ارتفاع ثاني أكسيد الكربون يعزز نمو حشائش السافانا خاصة في المناطق الأكثر جفافًا
يزيد نمو حشائش السافانا الأفريقية.. ماذا يعني ذلك للرعي والحرائق والكربون؟
مع ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون CO₂ في الغلاف الجوي، تتغير الطريقة التي تنمو بها حشائش السافانا الأفريقية وتستخدم المياه، وهو تغير قد تكون له آثار واسعة على الرعي والحياة البرية وحرائق الغطاء النباتي ودورة الكربون.
وتستخدم النباتات ثاني أكسيد الكربون خلال عملية البناء الضوئي لإنتاج الكربوهيدرات اللازمة للنمو. ومع زيادة تركيزه في الغلاف الجوي، تستطيع كثير من النباتات إجراء البناء الضوئي بكفاءة أكبر أو استخدام المياه بصورة أكثر كفاءة، وهي الظاهرة المعروفة باسم «تسميد ثاني أكسيد الكربون».
وقد دُرست هذه الظاهرة على نطاق واسع في الغابات والمحاصيل الزراعية والنظم البيئية المعتدلة، لكن تأثيرها في الحشائش البرية التي تهيمن على السافانا المدارية ظل أقل دراسة.
وكان العلماء يتوقعون منذ عقود أن تستجيب حشائش السافانا لارتفاع CO₂ بدرجة أقل من كثير من الأشجار والنباتات الأخرى، لأن معظمها يستخدم نوعًا من البناء الضوئي يعرف باسم البناء الضوئي C4.
ومن أمثلة هذه الحشائش الشائعة في السافانا الأفريقية العشب الأحمر (Themeda triandra) وعشب البوشفيلد (Urochloa mosambicensis).
لماذا كان العلماء يتوقعون استجابة محدودة؟

تمتلك حشائش C4 آلية طبيعية تساعدها بالفعل على تركيز ثاني أكسيد الكربون داخل أوراقها، ما يجعلها أكثر كفاءة في استخدامه خلال البناء الضوئي.
ولهذا افترض العلماء أن هذه الحشائش قد تكون قريبة من الحد الذي تستطيع عنده الاستفادة من CO₂ الإضافي، وأن زيادة تركيزه في الهواء لن تحدث فرقًا كبيرًا في نموها.
لكن فريقًا دوليًا من علماء البيئة والنظم البيئية أراد اختبار هذه الفرضية، ومعرفة ما إذا كانت حشائش السافانا البرية تنمو بصورة أكبر عندما يرتفع CO₂، وما إذا كان تأثير ذلك يختلف بين الظروف الرطبة والجافة.
70 تجربة تكشف علاقة بين CO₂ والمياه

بدأ الباحثون بمراجعة 70 تجربة منشورة قارنت استجابة حشائش C4 البرية لمستويات طبيعية ومرتفعة من ثاني أكسيد الكربون، في ظروف تتوافر فيها المياه وأخرى تعاني من نقصها.
ثم انتقلوا إلى البيانات الميدانية في متنزه كروغر الوطني بجنوب أفريقيا، حيث حللوا معدلات نمو الحشائش سنويًا في 533 موقعًا خلال الفترة من 1989 إلى 2021.
ويوفر المتنزه فرصة نادرة لدراسة التغيرات طويلة المدى، لأن حشائش C4 تهيمن على أجزاء واسعة منه، ولأن المنطقة تمتلك سجلًا ميدانيًا مستمرًا يمتد لأكثر من ثلاثة عقود.
وتتبع الباحثون تغيرات نمو الحشائش بالتزامن مع ارتفاع تركيز CO₂ في الغلاف الجوي.
كما استخدموا نموذجًا حاسوبيًا لاستكشاف كيفية تغير نمو حشائش C4 خلال بقية القرن الحالي مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون وتغير درجات الحرارة وأنماط هطول الأمطار.
نمو الحشائش في كروجر ارتفع 28%
أظهرت النتائج أن إنتاج الحشائش في متنزه كروجر الوطني ارتفع بنسبة 28% خلال العقود الثلاثة التي شملتها الدراسة.
ويرتبط ذلك، وفق النتائج، بقدرة ارتفاع CO₂ على مساعدة حشائش السافانا على الاحتفاظ بالمياه والنمو بصورة أكبر في الظروف الجافة.
وخلال الفترة نفسها، ارتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بنحو 18%.
وحتى بعد أخذ التغيرات في هطول الأمطار والحرائق وعوامل بيئية أخرى في الاعتبار، ظل إنتاج الحشائش يظهر اتجاهًا تصاعديًا.
ويتوافق هذا الاتجاه مع نتائج التجارب، التي أظهرت أن ارتفاع CO₂ يساعد الحشائش على استخدام المياه المحدودة بكفاءة أكبر.
التأثير الأكبر يظهر في السافانا الأكثر جفافًا
كان تأثير ارتفاع ثاني أكسيد الكربون أكثر وضوحًا في المناطق التي تعاني من نقص المياه.
فعندما تكون المياه محدودة، يسمح ارتفاع CO₂ لحشائش C4 بفقد كمية أقل من المياه مع استمرارها في إجراء البناء الضوئي.
وبعبارة أخرى، تستطيع الحشائش اكتساب كمية أكبر من الكربون مقابل كل وحدة من المياه التي تفقدها.
وفي السافانا التي تعاني من شح المياه، أدى ذلك إلى زيادة كمية المادة النباتية الموجودة فوق سطح الأرض عند تعرض الحشائش لمستويات أعلى من CO₂، أما عندما كانت المياه متوافرة بكثرة، فكان هذا التأثير أضعف بكثير.
وتوصل الباحثون إلى النمط نفسه في كروغر؛ إذ استخدموا كمية الحشائش الموجودة فوق سطح الأرض خلال السنة الأولى بعد الحريق باعتبارها أفضل مؤشر متاح لكمية النمو السنوي.
وكانت الزيادة في إنتاج الحشائش أكبر في المناطق الأكثر جفافًا داخل المتنزه، حيث يُتوقع أن تكون فائدة تحسين كفاءة استخدام المياه أكبر.
حشائش أطول وأكثر إنتاجية بدأت تهيمن
لم يقتصر التغير على كمية الحشائش، فقد وجد الباحثون أن الأنواع الأطول والأكثر إنتاجية أصبحت أكثر حضورًا مع مرور الوقت.
ويشير ذلك إلى أن ارتفاع CO₂ قد لا يؤثر فقط في كمية الحشائش التي تنمو، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في تركيب المجتمع النباتي والأنواع التي تصبح أكثر انتشارًا وهيمنة.
وأظهرت النمذجة أن هذه الاستجابة قد تستمر خلال القرن الحادي والعشرين، كما أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الجفاف يضعفان تأثير CO₂، لكنهما لا يلغيانه بالكامل.
وبناءً على النموذج، من المتوقع أن يستمر إنتاج حشائش C4 في الزيادة مع استمرار ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
ماذا يعني ذلك للحيوانات والرعي؟
تغطي السافانا نحو نصف مساحة أفريقيا، وتشكل الحشائش عنصرًا أساسيًا في عمل هذه النظم البيئية.
وقد يعني نمو المزيد من الحشائش توفير غذاء إضافي للحيوانات البرية والماشية، لكن زيادة كمية الحشائش لا تعني بالضرورة زيادة جودتها الغذائية.
فارتفاع CO₂ يمكن أن يغير التوازن بين الكربون والنيتروجين داخل النباتات، وهو ما قد يؤثر في قيمتها الغذائية بالنسبة للحيوانات التي تعتمد عليها.
ولهذا فإن زيادة الكتلة النباتية وحدها لا تكفي للحكم على ما إذا كانت السافانا ستوفر غذاءً أفضل للحيوانات.
حشائش أكثر قد تعني وقودًا أكثر للحرائق
الحشائش هي الوقود الرئيسي لمعظم حرائق السافانا، وبالتالي، فإن زيادة نموها يمكن أن تعني أيضًا زيادة كمية المادة النباتية المتاحة للاحتراق.
وهذا قد يؤثر في تكرار الحرائق وشدتها وانتشارها، كما يمكن أن يغير العلاقة التنافسية بين الحشائش والأشجار داخل السافانا.
وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية مع تغير المناخ، لأن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار يمكن أن يؤثرا في جفاف الغطاء النباتي وظروف اندلاع الحرائق.
هل يعني نمو الحشائش تخزين المزيد من الكربون؟
رغم أن زيادة نمو النباتات تعني امتصاص كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون أثناء نموها، فإن امتصاص الكربون ليس هو نفسه تخزينه على المدى الطويل.
فالحشائش تُؤكل من الحيوانات، وتتحلل بعد موتها، وقد تحترق في حرائق السافانا، وفي هذه الحالات يعود جزء كبير من الكربون الموجود في أوراقها وسيقانها إلى الغلاف الجوي.
ويحدث التخزين طويل الأجل للكربون في الأراضي العشبية بصورة رئيسية تحت سطح الأرض، وخصوصًا في التربة.
لكن مراجعة التجارب التي أجراها الباحثون لم تجد زيادة ثابتة في كمية الجذور تحت مستويات CO₂ المرتفعة.
ولهذا لا يمكن استنتاج أن الزيادة في نمو الحشائش التي رُصدت في الدراسة تعوض ظاهرة الاحتباس الحراري أو تؤدي بالضرورة إلى تخزين إضافي طويل الأمد للكربون.
والأهم أن ارتفاع CO₂ نفسه هو أحد الأسباب الرئيسية لتغير المناخ، وفي الوقت ذاته أصبح عاملًا مباشرًا في إعادة تشكيل النظم البيئية التي تتعرض له.
لا يكفي الاعتماد على الحرارة والأمطار
تشير النتائج إلى أن العلماء ومديري الأراضي لن يكون بإمكانهم تفسير التغيرات المستقبلية في السافانا بالاعتماد على هطول الأمطار ودرجات الحرارة وحدهما.
فتركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي يتغير أيضًا، وهذا التغير يؤثر بصورة مباشرة في كيفية نمو الحشائش واستخدامها للمياه.
وبالنسبة إلى مديري الأراضي، يعني ذلك الحاجة إلى مراقبة طويلة الأجل لكمية الحشائش، والأنواع الموجودة، ومستويات الرعي، وكمية المادة النباتية المتاحة للاحتراق.
كما قد تحتاج خطط إدارة الرعي والحرائق التي تستند إلى الأنماط التاريخية إلى إعادة النظر إذا أصبحت كمية الحشائش وأنواعها مختلفة حتى في ظل مستويات مماثلة من الأمطار.
ماذا يحدث للحشائش الإضافية؟
يقول الباحثون إن الخطوة التالية تتمثل في معرفة مصير الحشائش الإضافية التي تنتجها السافانا.
وهل تتحول إلى غذاء للحيوانات؟ أم تحترق خلال الحرائق؟ أم تتحول إلى مادة عضوية غنية في التربة؟
وتحدد الإجابة عن هذه الأسئلة جزءًا كبيرًا من التأثير النهائي على الحياة البرية والماشية وحرائق السافانا وتخزين الكربون، وبذلك تضيف الدراسة عاملًا مهمًا إلى فهم تأثير تغير المناخ في السافانا الأفريقية.
فارتفاع ثاني أكسيد الكربون لا يغير هذه النظم البيئية فقط من خلال ارتباطه بارتفاع درجات الحرارة وتغير الأمطار، بل يؤثر مباشرة في طريقة نمو الحشائش وقدرتها على استخدام المياه.
وفهم هذه التأثيرات المتداخلة سيكون ضروريًا لتوقع كيفية تغير السافانا الأفريقية خلال العقود المقبلة، ولإدارة الرعي والحرائق والموارد الطبيعية في ظل مناخ أكثر دفئًا وجفافًا.





