كشفت دراسة علمية حديثة عن تحدٍ متزايد يواجه قطاع الطاقة في أوروبا، يتمثل في تأثير الجفاف على استقرار شبكات الكهرباء، حيث يؤدي انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية ومصادر الطاقة المتجددة الأخرى إلى زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري لتعويض النقص في الإمدادات.
وأجريت الدراسة على 25 دولة أوروبية خلال الفترة من 2017 إلى 2023، وأظهرت أن إنتاج الكهرباء من المصادر الأحفورية في الاتحاد الأوروبي ارتفع بنحو 180 تيراواط/ساعة خلال فترات الجفاف، وهو ما يعادل نحو 7% من إجمالي إنتاج الكهرباء في عام 2022.
ويحذر الباحثون من أن تغير المناخ، الذي يزيد من حدة وتكرار فترات الجفاف، قد يخلق حلقة مفرغة، حيث تؤدي الظروف المناخية القاسية إلى زيادة الانبعاثات الكربونية، ما يفاقم بدوره أزمة الاحتباس الحراري.

وخلال الفترات التي شملتها الدراسة، أدت الحاجة لتعويض نقص الطاقة إلى انبعاث نحو 141 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يفوق الانبعاثات السنوية لقطاع الوقود الأحفوري في دول مثل هولندا.
وقال فرانشيسكو تشيروبيني، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن أوروبا لا تزال تعتمد جزئيًا على الوقود الأحفوري لتعويض تراجع مصادر الطاقة المتجددة خلال فترات الجفاف، لكنه أكد أن هناك حلولًا متاحة لتقليل هذا الاعتماد تدريجيًا.

وأضاف أن التحول نحو أنظمة كهرباء أكثر مرونة وتكاملًا بين الدول يمكن أن يخفف من هذه الأزمة، مشيرًا إلى أن استمرار الاستثمار في الطاقة المتجددة يمثل خيارًا أكثر استدامة وأقل تكلفة على المدى الطويل مقارنة بالوقود الأحفوري.
ولم تقتصر آثار الجفاف على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بل امتدت لتشمل تلوث الهواء، حيث رصد الباحثون زيادة في انبعاثات ملوثات خطيرة مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة (PM2.5)، التي تشكل تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان.
وتوضح الدراسة أن الجسيمات الدقيقة، رغم أنها تمثل نحو 4% فقط من إجمالي الملوثات، إلا أنها مسؤولة عن 20% من الأضرار الصحية الناتجة عن تلوث الهواء، نظرًا لقدرتها على اختراق الجهاز التنفسي والدخول إلى مجرى الدم.

كما أظهرت النتائج تفاوتًا كبيرًا بين الدول الأوروبية، حيث سجلت بلغاريا وإسبانيا وإيطاليا أعلى معدلات التلوث الناتج عن استخدام الوقود الأحفوري خلال فترات الجفاف، بينما سجلت فرنسا انخفاضًا في الاعتماد على الفحم في بعض الفترات، ما أدى إلى نتائج معاكسة في الانبعاثات.
وقدّرت الدراسة التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن هذه الانبعاثات الإضافية بنحو 26 مليار دولار، ما يعكس حجم التأثير غير المباشر للجفاف على الاقتصاد والصحة العامة.
ويرى الباحثون أن الحل لا يكمن في التراجع عن الطاقة المتجددة، بل في تعزيزها وتوسيع شبكات الربط الكهربائي بين الدول، بما يسمح بنقل الفائض من الطاقة من مناطق الإنتاج إلى مناطق العجز.

كما يشير الخبراء إلى أهمية تطوير تقنيات تخزين الطاقة مثل البطاريات والهيدروجين الأخضر، إلى جانب أنظمة إدارة الطلب التي تتيح تقليل الاستهلاك في أوقات الذروة، كوسائل فعالة لتعزيز استقرار الشبكات.
ويؤكد الباحثون أن العالم يواجه واقعًا مناخيًا أكثر حرارة وجفافًا، ما يستدعي إعادة تصميم أنظمة الطاقة لتكون أكثر قدرة على الصمود أمام الظواهر المناخية المتطرفة.





