الموانئ بوابة الاقتصاد الأزرق.. استثمارات خضراء تفتح فرصًا اقتصادية بأكثر من 54 مليار دولار

من الوقود الأخضر إلى حماية النظم البيئية.. خريطة تحويل الموانئ إلى مراكز للاقتصاد الأزرق

تمثل الموانئ فرصة استراتيجية لتسريع نمو الاقتصاد الأزرق، من خلال تطوير البنية التحتية للنقل البحري، وخفض الانبعاثات، وحماية النظم البيئية الساحلية، وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة المخاطر المناخية، وفق تحليل نشره المنتدى الاقتصادي العالمي.

وأوضح التحليل، الذي أعدته لارا موفتييه، مديرة منظومات الموانئ في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن المحيطات تدعم سبل عيش مليارات الأشخاص، وتنقل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، فيما تتراوح قيمة الاقتصاد المرتبط بالمحيطات بين 2.6 و5.1 تريليون دولار.

لكن التوسع المستمر في الأنشطة البحرية والتجارية يتزايد تداخله مع النظم البيئية الطبيعية والمجتمعات المحلية، ما يضع الموانئ أمام مسؤولية تتجاوز تشغيل السفن وتداول البضائع، لتشمل قيادة انتقال بحري أكثر استدامة وقدرة على الصمود.

وتتزايد أهمية هذا الدور مع توقعات نمو سوق البنية التحتية للموانئ العالمية بنحو 70%، من 164.5 مليار دولار في عام 2023 إلى 278.3 مليار دولار بحلول عام 2032.

وتستحوذ منطقة آسيا والمحيط الهادئ على نحو 45% من السوق العالمية، مستفيدة من وجود مراكز التصنيع الكبرى، كما تعاملت الموانئ في الاقتصادات الآسيوية النامية مع 60% من حركة الحاويات في الموانئ العالمية خلال عام 2024.

وتبرز الهند مثالًا على هذا التوسع، إذ تضاعف تقريبًا عدد الحاويات التي تمر عبر موانئها خلال عشر سنوات فقط، فيما يوفر مشروع «ساجارمالا» الاستراتيجي أساسًا لدعم استمرار نمو منظومة الموانئ وتطويرها.

تغير المناخ يضاعف المخاطر على الموانئ

تواجه الموانئ مجموعة متزايدة من المخاطر المناخية والبيئية التي تهدد استمرارية عملياتها، في وقت أصبحت فيه الظواهر الجوية المتطرفة وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور النظم البيئية والتغيرات الكبرى في أنظمة الأرض من أبرز المخاطر طويلة الأجل على الاقتصاد والمجتمعات.

ووفقًا لتقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، تظهر هذه المخاطر بالفعل في قطاع الموانئ، الذي يتعرض لاضطرابات تشغيلية متزايدة نتيجة تغير المناخ.

وفي أوروبا، ارتفعت نسبة الموانئ التي تواجه تحديات تشغيلية مرتبطة بالمناخ من 41% عام 2018 إلى 69% عام 2025، بينما تتعرض موانئ رئيسية في آسيا لمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف والفيضانات.

ويرى المنتدى، أن إزالة الكربون من الأنشطة البحرية، سواء على اليابسة أو في البحر، يمكن أن تساعد في الحد من هذه المخاطر، من خلال خفض الانبعاثات، التي تعد أحد المحركات الرئيسية لفقدان الطبيعة والتدهور البيئي.

ولا تقتصر المكاسب على الجانب البيئي؛ إذ يمكن لتطوير الموانئ لمواكبة التحول البحري أن يفتح قيمة اقتصادية تراكمية تتجاوز 54 مليار دولار بحلول عام 2030، وفق تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي.

الموانئ أمام تحديين: إزالة الكربون وتعزيز القدرة على الصمود

يقود المنظمة البحرية الدولية (IMO) جانبًا رئيسيًا من التحول نحو خفض الانبعاثات في قطاع النقل البحري، من خلال هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية من غازات الدفيئة بحلول عام 2050.

ويتطلب هذا التحول التوسع في استخدام أنواع وقود بديلة، من بينها الميثانول الأخضر والأمونيا الخضراء والوقود الإلكتروني الاصطناعي، إلى جانب تطوير البنية التحتية اللازمة لإنتاج هذه الأنواع وتخزينها وتزويد السفن بها.

وتشير تقديرات عام 2025 إلى أن القدرة العالمية على تحديث السفن القائمة لتتوافق مع متطلبات التحول تبلغ نحو 465 سفينة سنويًا، مقابل احتياجات متوقعة قد تتجاوز 1000 عملية تحويل سنويًا عند ذروة الطلب.

ويعني ذلك ضرورة إنشاء مرافق جديدة لتزويد السفن بالوقود البديل، وتحديث المرافق القائمة، وبناء سفن مجهزة للتعامل مع أنواع الوقود المستقبلية، وتطوير الأساطيل الحالية، إلى جانب زيادة قدرات أحواض بناء السفن، خصوصًا في مجال تحديث السفن القائمة.

وتُقدر الاستثمارات اللازمة لتحقيق هدف المنظمة البحرية الدولية لعام 2050 بنحو 1 إلى 1.4 تريليون دولار، يوجه نحو 87% منها إلى البنية التحتية على اليابسة، مقابل 13% للسفن.

الطبيعة والموارد البشرية أصول استراتيجية للمرونة

لا يقتصر التحول البحري على تحديث السفن والموانئ، بل يتطلب تطوير مهارات جديدة للتعامل الآمن مع أنواع الوقود البديلة، سواء على متن السفن أو في المنشآت الساحلية ومحطات التزويد.

ويؤكد التحليل أن هذا التحول ينبغي أن يواكب إنشاء وظائف ومجتمعات أكثر أمانًا ومرونة وشمولًا، مع وضع الصحة والسلامة في صميم الاستراتيجيات والعمليات التشغيلية.

ويعمل في القطاع البحري نحو 30 مليون شخص بصورة مباشرة، بينما يستفيد منه بصورة غير مباشرة نحو 90 مليون وظيفة.

ومن المتوقع أن يؤدي التحول إلى أنواع وقود بحرية قابلة للتوسع وخالية من الانبعاثات إلى توفير ما يصل إلى 4 ملايين وظيفة عبر سلسلة إمدادات الطاقة بحلول عام 2050.

وتؤدي الموانئ دورًا محوريًا في هذا المسار؛ إذ توفر على اليابسة البنية التحتية اللازمة لإنتاج الوقود البديل وتخزينه وتزويد السفن به، وبناء السفن وتحديثها، وإنشاء ممرات بحرية خضراء، فيما يتيح تطوير مرافقها للسفن الوصول إلى مزيج الوقود المستقبلي.

كما يتيح خفض الانبعاثات البحرية فرصة لتطوير البنية التحتية ونماذج الأعمال بصورة مسؤولة، من خلال التعامل مع الطبيعة والمياه والموارد البشرية باعتبارها أصولًا استراتيجية لتعزيز قدرة الموانئ على الصمود.

ويشمل ذلك دمج الحلول القائمة على الطبيعة في تصميم الموانئ، وتطوير أنظمة آمنة ودائرية لإدارة المياه والنفايات، بما يجعل النظم البيئية الطبيعية جزءًا من البنية التحتية الواقية، ويساعد على تقليل المخاطر والتكاليف على المدى الطويل.

قرارات الاستثمار اليوم ترسم مستقبل الموانئ لعقود

نظرًا لطول العمر التشغيلي للبنية التحتية للموانئ ومنشآت الطاقة، فإن القرارات الاستثمارية التي تُتخذ حاليًا ستحدد مستوى مرونة المراكز البحرية وقدرتها التنافسية لعقود مقبلة.

ويوفر التحول إلى أنواع الوقود البحري الجديدة فرصة لتحديث المنشآت القائمة وتطوير مشروعات جديدة، مع دمج اعتبارات حماية الطبيعة واحتياجات السكان في تصميم البنية التحتية، باعتبارها عناصر أساسية لاستدامة منظومة الموانئ.

وفي الوقت نفسه، يتطلب التحول دمج استراتيجيات خفض الانبعاثات مع خطط حماية الطبيعة، نظرًا للترابط بين مواجهة تغير المناخ والحد من فقدان التنوع البيولوجي وتدهور النظم البيئية.

وأشار تقرير «الاقتصاد الأزرق التجديدي: مسارات نحو الازدهار» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن عددًا من المؤسسات بدأ بالفعل في تبني هذا التوجه، لكن توسيع نطاقه يتطلب إثبات جدواه التجارية وتعزيز مبررات الاستثمار، والانتقال من المشروعات التجريبية المنفردة إلى تطبيقات أوسع على مستوى المنظومات الاقتصادية.

منظومة الموانئ تحتاج إلى تعاون يتجاوز حدود المؤسسات

يعتمد توسيع نطاق خفض الانبعاثات في القطاع البحري على قدرة الشركات والجهات المعنية على التعاون، خصوصًا أن منظومة الموانئ تضم أطرافًا متعددة ترتبط أنشطتها ببعضها، لكنها تعمل في كثير من الأحيان ضمن هياكل مؤسسية متفرقة.

ويؤدي هذا التشتت إلى صعوبة تحديد المسؤوليات عن المخاطر بصورة متكاملة، وتأخر الاستثمارات أو تكرارها، وعدم توافق الحوافز، فضلًا عن تنفيذ تدابير تعزيز المرونة بصورة جزئية بدلًا من تطبيقها على مستوى المنظومة بأكملها.

ولمواجهة هذه التحديات، يشير المنتدى إلى أهمية العمل المشترك بين الشركات والجهات الحكومية والمستثمرين والمؤسسات العاملة داخل الموانئ والمناطق الصناعية المحيطة بها.

ومن بين المبادرات التي تستهدف تعزيز هذا التعاون مبادرة «التحول في التجمعات الصناعية» (TIC)، التي جمعت خلال خمس سنوات أكثر من 40 تجمعًا صناعيًا نشطًا، بهدف بناء رؤية مشتركة وتعزيز التعاون بين المؤسسات العاملة في المنطقة الصناعية الواحدة.

كما تعمل مبادرة «تسريع التحول الحاسم للمحيطات» (ACT Ocean) على تطوير حلول مشتركة بين القطاعات لدعم صحة المحيطات والاقتصاد المرتبط بها، فيما تمثل مبادرة «تسريع التحول الحاسم للموانئ» (ACT Ports) مسارًا مخصصًا لقطاع الموانئ ضمن هذه الجهود.

وتهدف هذه المبادرات إلى دعم النمو الاقتصادي المشترك وخلق الوظائف وخفض الانبعاثات وتعزيز حماية البيئة، إلى جانب تسريع نشر التقنيات الجديدة وتحسين القدرة التنافسية وتحقيق نمو مستدام طويل الأجل، بما يعود بالنفع على الطبيعة والمجتمعات والاقتصاد.

الموانئ العالمية

آسيا أمام فرصة لقيادة التحول البحري

تبدو الفرصة كبيرة أمام آسيا لقيادة الجيل الجديد من التحول البحري، في ظل ضخامة أسواق الموانئ والصناعة في المنطقة وسرعة توسعها، ما يجعل القرارات الاستثمارية الحالية مؤثرة في شكل البنية التحتية البحرية لعقود مقبلة.

ويؤكد المنتدى أن دمج حماية الطبيعة واحتياجات العاملين والمجتمعات الساحلية، إلى جانب تعزيز المرونة والاستثمار المسؤول منذ المراحل الأولى للتخطيط، يمكن أن يحول الموانئ ومراكز التجارة إلى بوابات رئيسية للاقتصاد الأزرق.

ومن شأن نجاح هذا التحول أن يضع المنطقة في موقع متقدم لبناء منظومات بحرية أكثر تنافسية واستدامة وقدرة على مواجهة المخاطر، بما يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية أوسع.

↑
Exit mobile version