التأثير الاجتماعي قد يصبح أقوى سلاح لتسريع مواجهة تغير المناخ
من المشاهير إلى الجيران.. كيف يغيّر التأثير الاجتماعي سلوك الأفراد تجاه المناخ؟
أكدت دراسة علمية حديثة أن الاستفادة من قوة التأثير الاجتماعي قد تمثل أحد أكثر الأدوات فاعلية لتغيير السلوكيات المجتمعية وتسريع جهود مواجهة تغير المناخ، مشيرة إلى أن التأثير لا يقتصر على الحكومات أو المشاهير، بل يمتد إلى الأطباء، ورجال الدين، وأصحاب المشروعات الصغيرة، وحتى الأصدقاء والجيران وأفراد الأسرة.
وأجرى الدراسة باحثون من مركز التحولات الاجتماعية وتغير المناخ (CAST)، بمشاركة باحثين من جامعة كارديف البريطانية، ونُشرت نتائجها في دورية Nature Climate Change.
لماذا يعد التأثير الاجتماعي مهمًا؟
ترى الدراسة أن مواجهة تغير المناخ لا تعتمد فقط على تطوير التقنيات أو إصدار التشريعات، بل تتطلب أيضًا تغييرًا واسع النطاق في السلوك الفردي والمجتمعي، وهو ما يجعل فهم آليات التأثير الاجتماعي أمرًا أساسيًا لتسريع العمل المناخي.
وقالت الدكتورة بروني لاتر، الباحثة في مركز CAST بكلية علم النفس في جامعة كارديف، إن مواجهة تغير المناخ تتطلب تحولات مجتمعية واسعة، ولذلك كان من الضروري فهم كيفية توظيف التأثير الاجتماعي لدعم هذه التحولات.
وأضافت أن الدراسة جمعت الأدلة العلمية المتعلقة بتأثير فئات مختلفة من المجتمع، وكيف يمكن لكل منها أن يؤدي دورًا محوريًا في تعزيز المشاركة والعمل المناخي.

إطار علمي لفهم التأثير الاجتماعي
طوّر الباحثون إطارًا علميًا جديدًا يعتمد على أربعة عناصر رئيسية تحدد مدى نجاح التأثير الاجتماعي في تغيير السلوكيات المرتبطة بالمناخ، وهي:
• المرسل (Messenger) الشخص أو الجهة التي تنقل الرسالة.
• الجمهور (Audience) الفئة المستهدفة بالرسالة.
• طريقة التأثير (Mode of Influence) الوسيلة المستخدمة في إيصال الرسالة.
• مجال السلوك (Behavioral Domain) نوع السلوك المراد تغييره.
ويهدف هذا الإطار إلى مساعدة الباحثين وصناع السياسات والمؤسسات على تصميم حملات أكثر فاعلية لتعزيز السلوكيات المستدامة.

من هم أكثر الأشخاص تأثيرًا؟
تشير الدراسة إلى أن التأثير لا يقتصر على الشخصيات العامة، بل يشمل مجموعة واسعة من الفاعلين داخل المجتمع، من بينهم:
• المشاهير والرياضيون.
• السياسيون.
• الأطباء والعاملون في القطاع الصحي.
• رجال الدين.
• أصحاب المشروعات الصغيرة.
• مصففو الشعر.
• أفراد الأسرة والأصدقاء والجيران.
• زملاء العمل.
• الحكومات ووسائل الإعلام والشركات.
ويعتمد نجاح الرسالة على مدى الثقة والمصداقية والقرب بين المرسل والجمهور المستهدف.
الجمهور ليس متلقيًا سلبيًا
أوضحت الدراسة أن استجابة الأفراد تختلف وفق عوامل عديدة، مثل العمر، والدخل، والقيم الشخصية، والانتماءات الاجتماعية والسياسية، والمعتقدات.
ولذلك، فإن نجاح حملات التوعية يتطلب تفاعلًا متبادلًا بين المرسل والجمهور، وليس مجرد نقل المعلومات في اتجاه واحد.
كيف يتشكل التأثير؟
يرى الباحثون أن التأثير الاجتماعي يمكن أن ينتقل عبر وسائل متعددة، تشمل:
• المحادثات اليومية.
• وسائل الإعلام التقليدية.
• منصات التواصل الاجتماعي.
• القدوة والسلوك الشخصي.
• الحملات المؤسسية.
• السياسات الحكومية.
كما تلعب الأعراف الاجتماعية دورًا محوريًا، إذ يميل كثير من الأفراد إلى تبني السلوك الذي يرونه شائعًا أو مقبولًا داخل مجتمعهم.
ما السلوكيات الأكثر قابلية للتغيير؟
تشير الدراسة إلى أن بعض السلوكيات تتأثر بالتأثير الاجتماعي أكثر من غيرها، خاصة إذا كانت:
• مرئية للآخرين، مثل استخدام الدراجات.
• تحمل دلالة اجتماعية، مثل اتباع نظام غذائي نباتي.
• تتطلب قرارات غير مألوفة، مثل تركيب مضخات الحرارة أو الاستثمار في تقنيات الطاقة النظيفة.
وفي مثل هذه الحالات، يعتمد الأفراد بدرجة كبيرة على سلوك الآخرين لاتخاذ قراراتهم.
تحويل السلوك الأخضر إلى قاعدة عامة
من جانبه، أكد الدكتور سام هامبتون، الباحث في قسم علم النفس بجامعة باث وعضو مركز CAST، أن القلق الشعبي من تغير المناخ أصبح واسع الانتشار، إلا أن التحولات المطلوبة للحد من آثاره لا تزال أبطأ من المطلوب.
وأوضح أن الخيارات البيئية المستدامة يجب أن تتحول إلى سلوك طبيعي وسائد داخل المجتمع، وهو ما يتطلب الاستفادة من تأثير الشخصيات الموثوقة، وبناء أعراف اجتماعية تشجع على تبني أنماط حياة أكثر استدامة.
وأضاف أن الدراسة تستعرض نماذج ناجحة للتأثير الاجتماعي، وتحدد فرصًا جديدة لاستخدامه بصورة أكثر ذكاءً، عبر توجيه الرسائل المناسبة إلى الفئات المناسبة، والاستفادة من تأثير المشاهير والعلامات التجارية وقادة المجتمع المحلي في دعم التحول نحو مستقبل منخفض الكربون.





