وجهات نظر

سماء أحمد محمد: هل تصبح السعودية مركزًا عالميًا لتجارة الكربون؟

استشاري الكربون والاستدامة

في عالمٍ يتسارع فيه التغير المناخي بشكل مقلق، لم يعد خفض الانبعاثات الكربونية رفاهية أو خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة ملحّة لضمان مستقبل الأجيال القادمة. وسط هذا المشهد العالمي، برزت المملكة العربية السعودية كلاعبٍ مهم في الساحة البيئية بإطلاقها أول سوق كربون طوعية في الشرق الأوسط. هذه الخطوة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة (PIF) بالتعاون مع مجموعة تداول السعودية، ليست مجرد مبادرة بيئية، بل هي استثمار استراتيجي يحمل في طياته أهدافًا اقتصادية وبيئية تمتد لعقودٍ قادمة.

لطالما ارتبط اسم السعودية بالنفط، لكنّ المستقبل يبدو مختلفًا الآن. المملكة، التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، أعلنت التزامها بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، في إطار رؤية متكاملة تعتمد على الاقتصاد الدائري للكربون فسوق الكربون الجديدة هي إحدى الأدوات الرئيسية لتحقيق هذا الهدف، عبر تشجيع الشركات على شراء أرصدة كربونية لتعويض انبعاثاتها، مقابل دعم مشاريع بيئية تُساهم في خفض الكربون من الغلاف الجوي.

البداية من المزاد الأول إلى المنصة الرسمية:

في يونيو 2023، شهدت السعودية لحظة فارقة عندما أقامت أول مزادٍ كربوني في تاريخها. الحدث كان تاريخيًا بكل المقاييس، حيث تم بيع 2.2 مليون طن متري من أرصدة الكربون، في مشاركة لافتة من كبرى الشركات الوطنية مثل أرامكو السعودية والشركة السعودية للكهرباء وإينووا التابعة لنيوم. ولم يكن المزاد مجرد خطوة رمزية، بل كان اختبارًا حقيقيًا لمدى جاهزية السوق واستعداد الشركات للاستثمار في الحلول البيئية.

نجاح المزاد شجّع الجهات المعنية على تسريع الخطوات التالية، وفي نوفمبر 2024، أطلقت المملكة أول منصة رسمية لتداول أرصدة الكربون. هذه المنصة تعمل وفق آليات السوق المالية التقليدية، حيث يمكن للشركات شراء وبيع الأرصدة الكربونية بشفافية وكفاءة. أصبح الكربون، الذي كان يُعتبر في السابق عبئًا بيئيًا، سلعةً استثمارية قابلة للتداول ضمن استراتيجية واضحة تهدف إلى دعم المشاريع الخضراء وتقليل الانبعاثات.

الطاقة المتجددة:

الطاقة المتجددة هي الركيزة الأساسية لسوق الكربون السعودي، فبدون مشاريع تُنتج طاقة نظيفة، لن يكون هناك أرصدة كربونية كافية لدعم السوق. فالمملكة، التي تتمتع بأعلى معدلات سطوع شمسي في العالم ومساحات شاسعة من الصحاري، استغلت هذه الميزات لإطلاق مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

في منطقة الجوف، شُيّدت محطة سكاكا للطاقة الشمسية بقدرة 300 ميجاوات، وكانت أول مشروع للطاقة الشمسية على مستوى المملكة فالمحطة، التي بدأت التشغيل في 2021، تُنتج كهرباءً نظيفة تكفي لتقليل 500 ألف طن سنويًا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل الانبعاثات الناتجة عن تشغيل عشرات الآلاف من السيارات..

ولم تكتفِ السعودية بهذا الإنجاز، بل أطلقت مشروعًا أكبر وأكثر طموحًا في محطة سدير للطاقة الشمسية، والتي تقع في منطقة الرياض بطاقة إنتاجية تصل إلى 1.5 جيجاوات، ستكون المحطة عند اكتمالها من بين الأكبر في العالم، ومن المتوقع أن تُخفض 2.9 مليون طن من الكربون سنويًا.

أما في الشمال، وتحديدًا في منطقة دومة الجندل، فقد بدأت السعودية أول مشروع لطاقة الرياح في تاريخها.

المشروع الذي بدأ التشغيل التجاري في 2022 بقدرة 400 ميجاوات، يُنتج كهرباءً نظيفة تكفي لتقليل 800 ألف طن من الكربون سنويًا.

هذه الأرقام ليست مجرد تقديرات، بل هي نتائج فعلية يُعتمد عليها عند إصدار أرصدة الكربون التي تتداولها الشركات.

آلية قياس هذه الأرصدة تعتمد على مقارنة الانبعاثات التي كان سيتم إطلاقها لو أُنتجت الكهرباء باستخدام الوقود الأحفوري، مع الانبعاثات الفعلية الناتجة عن استخدام الطاقة المتجددة. هذه المقارنة تتم وفق معايير دولية مثل Clean Development Mechanism (CDM)، والتي تضمن دقة الأرقام وموثوقيتها.

التشجير والغابات الساحلية:

على الرغم من أهمية الطاقة المتجددة، فإن التشجير يظل من أكثر الحلول الطبيعية فعاليةً في مواجهة تغيّر المناخ.

الأشجار، عبر عملية التمثيل الضوئي، تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء، وتُخزّنه في جذوعها وجذورها والتربة المحيطة بها.

ولهذا السبب، أطلقت السعودية مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، بهدف زراعة 50 مليار شجرة في المنطقة، منها 10 مليارات شجرة داخل المملكة.

لكن التشجير في السعودية لا يقتصر على المناطق الصحراوية التقليدية بل هناك تركيزٌ خاص على زراعة أشجار المانجروف على طول السواحل السعودية فهذه الأشجار، التي تنمو في المناطق الساحلية المالحة، تستطيع امتصاص الكربون بمعدلٍ يفوق الغابات التقليدية بخمسة أضعاف.

ولضمان دقة الأرقام، تستخدم المملكة الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة لمراقبة الغطاء النباتي وقياس الكربون المُخزّن وهذه التقنية تتيح إصدار أرصدة كربونية موثوقة يمكن تداولها في السوق.

احتجاز الكربون: تكنولوجيا تُنقذ الصناعات الثقيلة

التحول إلى الطاقة النظيفة ليس ممكنًا في كل القطاعات. في صناعات مثل الأسمنت والبتروكيماويات، تظل الانبعاثات أمرًا حتميًا. هنا، تعتمد السعودية على تقنيات احتجاز وتخزين الكربون (CCUS)، والتي تعمل على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من مداخن المصانع، ثم ضخه في طبقات جيولوجية عميقة بدلًا من تركه يساهم في رفع حرارة الكوكب.

أبرز الأمثلة على هذه التقنيات هو مشروع أرامكو في الجبيل، والذي يُعد واحدًا من أكبر مشروعات احتجاز الكربون في المنطقة.

يُحتجز في هذا المشروع 800 ألف طن من الكربون سنويًا، يُستخدم جزءٌ منها لاحقًا في عمليات استخلاص النفط المحسّن.

وفي نيوم، الوجهة المستقبلية للمملكة، يُجرى العمل على مشروع لإنتاج الهيدروجين الأخضر، يعتمد في جزء منه على الكربون المحتجز.

هذا المشروع، عند اكتماله، سيكون من بين الأضخم عالميًا في مجال الوقود النظيف، وسيساهم في توفير أرصدة كربونية للشركات المستثمرة.

هل تصبح الرياض عاصمة الكربون؟

مع كل هذه المشاريع والاستثمارات، تبدو السعودية مصممة على أن تصبح مركزًا عالميًا لتجارة الكربون.

فالطموح لا يقتصر على خفض الانبعاثات محليًا، بل يمتد إلى تصدير أرصدة الكربون لدول أخرى تواجه صعوبة في تحقيق أهدافها البيئية.

إن كانت الأسواق التقليدية قائمةً على بيع النفط والغاز، فإن أسواق المستقبل قد تعتمد على بيع الهواء النظيف.

وفي هذا المجال، تبدو المملكة في موقعٍ مثالي للقيادة، مدعومةً برؤية طموحة واستثمارات ضخمة.

ربما تكون الخطوات الأولى قد بدأت للتو، لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن السعودية تمضي في الطريق الصحيح نحو أن تصبح عاصمة تجارة الكربون في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading