحده أن هدف اتفاق باريس عند 1.5 درجة مئوية قد تم خرقه رسميًا.
فالهدف المتعلق بـ1.5 درجة مئوية يقاس على أساس متوسط طويل الأجل، وليس من خلال شهر منفرد أو حتى فترة قصيرة من الارتفاع.
لكن تسجيل مثل هذه المستويات الشهرية يمثل مؤشرًا مهمًا على الاتجاه العام للاحترار، خصوصًا عندما يترافق مع ارتفاع قياسي في حرارة سطح المحيطات وزيادة شدة الظواهر الجوية المتطرفة.
وقالت سامانثا برجس، المسؤولة الاستراتيجية عن المناخ في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، الذي يدير خدمة كوبرنيكوس، إن أغسطس 2026 كان شهرًا استثنائيًا في السجل المناخي العالمي، مشيرة إلى اقترانه بدرجات حرارة قياسية لسطح البحار وبأكثر صيف حرارة مسجل في غرب أوروبا.
وأكدت أن هذه البيانات توضح كيف يدفع تغير المناخ إلى زيادة الظواهر المتطرفة في الغلاف الجوي والمحيطات، وأن آثارها أصبحت محسوسة بصورة متزايدة لدى المجتمعات والاقتصادات والنظم البيئية حول العالم.

إل نينيو يقترب.. لكن الوقود الأحفوري هو المحرك الأساسي
تزداد المخاوف من ارتفاع درجات الحرارة مع دخول ظاهرة إل نينيو مرحلة أكثر قوة.
وتشير المادة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة المسجل في أغسطس حدث قبل أن يكون لظاهرة إل نينيو المرتقبة تأثير كبير، في حين يُتوقع أن تصل الظاهرة إلى قوتها الكاملة قرب نهاية العام، مع احتمال أن تكون من بين أشد حالات إل نينيو المسجلة.
وإل نينيو ظاهرة مناخية طبيعية متكررة تحدث نتيجة تغيرات في الرياح فوق المحيط الهادئ، ما يؤدي إلى ارتفاع حرارة المحيط ونقل كميات كبيرة من الحرارة إلى الغلاف الجوي، وتنعكس آثارها على مناطق مختلفة من العالم في صورة موجات حر وفيضانات وجفاف.
لكن فريدريكه أوتو، أستاذة علوم المناخ في إمبريال كوليدج لندن، شددت على أن إل نينيو ليس التفسير الأساسي لدرجات الحرارة القياسية، موضحة أن العامل المحرك الرئيسي يظل الاحتراق المستمر للوقود الأحفوري.
وأضافت أن تغير المناخ يجعل كل ظاهرة إل نينيو أكثر حرارة، وأن استمرار حرق الفحم والنفط والغاز سيعني تكرار الأشهر التي تحطم الأرقام القياسية.
الطاقة النظيفة.. مخرج اقتصادي لأوروبا
يرى ستيل أن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يمثل فقط استجابة بيئية لأزمة المناخ، بل يمكن أن يكون أيضًا جزءًا من استراتيجية اقتصادية وأمنية لأوروبا.
وأشار إلى أن مصادر الطاقة المتجددة توفر حاليًا نحو نصف الكهرباء في القارة الأوروبية، كما أن الطاقة الشمسية وحدها وفرت لأوروبا أكثر من 30 مليار يورو من واردات الغاز التي كان يمكن تجنبها خلال الأشهر الستة الأولى من الصراع في الشرق الأوسط، وفق الأرقام التي أوردها.
وعلى المستوى العالمي، قال ستيل إن الاستثمارات في الطاقة النظيفة تجاوزت تريليوني دولار خلال العام الماضي، أي ضعف الاستثمارات في الوقود الأحفوري.
وتعكس هذه الأرقام التحول المتزايد في النظر إلى الطاقة المتجددة باعتبارها جزءًا من أمن الطاقة وتقليل التعرض لتقلبات أسواق الوقود الأحفوري، وليس مجرد أداة لخفض الانبعاثات.
التغير المناخي يضغط على الغذاء والمياه والهجرة
تتسع دائرة المخاطر الاقتصادية مع تداخل تغير المناخ مع الزراعة والغذاء والمياه والطاقة.
فارتفاع درجات الحرارة وموجات الجفاف يمكن أن يؤدي إلى تراجع المحاصيل، في الوقت الذي تؤدي فيه اضطرابات النقل والطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والتوزيع.
ومع انخفاض الإنتاج الزراعي، يمكن أن تنتقل الصدمة إلى الأسواق المحلية والعالمية في صورة ارتفاع أسعار الغذاء، بينما يزيد الضغط على المياه في المناطق الأكثر تعرضًا للجفاف وارتفاع الحرارة.
كما يمكن أن تؤدي الفيضانات وموجات الحر والجفاف وتدمير سبل العيش إلى زيادة الهجرة القسرية، وهو ما يجعل المناخ عاملًا متداخلًا مع ملفات الأمن والاستقرار والتنمية.
العالم أمام مسارين للمستقبل
حذر ستيل من أن غياب التعاون المناخي الدولي قد يقود العالم إلى احترار يتجاوز 4 درجات مئوية، بينما تشير السياسات الحالية، في حال استمرارها، إلى مسار يقود إلى نحو 2.6 درجة مئوية، وهو مستوى لا يزال أعلى بكثير من حد 1.5 درجة مئوية الذي اتفقت الدول على السعي إلى عدم تجاوزه على المدى الطويل.
وهذا الفارق بين أكثر من 4 درجات مئوية ونحو 2.6 درجة يوضح أهمية التعاون الدولي، حتى مع صعوبة تحقيق هدف 1.5 درجة.
وأشار ستيل إلى تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة خلص إلى أن تجاوز حد 1.5 درجة سيحدث، ولو بصورة مؤقتة، حتى في حال اتخاذ العالم إجراءات منسقة لإعادة درجات الحرارة إلى مستويات أقل لاحقًا.
نقاط التحول.. الخطر بعد تجاوز الحدود الحرارية
كلما ارتفعت درجات الحرارة فوق مستويات 1.5 درجة، تزداد المخاطر المرتبطة بنقاط التحول المناخية، وهي العتبات التي يمكن أن يؤدي تجاوزها إلى تغييرات واسعة أو يصعب عكسها في بعض النظم الطبيعية.
وتشمل المخاطر المرتبطة بهذه النقاط الجليد البحري في القطب الشمالي وغابات الأمازون وغيرها من الأنظمة التي تؤدي أدوارًا مهمة في استقرار النظام المناخي.
وقالت روث فولر، كبيرة مستشاري المناخ في منظمة WWF بالمملكة المتحدة، إن العام الحالي شهد تحطيم العديد من الأرقام القياسية، ما يزيد مخاطر حدوث تغيرات لا رجعة فيها في النظم الطبيعية إذا تم دفعها إلى ما بعد نقاط التحول.
COP31.. الأولوية للتنفيذ
مع اقتراب مؤتمر الأطراف COP31، الذي تستضيفه تركيا في وقت لاحق من العام، دعا ستيل الاتحاد الأوروبي إلى المساعدة في تحقيق تقدم ملموس في العمل المناخي.
وأكد أن الأولوية يجب أن تكون تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بدلًا من إعادة فتح الاتفاقات السابقة، مشيرًا إلى أن خفض انبعاثات الميثان، وأمن الغذاء، وقدرة المدن على الصمود أمام آثار المناخ، تمثل ملفات ذات أولوية مشتركة.
وتأتي هذه الدعوة في لحظة يتزايد فيها الضغط على الحكومات لإثبات أن سياسات المناخ لا تقتصر على الالتزامات الدولية، وإنما تؤدي إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد والطاقة والغذاء والبنية التحتية.

المناخ أصبح قضية اقتصاد وأمن
اختصر ستيل رؤيته في رسالة تتجاوز الانقسام السياسي حول المناخ، مؤكدًا أن العالم يعيش عصرًا مستقطبًا، لكن التضخم عدو مشترك، والأمن قضية مشتركة، كما أن الصحة والوظائف والمجتمع والازدهار مصالح تتقاطع عندها المجتمعات مهما اختلفت توجهاتها السياسية.
وبذلك لم يعد تغير المناخ، وفق هذا الطرح، قضية منفصلة عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية؛ فارتفاع الحرارة يضغط على الطاقة، والجفاف يضغط على المياه والغذاء، والفيضانات تضرب البنية التحتية، والطقس المتطرف يؤثر في الإنتاجية والتجارة، وتراجع الاستقرار المناخي يمكن أن يزيد ضغوط الأسعار والهجرة.
والرسالة الأهم التي تخرج من تحذيرات المسؤول الأممي هي أن الاقتصاد لم يعد ينتظر المستقبل المناخي؛ بل بدأ بالفعل في دفع فاتورته، من خسائر الإنتاجية والطاقة والغذاء إلى أضرار البنية التحتية والهجرة والضغط على الموازنات العامة.
ولهذا، فإن معركة المناخ لم تعد مجرد خلاف حول السياسات البيئية، وإنما أصبحت ــ بصورة متزايدة ــ معركة حول تكلفة المعيشة، وأمن الطاقة والغذاء والمياه، والقدرة التنافسية، والوظائف، واستقرار الاقتصادات.





