الذكاء الاصطناعي يرسم خريطة غابات العالم بسرعة وتكلفة أقل.. دراسة جديدة
نموذج ذكاء اصطناعي يحدد أنواع الأشجار من الفضاء دون حواسيب عملاقة
كشف باحثون من جامعة كامبريدج عن تقنية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وبيانات الأقمار الصناعية لرسم خرائط دقيقة لأنواع الأشجار في الغابات، بسرعة أكبر وتكلفة أقل من الأساليب التقليدية، ما قد يفتح الباب أمام مراقبة الغابات على مستوى القارات دون الحاجة إلى حواسيب فائقة الأداء.
وأظهرت الدراسة أن النموذج الجغرافي المدعوم بالذكاء الاصطناعي Tessera تمكن من تصنيف أنواع الأشجار بدقة تجاوزت الطرق التقليدية، باستخدام أجهزة حاسوب عادية، وهو ما قد يسهم في تحسين إدارة الغابات، وحماية التنوع البيولوجي، ودعم مشروعات أرصدة الكربون.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Science of Remote Sensing.
تحديات رسم خرائط الغابات
يمثل تحديد أنواع الأشجار من الفضاء أحد أكثر التحديات تعقيدًا في علوم الاستشعار عن بُعد، خاصة في المناطق الجبلية، حيث تؤدي التضاريس الوعرة والسحب إلى صعوبة التمييز بين الأنواع المختلفة باستخدام صور الأقمار الصناعية التقليدية.
وكان العلماء يعولون سابقًا على الأقمار الصناعية المزودة بمستشعرات فائقة الطيف (Hyperspectral Sensors)، التي ترصد مئات الأطوال الموجية للضوء، إلا أن تحليل هذه البيانات يتطلب قدرات حاسوبية هائلة، ما يحد من استخدامها على نطاق واسع.

نموذج «Tessera» يغير المعادلة
اعتمدت الدراسة على نموذج Tessera، وهو نموذج أساسي جغرافي (Geospatial Foundation Model) يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأقمار الصناعية الملتقطة على مدار عام كامل.
ويحول النموذج هذه الصور إلى تمثيل رقمي موحد يُعرف باسم Embedding، يلتقط التغيرات الموسمية التي تمر بها الأشجار، مثل الإزهار، وإنتاج البذور، وتساقط الأوراق، وتجددها، وهي خصائص تساعد على التمييز بين الأنواع المختلفة، بعد ذلك، يستخدم نموذج تعلم آلي بسيط هذه البيانات لتحديد أنواع الأشجار بدقة.
وقال جيمس بول، الباحث في معهد أبحاث الحفاظ على الطبيعة بجامعة كامبريدج والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن تقنية Tessera تمثل خطوة مهمة نحو إتاحة بيانات الأقمار الصناعية للجميع، لأنها لا تتطلب بنية حاسوبية ضخمة، ويمكن للفرق البحثية والجهات المحلية استخدامها بسهولة وبتكلفة محدودة.

اختبار في جبال الألب الإيطالية
اختبر الباحثون التقنية في منطقة ترينتينو الواقعة بجبال الألب الإيطالية، حيث دربوا النموذج على التعرف إلى 18 نوعًا ومجموعة من أنواع الأشجار.
وقارن الفريق أداء النموذج مع الطرق التقليدية لرسم خرائط الغابات، وكذلك مع نموذج AlphaEarth الذي طورته شركة جوجل.
وأظهرت النتائج أن Tessera وAlphaEarth حققا دقة بلغت نحو 82% في تصنيف أنواع الأشجار، مقارنة بنسبة تراوحت بين 73% و79% للطرق التقليدية.
كما تميز نموذج Tessera بقدرته الأفضل على اكتشاف الأنواع النادرة، وتقديم تقديرات أكثر دقة لنسب انتشار كل نوع داخل مناطق الدراسة.
فوائد لإدارة الغابات
أوضح الباحث ميكيلي دالبونتي من مؤسسة Fondazione Edmund Mach الإيطالية أن نحو 75% من غابات ترينتينو مملوكة للقطاع العام وتخضع للإدارة، بينما تمثل الغابات الخاصة نحو 25% وغالبًا ما تفتقر إلى البيانات التفصيلية.
وأضاف أن الخرائط الجديدة توفر معلومات دقيقة عن تركيب الأنواع في الغابات الخاصة، كما تمنح إدارات الغابات أداة فعالة لتحديد المناطق ذات القيمة الاقتصادية العالية، ورصد بؤر التنوع البيولوجي.
تدريب أكثر ذكاءً
تميزت الدراسة أيضًا باستخدام تقنية تعلم آلي تعرف باسم “الوسوم المرنة” (Soft Labels)، وهي تسمح للنموذج بالتعامل مع المناطق التي تحتوي على أكثر من نوع من الأشجار، بدلًا من استبعادها كما يحدث في معظم النماذج التقليدية.
وأوضح جيمس بول أن هذه الطريقة تساعد على الاستفادة من البيانات المختلطة بدلًا من إهدارها، مما يحسن دقة النموذج في البيئات الطبيعية المعقدة.
تطبيقات عالمية
يعمل الفريق حاليًا على توسيع استخدام التقنية لتشمل شبكة تضم أكثر من 11 ألف موقع غابي في أمريكا اللاتينية، بهدف تطوير نظام آلي لرسم خرائط الغابات على مستوى القارات، مع توفير معلومات أكثر تفصيلًا عن خصائصها البيئية.
ويرى الباحثون أن هذه التقنية ستكون ذات أهمية كبيرة للحكومات، والاتحاد الأوروبي، وبرنامج الأمم المتحدة لرصد الحفاظ على البيئة، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، فضلًا عن الجهات العاملة في أسواق أرصدة الكربون، لما توفره من بيانات دقيقة وبتكلفة منخفضة لدعم إدارة الغابات ومكافحة تغير المناخ.





