أخبارالاقتصاد الأخضر

الحرب على إيران تعيد أسواق الطاقة إلى مربع الخطر.. من 1973 إلى 2026

قفزة برنت فوق 80 دولارًا.. هل تدخل سوق النفط مرحلة اضطراب طويل؟

لم تعد الحرب الدائرة مع إيران مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت سريعًا إلى اختبار قاسٍ لهشاشة النظام الطاقي العالمي. فمع استهداف منشآت نفطية في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، عاد شبح “حروب النفط” ليخيّم على الأسواق، مذكّرًا العالم بأن أمن الطاقة لا يزال نقطة الضعف الأخطر في الاقتصاد الدولي.

هرمز: عنق الزجاجة العالمي

يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. وعندما يُغلق هذا الشريان، حتى ولو مؤقتًا، لا تتعطل الإمدادات فحسب، بل ترتفع علاوة المخاطر فورًا، وتقفز تكاليف الشحن والتأمين، ويبدأ سباق تخزين محموم في آسيا وأوروبا.

القفزة السريعة في خام برنت من مستويات تقارب 60–65 دولارًا إلى ما فوق 80 دولارًا تعكس أن الأسواق تسعّر احتمال استمرار الاضطراب، لا مجرد حدث عابر. فالسوق النفطية شديدة الحساسية للتوقعات بقدر حساسيتها للإمدادات الفعلية.

توقف المنشآت: صدمة عرض مركّبة

إعلان قطر وقف الإنتاج في رأس لفان، وتعطل منشآت في السعودية والكويت، وتراجع إنتاج حقول عراقية كبرى، إلى جانب توقف الصادرات الإيرانية بالكامل، يعني أن الصدمة لا تقتصر على بلد واحد.

إنها “صدمة عرض مركّبة” تضرب قلب المنطقة التي تنتج نحو ربع النفط العالمي ونحو 15% من الغاز الطبيعي عالميًا.

الغاز بدوره لم يكن بمنأى عن الارتباك؛ فتعليق صادرات الغاز إلى مصر أربك معادلات التسييل وإعادة التصدير، وأعاد طرح سؤال الاعتماد المتبادل في شرق المتوسط.

كما أن ارتفاع أسعار الغاز بأكثر من 50% بعد قرارات وقف الإنتاج يعكس هشاشة السوق الفورية (Spot Market) أمام أي اضطراب جيوسياسي.

التاريخ يعيد نفسه… ولكن بكلفة أعلى

التاريخ يقدم دروسًا قاسية. ففي أعقاب حظر النفط العربي عام 1973، تضاعفت الأسعار ثلاث مرات خلال أسابيع، واندفع العالم إلى موجة تضخم وركود معًا. وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، تضاعفت الأسعار مجددًا، وبدأت حقبة طويلة من التقشف الطاقي في الغرب.

خلال الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، تجاوز النفط 100 دولار للبرميل، وعادت أوروبا إلى الفحم والطاقة النووية تحت ضغط الإمدادات.

الفارق اليوم أن الاقتصاد العالمي أكثر تشابكًا، وسلاسل الإمداد أكثر اعتمادًا على النقل البحري، ما يجعل أي اضطراب في الخليج يتردد صداه في آسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية دفعة واحدة.

أوبك بلس وحدود المناورة

تحرك تحالف «أوبك بلس» لإعلان نية زيادة الإنتاج خطوة تهدف إلى تهدئة الأسواق نفسيًا، لكن القدرة الفعلية على التعويض ليست مطلقة. فالسعودية وروسيا تمثلان ركيزتي التحالف، الأولى متأثرة مباشرة بمخاطر الإقليم، والثانية تخوض صراعًا مفتوحًا مع الغرب وقد توظف ورقة الطاقة سياسيًا.

الطاقة الفائضة (Spare Capacity) عامل حاسم، لكنها ليست غير محدودة، كما أن استعادة الإنتاج المعطل في بيئة أمنية مضطربة ليست مسألة تقنية فحسب، بل ترتبط بمخاطر التأمين والاستهداف المتكرر.

التضخم يعود من بوابة الطاقة

ارتفاع أسعار النفط والغاز لا يبقى في أسواق الطاقة؛ بل يتسرب سريعًا إلى تكاليف النقل والصناعة والغذاء. ومع استمرار بنوك مركزية عديدة في مكافحة موجات تضخم سابقة، فإن صدمة طاقية جديدة قد تعني تشديدًا نقديًا أطول، ونموًا أضعف، وربما ركودًا في اقتصادات هشة أصلًا.

الدول المستوردة للطاقة – خصوصًا في آسيا وأفريقيا – ستكون الأكثر تضررًا، إذ تتآكل احتياطياتها من النقد الأجنبي، وتتعاظم أعباء الدعم، وتتسع فجوات الموازنات.

هل فشل التحول الطاقي في تحصين العالم؟

رغم الاستثمارات الضخمة في الطاقة المتجددة، لا يزال الوقود الأحفوري يمثل نحو ثلاثة أرباع مزيج الطاقة العالمي. وقد زادت سياسات التوسع في إنتاج النفط والغاز في بعض الدول الكبرى من الاعتماد عليه بدل تسريع الانفكاك عنه.

الحرب الحالية تكشف أن الانتقال الطاقي لم يبلغ بعد مرحلة تحصين الاقتصاد العالمي ضد الصدمات الجيوسياسية. فالطاقة الشمسية والرياح لا تعوّضان فجأة ملايين البراميل المفقودة يوميًا، ولا توفران بديلًا فوريًا للغاز في الصناعات الثقيلة والنقل البحري والجوي.

السيناريوهات المقبلة

إذا طال أمد الحرب واستمر إغلاق مضيق هرمز، فقد تواجه السوق عجزًا فعليًا في الإمدادات، يدفع الأسعار إلى مستويات غير مرغوبة عالميًا. أما إذا جرى احتواء التصعيد وفتح الممرات البحرية سريعًا، فقد تتراجع الأسعار تدريجيًا، لكن مع بقاء “علاوة المخاطر الجيوسياسية” مرتفعة لفترة.

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في تكرار الاستهداف المتبادل لمنشآت الطاقة، ما يحوّل الخليج إلى ساحة استنزاف طاقي دائم.

بين السياسة والجغرافيا

الطاقة ليست مجرد سلعة؛ إنها أداة نفوذ. وكلما اشتعلت الحروب في مناطق الإنتاج، ارتفعت قيمة هذه الأداة في ميزان الصراع الدولي.

السؤال اليوم ليس فقط: إلى أي مدى سترتفع الأسعار؟ بل: هل يتجه العالم إلى مرحلة جديدة تُستخدم فيها الطاقة كسلاح جيوسياسي مفتوح؟

السوابق التاريخية تقول إن حروب النفط لا تنتهي عند حدود الجغرافيا التي اندلعت فيها. آثارها تمتد إلى التضخم، وأسعار الغذاء، واستقرار العملات، وحتى التوازنات السياسية داخل الدول.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يقف مرة أخرى أمام مفترق طرق: إما احتواء الصراع قبل أن يتحول إلى أزمة طاقة ممتدة، أو دخول دورة جديدة من الاضطراب الاقتصادي، يكون النفط فيها مجددًا عنوان المرحلة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading