أخبارتغير المناخ

«البحار بلا جوازات سفر».. تركيا تضع خريطة COP31 لمواجهة المناخ بالتمويل والتنفيذ

رئيس COP31: العالم لا يحتاج مزيدًا من الوعود.. نريد مشروعات وتمويلًا ونتائج

أكد مراد كوروم، وزير البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ التركي والرئيس المعيّن لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ COP31، أن أحد أبرز التحديات التي تواجه قمة المناخ المقبلة يتمثل في حقيقة أن التلوث وارتفاع حرارة المياه وارتفاع مستوى سطح البحر لا تتوقف عند الحدود الوطنية.

وقال كوروم، خلال مشاركته في فعالية «الحوار الأزرق – المحيطات والبحار وتغير المناخ والقدرة على الصمود» التي عقدت في مدينة طرابزون التركية على ساحل البحر الأسود في 10 سبتمبر، إن البحار، رغم اختلاف أسمائها، تمثل أجزاء مترابطة من نظام مناخي وبيئي واحد.

وفي حوار مع مجلة Renewable Matter، أوضح كوروم أن تركيا تستعد لرئاسة COP31 في أنطاليا من خلال التركيز على مجموعة من الملفات، في مقدمتها الدبلوماسية المناخية، وتسريع التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وتمويل العمل المناخي، وأمن المياه، وحماية المحيطات والبحار.

وشدد الوزير التركي على أن الاختبار الحقيقي للمؤتمر لن يكون في عدد القرارات التي تصدر عنه، وإنما في قدرة الدول على تحويل الالتزامات والتعهدات إلى إجراءات ومشروعات ملموسة على الأرض.

«مؤتمر تنفيذ» بدلًا من الاكتفاء بالتعهدات

وصف كوروم COP31 بأنه سيكون «مؤتمر تنفيذ»، مؤكدًا أن رئاسة تركيا للمؤتمر ستسترشد بثلاثة مبادئ هي: الحوار، والتوافق، والعمل.

وقال إن العالم لا يريد الاكتفاء بالكلمات التي تقال داخل قاعات المؤتمرات، وإنما يريد أن يرى كيف تتحول هذه الكلمات إلى نتائج في المدن وفرص العمل والحياة اليومية ومستقبل الشعوب.

وأوضح أن العالم شهد بالفعل ارتفاعًا في متوسط درجات الحرارة بنحو 1.3 درجة مئوية، لكنه اعتبر أن الحفاظ على الاحترار العالمي في حدود 1.5 درجة مئوية سيظل نجاحًا مهمًا، مؤكدًا أن ذلك هو السبب الذي يجعل التنفيذ محورًا أساسيًا في COP31.

وأضاف أن قرارات مهمة اتخذت بالفعل خلال مؤتمرات المناخ السابقة، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل تلك القرارات إلى مشروعات حقيقية، معربًا عن تطلع تركيا إلى أن يتم تقييم نتائج هذه المشروعات بعد خمس سنوات، من خلال معرفة ما إذا كانت حصلت على التمويل، وما إذا أصبحت السواحل أكثر قدرة على الصمود، وما إذا تحسن وصول الدول النامية إلى الموارد.

تركيا: البحار لا تعترف بالحدود

وفي ملف حماية البحار، أكد كوروم أن التحديات البيئية والمناخية العابرة للحدود تتطلب تعاونًا دوليًا يتجاوز التقسيمات السياسية.

وقال إن قطعة من النفايات تلقى في البحر الأسود يمكن أن تظهر في البحر المتوسط، كما يمكن لمشكلة بيئية في منطقة واحدة أن تصل إلى المحيطات، في حين يمكن لما يحدث في المحيطات أن يعود تأثيره إلى البشر.

وأشار إلى أن هذه القضية لا تقتصر على حماية البيئة، موضحًا أن وصول البلاستيك إلى البحار يؤدي إلى ابتلاعه من جانب الأسماك، ثم يمكن أن ينتقل في النهاية إلى السلسلة الغذائية التي يعتمد عليها الإنسان.

وأكد ضرورة تغيير النظرة إلى النفايات، بحيث لا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد مخلفات، وإنما باعتبارها موارد يمكن استعادتها وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، أطلقت تركيا في طرابزون في 10 سبتمبر منصة العمل بشأن النفايات البحرية (Marine Litter Action Platform)، وهي منصة رقمية عالمية تهدف إلى تحويل التعاون الدولي في مواجهة النفايات البحرية إلى إجراءات قابلة للقياس.

وأوضح كوروم أن المنصة تستهدف إظهار الإجراءات المتخذة بصورة واضحة وقابلة للقياس، وتبادل المعرفة، وتتبع أثر المشروعات والحلول، بحيث لا تبقى التجارب التي تطور في البحر الأسود محصورة في المنطقة، وإنما تنتقل إلى جهود عالمية أوسع لحماية البحار.

التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري

وفيما يتعلق بالانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، أقر كوروم بأن القضية لا تزال من أكثر الملفات إثارة للخلاف في مفاوضات المناخ الدولية.

وأوضح أنه قد لا يظهر بند محدد للوقود الأحفوري في «أجندة العمل» الخاصة بالمؤتمر، لكن هناك العديد من الملفات التي يمكن أن تؤدي بصورة غير مباشرة إلى تقليل الاعتماد عليه.

وأشار إلى أن تركيا تستهدف الوصول إلى 35% من الكهرباء بحلول عام 2035، إلى جانب خفض النفايات بنسبة 50%، وزيادة استخدام المواد الدائرية إلى 15%، وخفض كثافة استخدام الطاقة في المناطق الحضرية بنسبة 20%.

وأكد أن التحول في الطاقة لا يرتبط بمصدر واحد، وإنما يمكن أن يشمل طاقة الرياح والمياه والطاقة الشمسية والهيدروجين والطاقة النووية، معتبرًا أن جميع هذه المصادر يمكن أن تسهم في عملية الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري.

وقال إن قرارًا اتُخذ بالفعل بشأن الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وإن رئاسة COP31 ستعمل على البناء عليه وتعزيز الإرادة السياسية التي ظهرت خلال مؤتمر الأطراف السابق.

واشنطن تتراجع.. والقطاع الخاص الأمريكي حاضر

وفي ظل تراجع الحكومة الأمريكية عن المشاركة في الدبلوماسية المناخية الدولية، قال كوروم إن القطاع الخاص الأمريكي لا يزال يبدي اهتمامًا بالمشاركة في العمل المناخي.

وأشار إلى اتصالات أجراها مع شركات مسجلة لدى غرف التجارة الأمريكية، من بينها Google وApple وAmazon، موضحًا أن عددًا من الصناعيين والمنتجين يرغبون في مواصلة العمل في الملفات ذات الصلة بالمناخ وتمثيل الولايات المتحدة خلال COP31.

وأضاف أن القطاع الخاص الأمريكي يريد المشاركة، كما أن المجتمع الأمريكي، وفق رؤيته، يريد ذلك أيضًا، مشيرًا إلى إمكانية تغير المواقف والتوجهات السياسية.

وأكد أن الأزمات الراهنة تدفع الشركات والمؤسسات المالية الأمريكية إلى البحث عن الاستثمارات وتنويع مصادر الطاقة، وهو ما يفتح المجال أمام استمرار المشاركة الاقتصادية في التحول المناخي رغم تراجع الحكومة الأمريكية عن الدور الدبلوماسي.

الصين وروسيا ضمن حسابات COP31

وبشأن الصين، قال الوزير التركي إن أنقرة على اتصال مستمر مع بكين، مشيدًا بما وصفه بالتحول الذي تقوده الصين داخل أراضيها، خاصة في مجالات السيارات الكهربائية ومشروعات الطاقة المتجددة.

وأشار إلى أن الصين تستثمر داخل البلاد وفي دول مختلفة حول العالم، وتبحث عن فرص استثمارية جديدة، ما يجعلها طرفًا مهمًا في جهود التحول المناخي العالمية.

أما بالنسبة إلى روسيا، فأكد كوروم أنه على اتصال معها أيضًا، مشددًا على أن مكافحة تغير المناخ تتطلب الوصول إلى توافق دولي.

وأوضح أن تركيا ستواصل لعب دور الوسيط بين روسيا وأوكرانيا، وأنها ستلتزم بالحياد خلال عملية COP31، مؤكدًا أن إشراك جميع الأطراف يمثل ضرورة للوصول إلى توافق في قضايا المناخ.

«إذا تشاركنا الهدف.. يجب أن نتشارك الوسائل»

ويبرز تمويل المناخ باعتباره أحد الملفات الرئيسية التي تريد تركيا وضعها في قلب أجندة التنفيذ.

وقال كوروم إن موجات الحر الشديدة والجفاف والفيضانات والإجهاد المائي أصبحت ظواهر أكثر وضوحًا في حياة الناس اليومية، وإن تغير المناخ بات يؤثر في الطاقة والصناعة والمدن والتجارة والزراعة والمياه والتنمية.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب مشروعات يمكن ربطها مباشرة بمصادر التمويل والتكنولوجيا.

وفي تعبيره عن مفهوم العدالة المناخية، قال: «إذا تشاركنا الهدف، فيجب أن نتشارك أيضًا الوسائل».

وشدد على ضرورة تمكين الدول التي تتعرض بصورة مباشرة لآثار تغير المناخ، رغم عدم تحملها المسؤولية الأكبر عن التسبب فيه، من الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والموارد اللازمة للتكيف والصمود.

المحيطات والدول الجزرية.. التمويل لا يصل إلى أصحاب الحاجة

وأشار كوروم إلى أن المحيطات لا تزال من أقل مجالات العمل المناخي حصولًا على التمويل، موضحًا أن هناك تحديات مرتبطة بالوصول إلى التمويل، وإعداد المشروعات، ونقل التكنولوجيا.

وكشف عن تطوير آلية تهدف إلى مشاركة المعرفة والخبرات، وربط المشروعات، ولا سيما المشروعات المقدمة من الدول الجزرية الصغيرة والدول الساحلية النامية، بمصادر التمويل.

وأوضح أن العالم يمتلك رأس المال والتكنولوجيا والمعرفة، لكن هذه العناصر لا تجتمع دائمًا في المكان والوقت المناسبين، ولذلك تسعى تركيا خلال COP31 إلى ربط المشروعات بالتمويل، وربط التمويل بالتنفيذ.

وأكد أن الدول الجزرية في المحيط الهادئ ستحظى بالأولوية، مستشهدًا برسالة تلقاها من شاب ينتمي إلى إحدى الدول الجزرية، عبّر فيها عن الخوف من اختفاء بلاده تحت المياه، وما يعنيه ذلك من فقدان للمنازل والأراضي والأحلام والشباب والتاريخ.

وقال كوروم إن هذه المخاوف يجب أن تكون جزءًا من الوعي الذي تتحرك على أساسه مفاوضات المناخ.

تركيا وأستراليا.. توزيع الأدوار في COP31

وفيما يتعلق بالترتيبات بين تركيا وأستراليا في COP31، شدد كوروم على أن البلدين ليسا «رئيسين مشاركين» للمؤتمر.

وأوضح أن تركيا هي رئيس COP31، بينما تتولى أستراليا رئاسة المفاوضات، مؤكدًا أن هناك تشاورًا مستمرًا بين البلدين، لكن القرار النهائي يظل من اختصاص رئاسة COP31.

وقال إن أنقرة وكانبيرا تعملان في تناغم ومنظور مشترك، مشيرًا إلى أن عدم قدرة تركيا وأستراليا على التوصل إلى اتفاق بشأن قضية ما سيجعل من غير الواقعي توقع اتفاق الدول الـ196 المشاركة في العملية.

وأكد أن الطريق إلى التوافق يمر عبر الاستماع المتبادل والحوار وبناء أرضية مشتركة بين الأطراف.

المجتمع المدني والاحتجاجات في المنطقة الخضراء

وفيما يتعلق بدور المجتمع المدني خلال COP31، قال كوروم إن الرئاسة التركية على اتصال بالمنظمات العاملة في إطار عملية الأمم المتحدة، وإنها تجري مشاورات مستمرة معها.

وأوضح أنه سيتم تخصيص مساحات مجانية في المنطقة الخضراء (Green Zone)، بما يسمح لمنظمات المجتمع المدني بعرض مطالبها ورؤاها المتعلقة بالمفاوضات.

وأكد أن الرئاسة التركية تدير المؤتمر نيابة عن 196 دولة، وأنها ملتزمة بالعدالة والشفافية وإتاحة الفرصة للجميع للتعبير بحرية.

من طرابزون إلى أنطاليا

وتحاول تركيا من خلال الفعاليات التحضيرية في طرابزون الانتقال من الخطاب العام حول تغير المناخ إلى نموذج يركز على المشروعات والتمويل والنتائج القابلة للقياس.

ويربط «الحوار الأزرق» بين قضايا البحار والمحيطات وتغير المناخ والقدرة على الصمود، في وقت تتزايد فيه الضغوط على السواحل والموارد المائية والنظم البيئية البحرية.

وتضع تركيا أمام COP31 تصورًا يقوم على أن نجاح المؤتمر لن يقاس فقط بما يتم الاتفاق عليه في أنطاليا، وإنما بما سيحدث بعد مغادرة الوفود، عندما تتحول التعهدات إلى استثمارات ومشروعات، وتتحول خطط التكيف إلى بنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة المخاطر، وتصل التكنولوجيا والتمويل إلى الدول الأكثر تعرضًا لتغير المناخ.

وبين البحر الأسود والبحر المتوسط والمحيطات، تبدو الرسالة التركية واضحة: الأزمات المناخية لا تحمل جوازات سفر، ولذلك لا يمكن أن تكون حلولها محكومة بالحدود.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة