السياحة البيئية تحت الماء.. الغوص الترفيهي يحرك المليارات ويحمي الحياة البحرية.. 20 مليار دولار سنويًا
دراسة: 70٪ من الغوص يتم في محميات بحرية ويحفز اقتصادات محلية
لا يقتصر الغوص الترفيهي على استكشاف حدائق المرجان وغابات الطحالب البحرية، بل يمثل أيضًا نشاطًا اقتصاديًا عالميًا مؤثرًا.
ووفقًا لأول إحصاء شامل للأثر الاقتصادي للغوص، فإن هذه الهواية تسهم بما يتراوح بين 8.5 مليار و20.4 مليار دولار سنويًا في الاقتصاد العالمي، وتوفر ما يصل إلى 124 ألف وظيفة في 170 دولة حول العالم.
ويمنح هذا التحليل الجديد دعاة الحفاظ على المحيطات أرقامًا دقيقة يمكن استخدامها للدفاع عن أن حماية البحار ليست واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل هي أيضًا استثمار اقتصادي مربح.

مشروع أطلس أكواتيكا: من المحلية إلى العالمية
استنادًا إلى دراسة سابقة أجريت عام 2021 وقدرت مساهمة سياحة الغوص في المكسيك بحوالي 725 مليون دولار سنويًا – أي ما يعادل تقريبًا عائدات قطاع الصيد بأكمله – أطلق عالم الأحياء البحرية أوكتافيو أبورتو-أوروبزا، من معهد سكريبس لعلوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، مشروع “أطلس أكواتيكا”، بدعم من ناشيونال جيوغرافيك وضمن مبادرة “عقد الأمم المتحدة للمحيطات”.
هدف المشروع هو التحقق مما إذا كانت قوة الغوص الاقتصادية تمتد إلى المستوى العالمي.
ولهذا، جمع الفريق بيانات من أكثر من 11,500 مشغل غوص عبر Google Maps وسجلات منظمة PADI، وتم التحقق من صحتها بمساعدة خبراء محليين. كما أجريت دراسة استقصائية إلكترونية شملت 425 نشاطًا تجاريًا في 81 دولة.
الاقتصادي أندريس سيسنيروس-مونتيميور من جامعة سايمون فريزر ترجم هذه البيانات إلى تقديرات للإنفاق، بما يشمل المصروفات المباشرة على الدورات والغواصات وتأجير المعدات، إضافة إلى المصروفات غير المباشرة مثل الفنادق والمطاعم والنقل من قبل ما بين 9 و14 مليون غواص ترفيهي حول العالم.

أرقام تفوق التوقعات
فوجئ الباحثون بحجم الأثر الاقتصادي، إذ بلغ الإنفاق المباشر على الغوص ما بين 900 مليون و3.2 مليار دولار سنويًا.
وعند احتساب الإنفاق غير المباشر، تصل الأرقام إلى ما بين 8.5 مليار و20.4 مليار دولار سنويًا.
ويُعد توظيف السكان المحليين في 80٪ من وظائف مراكز الغوص من النسب المرتفعة مقارنة بقطاعات السياحة الجماعية.
يقول فابيو فافوريتو، منسق مشروع أطلس أكواتيكا وزميل ما بعد الدكتوراه في سكريبس: “الغوص فريد من نوعه، لأنه يجبرك على قضاء وقت تحت الماء. يمكنك الإبحار أو ركوب الأمواج فوق محيط ميت، لكن الغواصين يلاحظون غياب الأسماك. إنها هواية تعتمد على صحة النظام البيئي، ما يجعل الغواصين حلفاء للحماية البيئية”.

الغواصون يفضلون المحميات البحرية
تشير الدراسة إلى أن نحو 70٪ من جميع أنشطة الغوص تتم داخل محميات بحرية، ما يتماشى مع أبحاث سابقة تظهر أن الغواصين ومشغلي الغوص مستعدون لدفع المزيد مقابل فرص مشاهدة الحياة البحرية الغنية.
وتُظهر الدراسات أن توسيع نطاق المحميات البحرية يمكن أن يعزز العائدات المالية من السياحة البيئية، عبر جذب مزيد من الزوار المستعدين لدفع رسوم أعلى مقابل الشعاب المرجانية الصحية والمراعي البحرية والجروف المحيطية الغنية بالحياة.
يقول أبورتو-أوروبزا: “نُظهر في هذه الدراسة أن الغوص يُدر دخلًا كبيرًا، دون إلحاق الضرر بالبيئة كما تفعل الصناعات الاستخراجية مثل الصيد أو التعدين. ونأمل أن تُسهم هذه البيانات في تشجيع السياسات التي تستثمر في الغوص من خلال زيادة الحماية البحرية”.

عيون تراقب تدهور البيئة
رغم الفوائد الاقتصادية، لا توفر الأموال وحدها الحماية الكافية للأنظمة البيئية. فقد أفاد معظم مشغلي الغوص الذين شملهم الاستطلاع أنهم لاحظوا تدهورًا بيئيًا واضحًا في مواقع الغوص خلال العقد الماضي، ما يمنحهم دورًا محتملاً كنظام إنذار مبكر لصناع القرار، في حال تم إشراكهم رسميًا في إدارة المناطق الساحلية.
يوصي الباحثون بضرورة توحيد بروتوكولات المراقبة البيئية في قطاع الغوص، ومنح المشغلين مقاعد رسمية ضمن الهيئات المسؤولة عن إدارة البحار.

نموذج للسياحة المستدامة
تمثل سياحة الغوص نموذجًا لما يُعرف بـ”الاقتصاد الأزرق”، الذي يعزز ازدهار المجتمعات الساحلية من خلال الحفاظ على الموارد البحرية، بدلًا من استنزافها.
تقول آنا شوهباور، المؤلفة الرئيسية للدراسة وعالمة مصايد في جامعة كولومبيا البريطانية: “على عكس بعض أنماط السياحة الجماعية التي قد تضر بالبيئة والمجتمعات المحلية، فإن الغوص الترفيهي – عند إدارته بشكل جيد – يمكن أن يكون مجديًا اقتصاديًا، وعادلًا اجتماعيًا، ومستدامًا بيئيًا”.
الغواصون عادة ما يسافرون في مجموعات صغيرة، ويمكثون لفترات أطول، وينفقون أكثر على الخدمات المحلية. كما أن الأثر البيئي لهوايتهم منخفض نسبيًا: يستخدمون مراسي ثابتة، وقوارب بطيئة، واسطوانات قابلة لإعادة التعبئة.

نحو تمكين أصوات الغواصين
رغم أهميتهم الاقتصادية، يعاني مشغلو الغوص من التشتت وانعدام التمثيل الرسمي في سياسات السواحل والمصايد. ولهذا يسعى مشروع أطلس أكواتيكا إلى تنظيمهم في تعاونيات.
وقد بدأت تعاونيات تجريبية في المكسيك وإيطاليا بالفعل في جمع الأموال لاستعادة الشعاب المرجانية، والمطالبة بحدود أكثر صرامة للصيد داخل المحميات، وتحسين معايير السلامة والاستدامة.
توصي الدراسة بأن تعترف الحكومات بهذه التعاونيات كأطراف فاعلة رسمية، ما يمنحها حق المشاركة في صنع القرار بشأن المناطق البحرية التي تعتمد عليها.
حماية البيئة البحرية مجزية
لطالما أكد دعاة حماية الطبيعة أن التنوع البيولوجي يمكن أن يُدر دخلًا كافيًا لتمويل حمايته. وتُترجم هذه الدراسة هذا الشعار إلى أدلة رقمية ملموسة، تربط بين الغوص، والدخل، وحماية النظم البيئية.
ومع وجود 70٪ من الغطسات داخل المحميات البحرية، فإن صانعي السياسات الذين يوازنون بين الأرباح قصيرة الأجل من التعدين أو الصيد الجائر مقابل عوائد السياحة البيئية أصبحوا الآن أمام حسابات أوضح.

نظرة مستقبلية على الغوص
أقر الباحثون بوجود فجوات في الدراسة: مثل صعوبة رصد المشغلين غير الرسميين أو غير المرخصين، وتأثير جائحة كورونا على أرقام السفر. ورغم ذلك، يُعتقد أن الإسهام الاقتصادي الحقيقي قد يكون أعلى من التقديرات.
ستسعى الدراسات المستقبلية إلى تحسين التقديرات الإقليمية، وتحليل البصمة الكربونية، واختبار العلاقة بين زيادة الحماية البيئية وزيادة العوائد المالية على المدى الطويل.
وفي الوقت الحالي، تبقى الرسالة الأساسية واضحة: المحيطات الغنية بالحياة تجذب الغواصين، والغواصون بدورهم يضخون المليارات في اقتصادات السواحل – دون استخراج سمكة واحدة.
الاعتراف بهذه الدورة الإيجابية قد يساعد في توجيه استثمارات التعافي العالمي، واستراتيجيات السياحة، ومشروعات تمويل المناخ نحو سياسات أكثر ذكاءً واستدامة، تُفيد الشعاب المرجانية، والغابات البحرية، والمجتمعات الساحلية.





