أخبارالتنوع البيولوجي

الطيور المفترسة المهاجرة تربط تطور الأنواع عبر آلاف الكيلومترات

الخوف المتنقل بين القارات.. آلية خفية توحد إشارات التحذير في الطبيعة

كشفت دراسة علمية جديدة أن المفترسات المهاجرة قد تؤدي دورًا أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، إذ لا تنقل نفسها فقط عبر القارات، بل تحمل معها “الخوف المكتسب” من فرائس معينة، وهو ما يمكن أن يؤثر في تطور أنواع تعيش في مناطق بعيدة لم تلتقِ بها مطلقًا.

وأجرى الدراسة الباحثون أكيفا توبر، ويوتام بن أورين، وأورين كولودني من الجامعة العبرية في القدس، حيث سعوا إلى اختبار فرضية راسخة في علم الأحياء التطوري تفترض أن الأنواع يجب أن تتعايش في المكان نفسه حتى تؤثر في تطور بعضها البعض.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences.

الطيور المفترسة المهاجرة
الطيور المفترسة المهاجرة

وأوضح الباحثون أن العديد من الحيوانات السامة أو المؤذية تعتمد على ألوان زاهية أو أنماط مميزة أو إشارات واضحة لتحذير المفترسات من خطورتها. وتتعلم المفترسات هذه الرسائل من خلال التجربة المباشرة، فعلى سبيل المثال، قد يتجنب طائر صغير مهاجمة ثعبان ذي ألوان تحذيرية بعد تعرضه لتجربة مؤلمة معه.

ومع مرور الوقت، يصبح هذا السلوك جزءًا من خبرة المفترسات، ما يمنح الكائنات التي تحمل الإشارات التحذيرية درجة أكبر من الحماية. كما يؤدي ذلك إلى ظهور ظاهرة تعرف باسم “محاكاة مولر”، حيث تتبنى عدة أنواع سامة أو خطرة نمطًا تحذيريًا متشابهًا، فيعزز كل منها تعلم المفترسات تجنب هذا النمط.

ووفقًا للدراسة، فإن المفترسات المهاجرة تضيف بُعدًا جديدًا لهذه العملية. فعندما يتعلم مفترس مهاجر تجنب نمط تحذيري معين في منطقة تكاثره الصيفية، فإنه يحتفظ بهذه الخبرة أثناء انتقاله إلى مناطق أخرى تبعد آلاف الكيلومترات.

وبذلك تستفيد فرائس أخرى في مناطق الشتاء من هذا الخوف المكتسب، رغم أنها لم تكن السبب في تعلم المفترس لهذا السلوك. وقد تكون هذه الفرائس موجودة في قارات مختلفة تمامًا، ولا تربطها أي علاقة مباشرة بالأنواع الأصلية سوى مرور المفترس نفسه بينها.

وأشار الباحثون إلى أن هذا التأثير قد يؤدي، عبر أجيال طويلة، إلى تطور مجموعات متباعدة جغرافيًا نحو أنماط تحذيرية متشابهة، نتيجة تعرضها لضغوط انتقائية متشابهة تحملها المفترسات المهاجرة.

الطيور المفترسة المهاجرة
الطيور المفترسة المهاجرة

ولاختبار هذه الفكرة، استخدم الفريق نماذج حاسوبية تحاكي مجموعتين منفصلتين من الفرائس المحمية بوسائل دفاعية قوية، بحيث لا تلتقيان مباشرة، بينما تتنقل بينهما المفترسات المهاجرة فقط.

وأظهرت النتائج أن المجموعتين تطورتا تدريجيًا نحو إشارات تحذيرية متشابهة، رغم عدم وجود أي تفاعل مباشر بينهما.

وقال الباحثون: “تشير نتائجنا إلى أن الأنواع لا تحتاج بالضرورة إلى التعايش الجغرافي حتى تتطور استجابة لبعضها البعض، إذ يمكن للكائنات المهاجرة أن تربط بين نظم بيئية بعيدة وتسمح بحدوث تفاعلات تطورية عبر مسافات شاسعة”.

الطيور المفترسة المهاجرة
الطيور المفترسة المهاجرة

كما أوضحت النماذج أن قوة هذا التأثير تعتمد على عدة عوامل، من بينها شدة الافتراس المحلي وتوقيت بدء الهجرة.

ففي بعض الحالات قد تطغى الضغوط المحلية على التأثيرات القادمة من مناطق بعيدة، بينما قد تفشل الروابط التطورية طويلة المدى في التشكل إذا بدأت الهجرة قبل ترسخ الإشارات التحذيرية.

ويرى الباحثون أن هذه الآلية قد تكون موجودة بالفعل في العديد من الأنظمة البيئية، مثل العلاقة بين الطيور الجارحة المهاجرة والثعابين السامة، أو بين فراشات الملكة والنباتات التي تعتمد عليها، وكذلك بين بعض الفيروسات والكائنات الحية التي تنقلها عبر مسارات الهجرة.

الثعابين السامة

وتتجاوز أهمية هذه الفكرة مسألة الألوان والإشارات التحذيرية، إذ قد تساعد في تفسير سباقات التسلح التطورية بين النباتات وآكلات الأعشاب، أو بين العوائل ومسببات الأمراض، على نطاقات جغرافية أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.

وأكد الباحثون أن الهجرة تعد واحدة من أهم العمليات البيئية التي تنقل أعدادًا هائلة من الحيوانات وتأثيراتها بين النظم البيئية المختلفة، مشيرين إلى أنها قد تؤدي أيضًا دورًا غير مقدر بما يكفي في تشكيل مسارات التطور عبر القارات بأكملها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading