أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

الشرق الأوسط في دائرة الخطر.. نماذج المناخ تفوّت الإنذارات المبكرة لموجات الحر

لماذا تفشل النماذج المناخية في التنبؤ المبكر بموجات الحر القاتلة؟

دراسة تكشف أسباب فشل النماذج المناخية في رصد الإنذارات المبكرة لموجات الحر القاتلة

رغم التقدم الكبير الذي حققته النماذج المناخية الحديثة في محاكاة الظواهر الجوية المتطرفة، فإن دراسة علمية جديدة كشفت عن نقطة ضعف جوهرية تتمثل في عجز هذه النماذج عن التقاط الإشارات الجوية المبكرة التي تسبق موجات الحر الشديدة بأيام، وهي الإشارات التي قد تتيح للسلطات والمجتمعات وقتًا إضافيًا للاستعداد لمواجهة الكوارث المناخية.

وتشير النتائج إلى أن أكثر النماذج المناخية تطورًا في العالم تستطيع إعادة إنتاج موجات الحر بعد تشكلها بالفعل، لكنها غالبًا ما تفشل في تمثيل العمليات الجوية التي تؤدي إلى نشوئها في المقام الأول، ما يحد من قدرتها على تقديم إنذارات مبكرة دقيقة وفعالة.

اختبار لأهم النماذج المناخية العالمية

قاد الدراسة الباحثون أندريه كليف، وحاييم جارفينكل، ودوريتا روستكير إدلشتاين، وعساف هوخمان من الجامعة العبرية في القدس، حيث قام الفريق بتحليل 11 نموذجًا مناخيًا متطورًا تُستخدم على نطاق واسع في تقييمات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ Intergovernmental Panel on Climate Change.

وقارن الباحثون نتائج هذه النماذج مع بيانات الرصد الجوي الفعلية في منطقة شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط، وهي منطقة تُعد من أسرع مناطق العالم احترارًا وأكثرها تعرضًا لموجات الحر الطويلة والعنيفة.

المشكلة ليست في موجات الحر نفسها

موجات الحر والجفاف
موجات الحر

 

تؤكد الدراسة أن النماذج المناخية لا تخطئ بالضرورة في تمثيل موجات الحر من حيث درجات الحرارة أو مدة الحدث أو نطاقه الجغرافي العام، لكنها تعاني من قصور واضح في محاكاة المراحل التي تسبق هذه الظواهر.

ففي الواقع، لا تنشأ موجات الحر بصورة مفاجئة، بل تكون نتيجة سلسلة معقدة من التغيرات الجوية التي قد تبدأ قبل أسبوع أو أكثر من وصول الحرارة إلى ذروتها.

وتشمل هذه التغيرات تحولات في أنماط دوران الغلاف الجوي فوق أوروبا وتركيا والهند وأجزاء من أفريقيا، إلى جانب تعزز أنظمة الضغط الجوي المرتفع وتدفق كتل هوائية دافئة نحو شرق المتوسط بشكل تدريجي.

وبحلول الوقت الذي ترتفع فيه درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة، يكون الغلاف الجوي قد شهد إعادة تنظيم واسعة النطاق استمرت أيامًا عدة.

إشارات تحذيرية لا تراها النماذج

أظهرت الدراسة أن النماذج المناخية غالبًا ما تؤخر ظهور هذه الإشارات الجوية المبكرة أو تقلل من قوتها، وفي بعض الحالات تفشل في رصدها بالكامل.

ويعني ذلك أن النموذج قد يتمكن في النهاية من إنتاج موجة حر تبدو واقعية، لكنه يصل إلى النتيجة الصحيحة عبر آليات فيزيائية غير صحيحة أو غير مكتملة.

ويعد هذا الأمر مصدر قلق كبير للباحثين، لأن فهم أسباب الظاهرة لا يقل أهمية عن القدرة على محاكاتها، خاصة عند استخدام النماذج لتوقع مستقبل المناخ في عالم يشهد ارتفاعًا مستمرًا في درجات الحرارة.

تأثير الرياح الموسمية في الهند

من أبرز النتائج التي توصل إليها الباحثون وجود ارتباط وثيق بين التغيرات الجوية المرتبطة بالرياح الموسمية في جنوب آسيا وبين تشكل الظروف المواتية لموجات الحر الشديدة في شرق البحر المتوسط.

وأظهرت بيانات الرصد أن التغيرات الجوية فوق الهند يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تهيئة الغلاف الجوي لحدوث موجات حر لاحقة في المنطقة.

إلا أن المفاجأة كانت أن أياً من النماذج المناخية الأحد عشر التي خضعت للاختبار لم يتمكن من تمثيل هذه العلاقة بصورة صحيحة.

ويشير ذلك إلى أن بعض الروابط المناخية العابرة للقارات لا تزال غير ممثلة بالشكل الكافي داخل النماذج المستخدمة حاليًا.

دور تركيا في تضخيم موجات الحر

كما سلطت الدراسة الضوء على أهمية تشكل مرتفع جوي قوي فوق تركيا، حيث تبين أن النماذج التي نجحت في تمثيل هذا المرتفع بصورة أدق كانت أكثر قدرة على محاكاة شدة موجات الحر التي شهدتها المنطقة فعليًا.

ويؤكد ذلك أن التفاصيل الديناميكية المحلية والإقليمية قد تؤثر بشكل كبير في دقة التنبؤ بالأحداث المناخية المتطرفة.

عندما تعطي النماذج الإجابة الصحيحة للأسباب الخاطئة

ربما يكون أكثر ما يثير القلق في نتائج الدراسة أن بعض النماذج المناخية قادرة على إنتاج إحصاءات واقعية لموجات الحر من حيث التكرار والشدة، لكنها تفشل في تمثيل العمليات الجوية الحقيقية التي أدت إلى تلك النتائج.

وبمعنى آخر، قد يصل النموذج إلى الإجابة الصحيحة لكنه يفعل ذلك عبر آليات غير واقعية.

ويرى الباحثون أن هذا الأمر يقلل من الثقة في التوقعات المستقبلية، لأن أي خطأ في تمثيل العمليات الفيزيائية الأساسية قد ينعكس على تقدير حجم التغيرات المناخية المتوقعة خلال العقود المقبلة.

نهج جديد لتقييم النماذج المناخية

يقترح فريق البحث اعتماد منهجية جديدة لتقييم النماذج المناخية تقوم على دراسة العمليات الجوية المسببة للظواهر المتطرفة، وليس الاكتفاء بمقارنة النتائج النهائية.

وبدلًا من السؤال التقليدي حول ما إذا كان النموذج ينتج العدد الصحيح من موجات الحر، يدعو الباحثون إلى طرح سؤال أكثر أهمية: هل ينتج النموذج موجات الحر للأسباب الصحيحة؟

أهمية الإنذار المبكر

تُعد موجات الحر من أكثر الكوارث الطبيعية فتكًا بالبشر على مستوى العالم، خاصة في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط حيث تؤدي إلى زيادة الوفيات، وإجهاد شبكات الكهرباء، وتفاقم أزمات المياه، وخسائر كبيرة في القطاع الزراعي.

وفي مثل هذه الظروف، فإن القدرة على التنبؤ بموجة حر قبل أسبوع كامل بدلًا من ثلاثة أيام فقط قد تمنح السلطات الصحية والخدمية وقتًا حاسمًا للاستعداد وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية.

تحسين فهم ديناميكيات الغلاف الجوي

لا تشير الدراسة إلى وجود خلل جذري في علم المناخ أو النماذج المناخية المستخدمة حاليًا، لكنها تؤكد ضرورة التركيز بشكل أكبر على فهم العمليات الديناميكية داخل الغلاف الجوي التي تسبق الظواهر المتطرفة.

ويرى الباحثون أن تحسين التنبؤ بموجات الحر المستقبلية يتطلب رصد الإشارات الجوية المبكرة بدقة أكبر، وهي تغيرات هادئة في الضغط الجوي وحركة الرياح تبدأ قبل أيام من الشعور بأي ارتفاع غير طبيعي في درجات الحرارة.

وخلصت الدراسة، المنشورة في دورية Weather and Climate Extremes، إلى أن تطوير النماذج المناخية المستقبلية يجب أن يركز على فهم أسباب موجات الحر وآليات تشكلها، وليس فقط على محاكاة نتائجها النهائية، بما يعزز قدرات الإنذار المبكر ويحسن الاستعداد لمواجهة أحد أخطر التهديدات المناخية المتزايدة في العالم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading