الحرارة الشديدة والبرد القارس يضاعفان خطر الجلطات القلبية والدماغية والوفاة المفاجئة
ارتفاع الحرارة يرهق القلب والبرد يرفع ضغط الدم.. تقرير علمي يحذر من مخاطر الطقس المتطرف
دراسة تكشف كيف يضاعف الطقس المتطرف خطر النوبات القلبية والجلطات والوفاة المفاجئة
حذرت دراسة علمية حديثة من أن التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة للغاية أو البرودة الشديدة لا يقتصر تأثيره على الشعور بالإجهاد أو الانزعاج، بل قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل النوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وفشل القلب، والوفاة القلبية المفاجئة، خاصة لدى كبار السن ومرضى القلب والأوعية الدموية.
وأوضح الباحثون أن التغيرات المناخية، وما يصاحبها من زيادة في موجات الحر واشتداد الظواهر الجوية المتطرفة، تجعل هذه المخاطر أكثر إلحاحًا، الأمر الذي يتطلب استعدادًا من الأنظمة الصحية والحكومات لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ونُشرت الدراسة في دورية Circulation، في صورة بيان علمي صادر عن American Heart Association، يستعرض أحدث الأدلة حول العلاقة بين درجات الحرارة المتطرفة وصحة القلب والأوعية الدموية.

درجات الحرارة غير المناسبة وراء نحو عُشر الوفيات عالميًا
تشير الدراسة إلى أن جسم الإنسان يعمل بكفاءة ضمن نطاق حراري محدود، وعندما ترتفع أو تنخفض درجات الحرارة بصورة كبيرة، يبدأ القلب والأوعية الدموية في بذل جهد إضافي للحفاظ على استقرار درجة حرارة الجسم.
ووفقًا للباحثين، ترتبط نحو 9.4% من الوفيات حول العالم بالتعرض لدرجات حرارة غير مناسبة، سواء كانت مرتفعة أو منخفضة، وهو ما يعكس التأثير الواسع للطقس المتطرف على الصحة العامة.
وأكد التقرير أن هذه العلاقة رُصدت في دول ذات مناخات مختلفة، ما يعني أن المشكلة ليست مرتبطة بمنطقة جغرافية معينة، وإنما تمثل تحديًا عالميًا يتفاقم مع تغير المناخ.
كيف تؤثر الحرارة المرتفعة في القلب؟
عندما ترتفع درجة حرارة الجو، يحاول الجسم التخلص من الحرارة الزائدة عبر توسيع الأوعية الدموية وزيادة إفراز العرق.
ورغم أن هذه الآليات تساعد على تبريد الجسم، فإنها تؤدي في الوقت نفسه إلى:
- انخفاض ضغط الدم.
- فقدان كميات كبيرة من السوائل والأملاح.
- زيادة سرعة نبض القلب.
- ارتفاع كمية الدم التي يضخها القلب كل دقيقة.
ويعني ذلك أن القلب يعمل بجهد أكبر لتعويض انخفاض ضغط الدم والحفاظ على وصول الدم إلى الأعضاء الحيوية.
أما لدى مرضى القلب أو من يعانون من ضعف عضلة القلب أو ضيق الشرايين، فقد يصبح هذا العبء الإضافي كافيًا لحدوث أزمة قلبية أو تفاقم قصور القلب.

أرقام تكشف حجم العبء على القلب
استعرض التقرير نتائج مراجعة علمية لأكثر من 400 دراسة، أظهرت أن ارتفاع درجة حرارة الجسم الداخلية بمقدار درجة مئوية واحدة فقط يؤدي إلى:
- زيادة معدل نبض القلب بنحو 26 نبضة في الدقيقة.
- زيادة كمية الدم التي يضخها القلب بمقدار لتر كامل كل دقيقة.
ويرى الباحثون أن هذه التغيرات تمثل ضغطًا هائلًا على القلب، خاصة لدى الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
أدوية القلب قد تزيد المشكلة تعقيدًا
أشارت الدراسة إلى أن بعض الأدوية المستخدمة لعلاج أمراض القلب قد تجعل المرضى أكثر عرضة للإجهاد الحراري.
فعلى سبيل المثال، تساعد مدرات البول على التخلص من السوائل الزائدة من الجسم، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد خطر الإصابة بالجفاف خلال موجات الحر، وهو ما يضاعف العبء على القلب.
كما أوضح الباحثون أن الأدلة العلمية الحالية ما تزال غير كافية لتحديد ما إذا كان ينبغي تعديل جرعات بعض أدوية القلب أثناء موجات الحر، مؤكدين الحاجة إلى مزيد من الدراسات في هذا المجال.

لماذا يمثل البرد خطرًا أيضًا؟
إذا كانت الحرارة تدفع الجسم إلى توسيع الأوعية الدموية، فإن البرودة الشديدة تؤدي إلى العكس تمامًا.
ففي الأجواء الباردة:
- تنقبض الأوعية الدموية.
- يرتفع ضغط الدم.
- تزداد لزوجة الدم.
- يصبح تدفق الدم أكثر صعوبة.
وتؤدي هذه التغيرات إلى زيادة احتمال تكوّن الجلطات وحدوث النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
ولهذا السبب، ترتفع حالات الطوارئ القلبية خلال موجات البرد، خاصة عند بذل مجهود بدني مفاجئ، مثل إزالة الثلوج أو حمل الأوزان الثقيلة في الطقس البارد.

البرد يقتل أكثر… لكن الحرارة تتسارع
أوضحت الدراسة أنه تاريخيًا ارتبط البرد بعدد أكبر من الوفيات القلبية مقارنة بالحرارة، ويرجع ذلك إلى أن الأيام الباردة أكثر عددًا على مدار العام.
وأظهرت بيانات شملت 32 دولة أن:
- نحو 8.2% من الوفيات القلبية ارتبطت بالبرد.
- مقابل 0.7% فقط ارتبطت بالحرارة.
لكن الباحثين يحذرون من أن هذا التوازن بدأ يتغير مع ازدياد موجات الحر من حيث العدد والشدة وطول المدة، وهو ما قد يؤدي مستقبلًا إلى ارتفاع الوفيات المرتبطة بالحرارة بوتيرة أكبر من انخفاض الوفيات المرتبطة بالبرد.
كما أشار التقرير إلى أن عام 2024 كان الأعلى حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة عالميًا، إذ تجاوز متوسط حرارة الأرض مستويات ما قبل الثورة الصناعية بنحو 1.5 درجة مئوية.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
حدد التقرير عددًا من الفئات التي تواجه مخاطر أكبر عند التعرض للحرارة أو البرودة الشديدة، وتشمل:
- كبار السن، بسبب تراجع قدرة الجسم على تنظيم الحرارة مع التقدم في العمر.
- مرضى القلب والأوعية الدموية.
- النساء الحوامل.
- الرضع والأطفال الصغار.
- العاملين في الأماكن المفتوحة.
- أصحاب الدخل المنخفض الذين قد لا يتمكنون من استخدام وسائل التبريد أو التدفئة بصورة كافية.
كما تلعب البيئة العمرانية دورًا مهمًا، إذ ترتفع المخاطر في الأحياء التي تفتقر إلى الأشجار والمساحات الخضراء، أو التي تعاني من قلة الظل وارتفاع درجات الحرارة بين المباني.

مفارقة لافتة.. القطاع الصحي يساهم في تغير المناخ
لفت التقرير إلى مفارقة مهمة تتمثل في أن قطاع الرعاية الصحية، الذي يعالج الأمراض المرتبطة بالمناخ، يساهم في الوقت نفسه في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
ففي الولايات المتحدة، ينتج القطاع الصحي نحو 8.5% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة، نتيجة استهلاك الطاقة وتشغيل الأجهزة الطبية واستخدام بعض المواد والأدوية.
ويرى الباحثون أن تقليل الفحوص غير الضرورية، والاعتماد بصورة أكبر على الاستشارات الطبية عن بُعد، يمكن أن يسهم في خفض هذه الانبعاثات دون التأثير في جودة الرعاية الصحية.
الأشجار والمدن الذكية خط الدفاع الأول
توصي الدراسة بأن يكون التخطيط العمراني جزءًا من مواجهة المخاطر الصحية الناتجة عن تغير المناخ، وذلك من خلال:
- زيادة زراعة الأشجار وإنشاء مظلات طبيعية في الشوارع.
- توفير مراكز تبريد خلال موجات الحر.
- تحسين تصميم المدن للحد من ظاهرة الجزر الحرارية.
- ضمان وصول الكهرباء بأسعار مناسبة حتى يتمكن السكان من تشغيل أجهزة التكييف.
- تطوير أنظمة إنذار مبكر تربط بين توقعات الطقس والاستعدادات الصحية.
وأكد الباحثون أن فعالية الأشجار لا تعتمد على عددها فقط، بل على توزيعها بالقرب من المنازل والطرق والأماكن التي يقضي فيها السكان معظم أوقاتهم.
دعوة عاجلة للتحرك
خلص التقرير إلى أن مخاطر الطقس المتطرف على القلب لم تعد سيناريو مستقبليًا، بل أصبحت واقعًا ينعكس في زيادة أعداد المرضى الذين يدخلون المستشفيات خلال موجات الحر والبرد.
وشدد الباحثون على ضرورة تعزيز الأبحاث العلمية، وتحديث الإرشادات الطبية، وتطوير سياسات صحية ومناخية متكاملة لحماية السكان، مؤكدين أن التنبؤات الجوية يجب أن تُعامل باعتبارها أداة مهمة للوقاية الصحية، تمامًا كما تُستخدم لمتابعة العواصف والأمطار.





