أهم الموضوعاتأخبارالتنوع البيولوجي

قوانين الحياة البرية في أفريقيا.. إرث استعماري يهدد التنوع البيولوجي ويفصل الإنسان عن الطبيعة

الطبيعة بلا بشر.. كيف ورثت أفريقيا نموذجًا استعماريًا لحماية الحياة البرية؟

تُعد أفريقيا واحدة من أغنى مناطق العالم بالتنوع البيولوجي، حيث تحتضن آلاف المناطق المحمية، من بينها متنزهات وطنية ومحميات بحرية تُصنّف ضمن الأهم عالميًا، مثل فيرونغا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وسيرينجيتي في تنزانيا، وكروجر في جنوب أفريقيا، ومع ذلك، فإن هذا النظام الواسع من الحماية البيئية، الذي يغطي نحو 14.5% من مساحة القارة، يخفي وراءه مفارقة عميقة: نموذج الحماية ذاته قد يكون أحد أسباب فشل حماية الطبيعة على المدى الطويل.

تكشف دراسة تحليلية شملت قوانين الحياة البرية في 54 دولة أفريقية أن هذه القوانين متشابهة بشكل لافت، وأن هذا التشابه ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لإرث استعماري ما زال يحدد شكل العلاقة بين الإنسان والطبيعة في القارة حتى اليوم.

الجذور الاستعمارية لنموذج الحماية

يعود أصل هذا النموذج إلى «اتفاقية لندن لعام 1933»، التي وقّعتها قوى استعمارية أوروبية إلى جانب اتحاد جنوب أفريقيا آنذاك، والتي أرست الأسس القانونية لإنشاء مناطق محمية تقوم على مبدأ الفصل التام بين الإنسان والطبيعة.

وقد استندت هذه الاتفاقية إلى نموذج أقدم مستوحى من متنزه يلوستون الوطني في الولايات المتحدة، الذي أُنشئ عام 1872 بوصفه أول متنزه وطني في العالم.

الحياة البرية في أفريقيا
الحياة البرية في أفريقيا

في هذا النموذج، تم تقسيم الأراضي إلى نوعين رئيسيين:

الأول هو المتنزهات الوطنية، حيث يُمنع وجود البشر بشكل كامل، والثاني هو محميات الصيد، التي سُمح فيها للنخب الأوروبية بممارسة الصيد المنظم.

وقد عكست هذه الرؤية تصورًا استعماريًا للطبيعة باعتبارها مساحة “برية نقية” يجب حمايتها من البشر المحليين، وليس معهم.

المفارقة أن هذا النموذج لم يكن قائمًا على علم البيئة بالمعنى الحديث، إذ إن مفهوم “النظام البيئي” لم يظهر علميًا إلا في ثلاثينيات القرن العشرين، ما يعني أن تأسيس هذه المناطق كان مدفوعًا باعتبارات جمالية واستعمارية، أكثر من كونه قائمًا على فهم علمي متكامل للعلاقات البيئية.

استمرار النموذج بعد الاستقلال

رغم حصول الدول الأفريقية على استقلالها في منتصف القرن العشرين، فإنها ورثت هذا النموذج القانوني والمؤسسي واستمرت في تطبيقه، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تأثير المنظمات الدولية المعنية بالحفاظ على الحياة البرية، التي دعمت استمرار هذا النهج، واعتبرته معيارًا عالميًا للحماية.

بل إن بعض القادة الأفارقة تبنّوا هذا النموذج رسميًا، كما حدث في «إعلان أروشا» عام 1961 الذي قدّمه الرئيس التنزاني جوليوس نيريري، والذي أكد على أهمية الحفاظ على الطبيعة وفق الإطار القائم آنذاك.

غير أن هذا الاستمرار جاء على حساب المجتمعات المحلية، التي كانت تعيش في هذه المناطق لقرون، حيث تم تهجيرها قسرًا أو منعها من الوصول إلى أراضيها ومواردها الطبيعية.

إقصاء المجتمعات وفشل الحماية

أدى هذا النموذج إلى خلق فجوة عميقة بين السكان المحليين ومشروعات الحفاظ على الطبيعة. فبدلًا من أن يكون السكان شركاء في الحماية، تم التعامل معهم باعتبارهم تهديدًا يجب إبعاده.

وفي حالات عديدة، حُرم السكان من حقوقهم الأساسية في الصيد أو الزراعة أو الرعي، رغم أن هذه الأنشطة كانت تمثل مصدر رزقهم الرئيسي.

وفي المقابل، سُمح لأنشطة اقتصادية كبرى، مثل التعدين واستخراج النفط، بالعمل داخل بعض المناطق المحمية، ما يكشف عن ازدواجية واضحة في تطبيق القوانين.

كما أن هذا النموذج لم ينجح حتى في تحقيق أهدافه البيئية. فحصر الحيوانات في مناطق معزولة وصغيرة نسبيًا أدى إلى تقليص نطاق حركتها الطبيعية، ما أعاق عمليات التزاوج والتكاثر، وأضعف التنوع الجيني، ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الأنواع أكثر عرضة للأمراض والتغيرات المناخية.

ولا يقتصر الأمر على الحيوانات فقط، بل يمتد إلى النباتات، حيث تتعطل عمليات انتشار البذور وحبوب اللقاح، التي تعتمد على حركة الحيوانات أو العوامل الطبيعية، ما يهدد استدامة النظم البيئية ككل.

الحياة البرية في أفريقيا
الحياة البرية في أفريقيا

السياحة والاقتصاد: من المستفيد؟

غالبًا ما يُبرر هذا النموذج بدوره في جذب السياحة الدولية، التي تُعد مصدرًا مهمًا للدخل في العديد من الدول الأفريقية، غير أن هذا الطرح يخضع لانتقادات متزايدة، إذ تشير الأدلة إلى أن الجزء الأكبر من عائدات السياحة يذهب إلى شركات أجنبية، بينما لا تستفيد المجتمعات المحلية إلا بنصيب محدود.

وفي الوقت ذاته، تتحمل هذه المجتمعات تكلفة الحماية، من خلال فقدان أراضيها ومواردها، ما يخلق شعورًا بالظلم ويدفع بعض الأفراد إلى مخالفة القوانين، وهو ما يقوض جهود الحماية نفسها.

نماذج مقاومة واستعادة الحقوق

رغم هذه التحديات، بدأت بعض المجتمعات في استعادة حقوقها، كما في حالة جماعتي الإندورويس والأوجيك في كينيا، اللتين نجحتا في الحصول على حكم من المحكمة الأفريقية عام 2025 يعيد لهما أراضيهما التاريخية بعد عقود من التهجير.

وتعكس هذه الحالات تحولًا تدريجيًا نحو الاعتراف بحقوق المجتمعات الأصلية، وضرورة إشراكها في إدارة الموارد الطبيعية.

الحياة البرية في أفريقيا
الحياة البرية في أفريقيا

نحو نموذج جديد للحماية

في ضوء هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير جذريًا في مفهوم المناطق المحمية في أفريقيا. فالحفاظ على الطبيعة لا يمكن أن ينجح من خلال إقصاء الإنسان، بل يتطلب دمجه كشريك أساسي في الإدارة.

ويشمل ذلك تطوير أطر قانونية جديدة تعترف بحقوق المجتمعات في الأرض والموارد، وتدعم سبل عيشها، وتمنحها دورًا فعالًا في اتخاذ القرار.

كما يتطلب تبني نماذج “الحماية المجتمعية”، التي أثبتت نجاحها في بعض الدول، حيث تتولى المجتمعات المحلية إدارة الموارد بشكل مستدام.

ومع توقع أن تصبح أفريقيا القارة الأكثر سكانًا بحلول عام 2050، فإن التحدي لا يقتصر على حماية الحياة البرية، بل يمتد إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على الطبيعة وتلبية احتياجات البشر من الغذاء والمياه والعمل.

خلاصة

تكشف تجربة أفريقيا أن النماذج المستوردة، حتى وإن بدت ناجحة في سياقات أخرى، قد تفشل عندما تُطبق دون مراعاة الخصوصيات المحلية.

فالنموذج الاستعماري لحماية الحياة البرية، الذي يفصل الإنسان عن الطبيعة، لم يحقق أهدافه البيئية أو الاجتماعية.

ومن ثم، فإن مستقبل الحفاظ على التنوع البيولوجي في أفريقيا يعتمد على الانتقال من منطق الإقصاء إلى منطق الشراكة، حيث يصبح الإنسان جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة