أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

ناسا: الأرض تفقد مساحتها أسرع مما نظن.. السر في تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر وذوبان الجليد

منسوب البحر ارتفع 3.5 بوصات منذ 1993عالميا.. تسارع واضح العقدين الماضيين

كشفت دراسة علمية حديثة أن كوكب الأرض يخسر من مساحاته اليابسة بوتيرة متسارعة بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، وهو خطر تتأكد أبعاده يومًا بعد يوم مع تراكم الأدلة العلمية.
الدراسة، المنشورة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences، اعتمدت على تقنية جديدة من نوعها باستخدام الليزر لتتبع التغيرات في كتلة المياه على سطح الأرض، وأكدت أن منسوب البحر العالمي ارتفع بما يقارب 3.5 بوصات منذ عام 1993، مع تسارع واضح خلال العقدين الماضيين.

مصدر الخطر: ذوبان الجليد أكثر من الحرارة

وفق الدراسة، فإن نحو 60% من الارتفاع العالمي لمستوى سطح البحر جاء نتيجة تدفق مياه جديدة إلى المحيطات، وأكثر من 80% من هذه المياه مصدرها ذوبان الجليد البري في جرينلاند والقطب الجنوبي.
ويشير الباحثون إلى أن هذه النسبة المتزايدة من “المياه المضافة” تعكس تحولًا خطيرًا، حيث أصبح ذوبان الجليد المحرك الأساسي للارتفاع، بعدما كان التمدد الحراري لمياه المحيطات هو العامل الأبرز سابقًا.
وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن المحيطات تمتص نحو 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن الغازات الدفيئة، مما يؤدي إلى تمدد مياهها.
لكن ما يكشفه هذا البحث أن التأثير الأكبر الآن يأتي من الجليد الذائب، وهو ما يعني أن الارتفاع مرشح للاستمرار بوتيرة أسرع على المدى الطويل.

ارتفاع مستوى سطح البحر
ارتفاع مستوى سطح البحر

الليزر يضيف الدقة المفقودة

قاد فريق البحث الدكتور يوفنج ني من قسم المساحة الجيوديسية والمعلوماتية بجامعة هونغ كونغ بوليتكنيك (PolyU)، حيث ركز على ما يعرف بـ “الارتفاع البارستاتيكي”، أي الجزء الناجم عن إضافة مياه جديدة إلى المحيطات.
الفريق اعتمد على تقنية التسطيح بالليزر (SLR)، التي تقوم على إرسال نبضات ليزرية قصيرة من محطات أرضية إلى الأقمار الصناعية وقياس زمن عودتها بدقة ملليمترية.
هذه الطريقة تتيح تتبع التغيرات الدقيقة في مجال الجاذبية الأرضية، الناتجة عن تحركات المياه والجليد.
ولمزيد من الموثوقية، قارن الباحثون سجلات الليزر مع بيانات مهمة GRACE التابعة لناسا وألمانيا، والتي بدأت منذ 2002 في رصد التغيرات في مخزون المياه الأرضية، النتيجة كانت تطابقًا لافتًا بين السجلين، ما يعزز الثقة في دقة التقديرات.
ويشير الباحثون إلى أن قيمة هذه التقنية تكمن في أنها توفر سجلًا مستمرًا منذ أوائل التسعينيات، دون انقطاع، وهو ما لم يكن متاحًا عبر الأقمار الصناعية السابقة.
وبذلك تسهم في سد فجوة مهمة في فهم تطور مستوى سطح البحر على مدى العقود الماضية.

ليزر الأقمار الصناعية يكشف سر ارتفاع مستوى سطح البحر
ليزر الأقمار الصناعية يكشف سر ارتفاع مستوى سطح البحر

الخطر يتجاوز الأرقام

قد يبدو ارتفاع 3.5 بوصات خلال ثلاثة عقود أمرًا محدودًا، لكن الدراسة تؤكد أن هذا الرقم يخفي وراءه تأثيرات مدمرة على السواحل.
فارتفاع خط الأساس للبحر، حتى لو ببضعة سنتيمترات، يعني أن العواصف والأمطار الغزيرة والمدّ العالي تصل إلى مستويات أبعد داخل اليابسة، محدثة فيضانات في مناطق لم تكن معرضة سابقًا.
كما أن توزيع المياه ليس متساويًا حول العالم. فعندما يذوب الجليد في القطبين، تتغير أنماط الجاذبية الأرضية، ما يؤدي إلى ما يعرف بـ “بصمات مستوى البحر”، حيث ترتفع المياه في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.
وهذا ما يفسر تعرض بعض السواحل لخطر مضاعف مقارنة بمناطق أخرى.

تداعيات على المدن الساحلية

تواجه المجتمعات الساحلية حول العالم اليوم واقعًا أكثر هشاشة. المدن المنخفضة مثل ميامي، البندقية، الإسكندرية، دكا، وأخرى كثيرة، أصبحت تشهد زيادة في الفيضانات الناتجة عن المد العالي.
ومع استمرار الذوبان، يحذر الخبراء من أن ملايين البشر مهددون بالنزوح خلال العقود المقبلة، فضلًا عن خسائر اقتصادية ضخمة في البنية التحتية، من الموانئ والطرق إلى محطات المياه والصرف الصحي.
وتؤكد الدراسة، أن “المسألة لم تعد نظرية”، فالتغيرات الميدانية اليوم مرئية وموثقة، لذا، يجب على صناع القرار والمخططين الحضريين إدخال سيناريو ارتفاع مستوى سطح البحر في خطط التنمية والبناء والتأمين، بما يشمل رفع البنى التحتية الحيوية، وتحصين السدود البحرية، واستعادة النظم البيئية الساحلية مثل المستنقعات والمسطحات الملحية التي تشكل دروعًا طبيعية ضد الفيضانات.

ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المدن الساحلية
ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المدن الساحلية

ما الذي يراقبه العلماء لاحقًا؟

الخطوة المقبلة في الأبحاث تتركز على تحسين التوقعات المستقبلية عبر دمج بيانات الليزر مع بعثات GRACE والقياسات بالأقمار الاصطناعية الأخرى، لتكوين صورة أشمل عن معدلات الذوبان في جرينلاند والقطب الجنوبي.
كما ستساعد هذه البيانات في اختبار دقة النماذج المناخية، والتأكد من قدرتها على محاكاة كل من معدلات الارتفاع والتسارع.
وهذا أمر جوهري، لأن القرارات السياسية والاقتصادية المتعلقة بالبنية التحتية والتأمين تعتمد على تقديرات دقيقة لمستقبل مستوى سطح البحر.

الخلاصة: البحر يزحف بصمت

تشير نتائج هذه الدراسة إلى حقيقة صارخة: المياه الذائبة من اليابسة أصبحت المحرك الأول لارتفاع مستوى سطح البحر، وليس مجرد تمدد حراري كما كان في الماضي، ومع استمرار الانبعاثات وذوبان الجليد، فإن القصة لم تعد عن “إذا ما ارتفع البحر”، بل عن “مدى سرعة وارتفاع هذا البحر”.
في مواجهة هذا التحدي، يرى العلماء أن الاستثمار المبكر في الحماية والتكيف هو الخيار الأقل كلفة، مقارنةً بانتظار الكوارث ودفع ثمنها الباهظ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading